مفهوم “اسمه أحمد” في القرآن

(وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ
وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ) (الصف : 6)

محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورد اسمه (محمد) في الكتاب المبين في أربعة مواضع هي:

[1] (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) (آل عمران : 144)

[2] (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) (الأحزاب : 40)

[3] (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ) (محمد : 2)

[4] (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) (الفتح : 29)

وقد ورد باسم (أحمد) في موضع خامس وهو:

[5] (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ) (الصف : 6)

فهل كان لرسول الله حقا أكثر من اسم؟ لقد روى البخاري وغيره الحديث التالي ـ واللفظ للبخاري ـ للاستدلال على أن رسول الله كان له أكثر من اسم.

أخرج البخاري في صحيحه من حديث جبير بن مطعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لي خمسة أسماء :

[1] أنا محمد ،

[2] وأحمد ،

[3] وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر،

[4] وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي،

[5] وأنا العاقب.

والذي يعنينا في هذا البحث هو اسم (أحمد) والسؤال الذي يطرح نفسه الآن لماذا لم يقل المسيح عليه السلام (ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه محمد)؟ أوليس اسم (محمد) أكثر شيوعا بكثير من اسم (أحمد)؟ اذا فلماذا سماه أحمد ولم يسمه محمد؟ الاجابة على هذا السؤال سوف تستند الآن على مستند التشريح الاشتقاقي اللغوي أو ما أسميه بالجينات اللغوية. لنقرأ معا قول الله تعالى:

(يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا) (مريم : 7)

وقول الله تعالى:

(رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) (مريم : 65)

ان مفتاح فهم السؤال محل البحث يكمن في الفهم الأمثل للفظ (سميا) فماذا يعني هذا اللفظ؟

السين والميم والألف تحمل صبغة معنوية محددة ألا وهي: الصفه أي الشبه والمثل، ولذلك يبشر الله زكريا عليه السلام بأن يحيى عليه السلام

(لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا)

أي شبيها ولا مثيلا، فهو جد متفرد في صفاته.

والله يخبرنا عن نفسه

(هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا

أي شبيها أو نظيرا أو مثيلا أو مشاركا له في صفاته وهكذا اجتماع السين والميم والالف ـ والتي تقلب ياء ـ لا تعني شيئا غير الصفة والنعت ولذا فاننا نقول: فلان حسن السمت أي ذا خلقة حسنه ومنه قوله تعالى المتقدم:

(سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) أي وصفهم.

عود على بدء:

لقد بشر المسيح عليه السلام اذا بصفة النبي الخاتم ولم يذكر اسم العلم الدال عليه ولذلك قال:

(اسْمُهُ أَحْمَدُ)

أي صفته ونعته وخلقه أنه أحمد فماذا تعني كلمة أحمد؟

أحمد هو أفعل التفضيل من الفعل الثلاثي المجرد (حمد)، نقول: حمد يحمد حمدا فهو حامد. لفظ (حامد) على وزن (فاعل) هو صفة اسم فاعلها يسمى (الحامد) واسم مفعولها يسمى (محمود) ومصدر الفعل الثلاثي هو (حمد) بسكون الميم. فاذا كان (حامد) صفة فان (أحمد) هو أفعل التفضيل ومعناه أكثر حمدا.

وكما ذكر محمد صلى الله عليه بنعته أحمد، ذكر أتباعه كذلك بنعوتهم، ولذلك قال الله تعالى:

(مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) (الفتح : 29)

ما أخلص اليه اذا هو أن كلمة (أحمد) ليست اسم علم لخاتم الأنبياء، وانما هي صفته ومثله ونعته وسمته، اما اسم العلم الخاص به فهو اسم واحد فقط وهو (محمد) صلى الله عليه وسلم

ومنتهى القول فيه أنه بشر ***** وأنه خير خلق الله كلهم

مداخلات ونقاشات

[1]

عبارة (اسمه أحمد) ـ عندي ـ أي (صفته أحمد) وعند الشيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله (اسمه أحمد) فالاتفاق بيننا في كون كلمة (أحمد) ليست اسم علم ولكن (أفعل التفضيل) والخلاف فقط في كلمه (اسمه)، فبينما يجعل الشيخ ابن عاشور متعلق التفضيل في الاسم أجعله أنا في الوصف، ويبدو لي أن هذا أبلغ أن تكون الصفة هي متعلق التفضيل وليس مجرد الاسم.

[2]

ما معنى قوله تعالى (وعلم آدم الأسماء كلها)؟ وهل حقا الاسم يسبق الصفة؟ هل علمهم الله أسماء أشياء لا وجود لها أم علمهم أسماء أشياء موجودة بذواتها وصفاتها؟ ثم ما معنى كلمة (الأسماء) في الآية الشريفة؟ أرجو من الاخوة التدبر في الأمر جيدا. تأملوا معي قولهم (الكتاب جميل) وأخبروني عن كلمة (جميل) هل هي صفة؟ كلمة (جميل) هنا هي (خبر) والخبر هو اسم مرفوع مسند الى المبتدأ (الكتاب). ثم تأملوا قولهم (قرأت كتابا نافعا) وأخبروني عن كلمة (نافعا) هل هي صفة؟ كلمة (نافعا) هنا هي بالفعل (صفة) لـ (كتابا) ولكن ما هي الصفة؟ هل هي اسم أم فعل أم حرف؟ الاسم هو اللفظ الدال على معنى قائم الزمن ليس جزءا منه، وبذلك تخرج الـ (صفة) عن كونها فعل وحرف. فالصفات في نهاية الأمر (أسماء) وتعليم الأسماء فيه دلالتان: الأولى أن مسميات هذه الأسماء موجودة ـ عينا أو معنى ـ بذواتها وصفاتها، الثانية أن الأسماء تحوي (الصفات) في طياتها أو أن الأسماء جزء من الصفات.

بعد هذه المقدمة السريعة دعونا نعود للموضوع المطروح.

[3]

اسمه أحمد

الاسم، السمة، الوسم كلمات لها نفس الجذر ألا وهو (ا، س، م) وتقلب الألف واو ابدالا واعلالا. اذا المعنى (الجيني) واحد ولو اختلفت (مباني) الكلمات، وهذا المعنى هو: وسم الشيئ أي نعته بسمته. و الـ (اسم) ليس في حقيقة الأمر سوى (وسم) للشيئ ـ حيا كان أو ميتا ـ فلا يخرج عن جملة النعوت. اذا استصحبنا هذا المعنى نجد أن التركيب (اسمه أحمد) ليس في حقيقة الأمر الا أنه (وسمه أحمد) بمعنى (سمته أحمد) أي (صفته أحمد). الرسول الكريم عيسى بن مريم يبشر اذا برسول خاتم باعتبار (الوسم) لا (الرسم) أي باعتار الصفة الأصيلة فيه كونه (أحمد) الناس وليس باعتبار اللفظ الذي يميزه عن غيره (اسم العلم). نبينا ماكان اسمه العلمي أحمد وانما محمد ـ على الله عليه وسلم ـ أما وسمه وسمته ونعته ووصفه فهو (أحمد). بنفس المنطق نفهم قوله تعالى (ان هي الا أسماء) اذ المقصود ليس هو (اسم العلم) وانما (الصفات) التي خلعوها على (آلهتم) من أنها تقرب الى الله زلفى أو تستحق العبادة وما شاكل ذلك.

هل محمد خاتم الانبياء ورسول الله أحمد المخلوقات لله؟

اللفظ المشتق من الفعل الماضي الثلاثي المجرد (حمد) – مضارعه (يحمد) – الدال على التفضيل هو (حامد) مع ملاحظة أنها نفسها صيغة اسم الفاعل. أما اللفظ الدال على أفعل التفضيل comparative فهو (أحمد). واللفظ الدال على الأفضلية superlative هو (الأحمد). نقول مثلا: عمرو حامد لربه ولكن زيدا أحمد لربه من عمرو أما فلان فهو الأحمد لربه. الملاحظ أن القرآن وصف النبي الخاتم محمد صلى الله عليه ـ في هذا الموضع ـ بأفعل التفضيل (أحمد) وليس بالأفضلية (الأحمد) ومن ثم يبقى السؤال أعلاه مطروحا: هل كان كذلك هو الأحمد من بين كافة مخلوقات الله؟

تحياتي

الحسيني

About these ads
Published in: on أغسطس 18, 2007 at 9:45 ص  اكتب تعليقُا  

The URI to TrackBack this entry is: http://alhousseiny.wordpress.com/2007/08/18/%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d8%b3%d9%85%d9%87-%d8%a3%d8%ad%d9%85%d8%af-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86/trackback/

خلاصة "RSS" للتعليقات على هذه المقالة.

أضف تعليق

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

%d مدونون معجبون بهذه: