مفاهيم فلكية مبسطة

 

مفاهيم فلكية مبسطة

في سياق بعض المناقشات المتعلقة بالفلك ورصد الأهلة تستخدم بعض المصطلحات الفلكية كالمحاق والإقتران وغير ذلك من المفاهيم التي ترتبط مباشرة ببعض الشعائر التعبدية الإسلامية كالصيام والإفطار والحج وغير ذلك مما لا يسع المكلف الجهل به. لذلك رأيت أن أخصص هذا الشريط لعرض بعضا من تلك المفاهيم الفلكية عرضا مبسطا وأسأل الله التوفيق في ذلك إنه ولي ذلك والقادر عليه.

[1] المحاق New Moon

فعل (يمحق) يقابل في الكتاب المبين فعل (يربي)، وبينما يدل الفعل الثاني على الزيادة والنماء يدل الفعل الأول على الإنحسار والإنتهاء. يقول الله سبحانه في الكتاب: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ) (البقرة : 276). في علم الفلك يدل لفظ (مُحاق) على نفس المعنى اللساني حيث يقصد به وضع القمر الجديد New Moon بعد أن أتم دورته المدارية حول الأرض في 29 يوما و 12 ساعة و 44 دقيقة و 38 ثانية. نلاحظ هنا أن المحاق يقصد به القمر الجديد وليس القديم ـ بداية الدورة القمرية وليس نهايتها ـ أي الوضع الذي سينطلق منه في سباحة جديدة حول الأرض. في هذا الوضع يقع القمر والشمس كلاهما على نفس خط الطول السماوي celestial longitude بحيث يوجه الأرضَ وجهُ القمر المظلم – ممحوق من الإنارة ـ أما وجهه المنير فيكون مقابلا لأشعة الشمس ولا يرى من الأرض لأن الزاوية هنا تساوي صفرا لوقوعهما على نفس خط الطول السماوي كما ذكرت. جدير بالذكر أن مصطلح (ولادة الهلال) لا يعني شيئا آخرا سوى المحاق / القمر الجديد / القمر الوليد على النحو الموضح أعلاه.

[2] الإقتران الأرض مركزي Geocentric Conjunction

أرض مركزي Geocentric تركيب يتكون من مقطعين هما أرض Geo ومركزي centric ويقصد به في علم الفلك مرجع المراقب منسوبا إلى مركز الأرض. الأرض ـ بشكلها الهندسي الشبه كروي ـ لها مركز، هذا المركز هو المرجع Reference الذي ننسب إليه قياساتنا الفلكية. أما الإقتران Conjunction فيعرفه كل دارس للرياضيات ولا سيما في بابي المنطق الرياضي ونظرية المجموعات ويعني إجتماع الحدث A مع الحدث B ويرمز له بالرمز A ^ B. في علم الفلك يطلق لفظ الإقتران عندما يجتمع جرمان من أجرام النظام الشمسي بحيث يكونا على نفس خط الطول السماوي. ولما كان مرجعنا الرصدي أو القياسي هو الأرض لذلك يسمى ذلك الإقتران بالإقتران الأرض مركزي. أنبه هنا على خطأ قد يقع فيه البعض أن كلمة (أرض مركزي) لا تعني في سياقنا هذا اقتران مركز الأرض مع مركز جرم سماوي آخر لكنها تعني اقترانا بين جرمين منظورا إليه من مركز الأرض.

[3] خط الطول السماوي Celestial Longitude

هناك خطوط ودوائر وهمية حول الكرة الأرضية تخيل العلماء وجودها تبسيطا وتسهيلا للقياسات فمثلا تقع مكة المكرمة على دائرة عرض °21 و’26 شمالا وخط طول °39 و ‘49 شرقا. من أجل تسهيل القياس في الكرة السماوية ـ على غرار الحال بالنسبة للكرة الأرضية ـ تخيل العلماء وجود خط طول سماوي Celestial Longitude عرفوه بأنه إحداث الموضع الزاوي angular position لجرم سماوي ما حول سطح مستوى المدار الشمسي السماوي Ecliptic منظورا إليه من الأرض ومقاسا بدرجات من °0 إلى °360. في حالة المحاق نجد أن ذلك الموضع الزاوي يبلغ °0 لذلك لا نرى إنارة القمر لكن حينما يتحقق الشرط a > 0 حيث تمثل a مقدار تلك الزاوية عندها يبدأ القمر في الإنارة. بهذه المناسبة أود التنبيه على وجوب التفريق بين الإضاءة والإنارة: أما الإضاءة ومشتقاتها كالضياء والضوء فمصدرها الشمس وأما الإنارة ومشتقاتها كالنور فمصدرها القمر. يقول الله سبحانه في الكتاب: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَ الْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (يونس : 5).

[4] المدار الشمسي السماوي Ecliptic

المدار الشمسي السماوي Ecliptic هو مدار ظاهري سنوي للشمس يميل مستواه على مستوى خط الطول السماوي Celestial Longitude بزاوية قدرها °23.0 ويتقاطع معه في عقدتين أولاهما Vernal Equinox والتي تمثل نقطة عبور الشمس من الجنوب نحو الشمال وتحدث في 20/21 مارس من كل عام وثانيهما Autumnal Equinox والتي تمثل نقطة عبور الشمس من الشمال نحو الجنوب وتحدث في 22/23 سبتمبر من كل عام. يطلق على هاتين النقطتين الإعتدال الربيعي 20/21 مارس والإعتدال الخريفي 22/23 سبتمبر. ملاحظة هامة للغاية أود التنبيه عليها هنا وهي أن المدار الشمسي السماوي Ecliptic هو مدار ظاهري سنوي للشمس ووضعت خطا تحت كلمة ظاهري للتنبيه على أن ذلك المدار هو الظاهر للراصد الأرضي حيث تبدو الشمس وكأنها تدور حول الأرض أما في الحقيقة فإن ذلك المدار هو مدار الأرض حول الشمس وليس العكس وذلك مثل راكب في قطار ساكن على رصيف المحطة يبدو له ظاهريا أن قطاره يسير بينما تعبر تلك الحركة في الواقع عن سير قطار مجاور قادم من الإتجاه المضاد. المدار الشمسي السماوي Ecliptic هو مدار ظاهري إذن ويمثل عرضا منظوريا Projection للمدار الحقيقي وهو مدار الأرض السماوي. لذلك يميل المدار الشمسي الظاهري على خط الطول السماوي بزاوية °23.5 والتي تمثل في واقع الأمر زاوية ميل المحور الأرضي عن الخط الرأسي السماوي.

- يتبع -

مراجع

1. Lexikon der Astronomie

2. Handbuch der Himmelsbeobachtung

3. Oxford Dictionary of Astronomy


[5] الرؤية الوهمية للهلال وأسبابها

قد تبين المعطيات الفلكية مثلا أن القمر الجديد New Moon سوف يغرب قبل غروب الشمس ولنأخذ مثلا لذلك: قمر شهر ذي الحجة لعام 1428 هـ / 2007 م ومدينة مكة المكرمة. يوم الأحد الموافق 9 ديسمبر 2007 م يصادف يوم 29 ذي القعدة 1428 هـ وفق التقويم الرسمي لبلاد الحرم. تغرب الشمس اليوم ـ بالنسبة لمدينة مكة ـ على الساعة 17:39 في الإتجاه الغربي الجنوبي بينما يغرب القمر اليوم ـ بالنسبة لمدينة مكة ـ على الساعة 17:16 أي قبل نحو 23 دقيقة من غروب الشمس. يحدث الإقتران المركزي على نحو الساعة 20:40 بالتوقيت المحلي لأم القرى أي بعد غروب شمس ذلك اليوم بنحو ثلاثة ساعات ودقيقة واحدة. في حالتنا هذه نجد سببين رئيسيين يحيلان رؤية الهلال ـ أي يجعلانها مستحيلة ـ وهما:

(1) غروب القمر قبل غروب الشمس (بفارق قدره نحو 23 دقيقة).

(2) حدوث الإقتران المركزي بعد غروب الشمس (بفارق قدره نحو ثلاث ساعات).

هذه هي المعطيات الفلكية بالنسبة ليومنا هذا في شهرنا هذا في عامنا هذا. برغم تلك المعطيات يفتح مجلس القضاء الشرعي في بلاد الحرم أبوابه للشهادة المستحيلة ضاربا بتلك المعطيات الفلكية عرض الحائط. الأغرب من ذلك هو تقدم بعض الشهود بإثبات رؤيتهم للهلال في ظل تلك الإستحالة كما جرى في الأعوام الماضية، فما هو تفسير ذلك؟ هناك إحتمالان لا ثالث لهما:

(1) إما تواطؤ الشهود على الكذب إن كانوا من غير العدول.

(2) وإما توهم الشهود إن كانوا من العدول.

سأفترض حسن النية والعدالة في الشهود ومن ثم لا يبقي إلا إحتمال واحد فقط هو: الوهم والخطأ وهما أمران لا يقدحان في العدالة بعكس الكذب الذي يقدح فيها. السؤال الأن هو: ما هي أسباب تلك الرؤية الوهمية للهلال في الوقت الذي يقطع فيه العلم باستحالة رؤيته؟ يمكن رصد أربعة أسباب أسباب:

[i] التلوث أو التوهج الضوئي المنبعث من المدن والمنعكس من السحب الغازية والضبابية.

[ii] الأقمار الصناعية حيث تسبح حول الأرض بأعداد تزيد على 6000 قمر صناعي مصنوعة من مواد معدنية مصقولة ولامعة تعكس الأنوار كما تعكس ضوء الشمس فتبدو كهلال قمر طبيعي.

[iii] سحب العوادم المحيطة بالأرض من أبخرة وغازات وضباب ودخان وغبار والتي تشكل سحبا ذات كثافة كبيرة ومنها:

1. الكلور ومن أسبابه تبخر مياة البحار والمحيطات والمسطحات المائية.

2. أول وثاني أكسيد الكربون ومن أسبابه إحتراق البنزين من محركات السيارات والطائرات إضافة لحرائق الغابات وغير ذلك.

3. كبريتيد الهيدروجين ومن أسبابه تفاعل ثاني أكسيد الكبريت مع بخار الماء.

4. إنبعاث أول وثاني أكسيد النيتروجين.

5. الأشعة الفوق بنفسجية.

وهكذا يشكل كل ما سبق سحبا ذات كثافة مختلفة عن كثافة الهواء ولذلك قد تعكس بعضا من أشعة الشمس بعد المغيب يحسبها الغافل هلالا جديدا.

[iv] رؤية جرم سماوي آخر غير القمر مثل كوكب الزهرة أو عطارد أو ما شابه ذلك.

وهكذا قد يتجمع سبب أو أكثر من الأسباب السابقة فتعكس جزءا من ضوء الشمس قد يظنه العوام نور الهلال الوليد فيذهب مسرورا إلى دور القضاء الشرعي لللإدلاء بشهادته وهو مطمئن لصدقه فيما رأى ـ وقد رأى نورا ربما إلا أنه ليس نور القمر بالتأكيد ـ والعجب أو والمؤسف بل والمؤلف أن أولي الأمر يصدقون ذلك الشاهد أو أولئك الشهود غير ملتفتين إطلاقا لشهادة أكبر وأجل وهي شهادة الله تعالى ذاته:

(قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهِ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ) (الأنعام : 19)

ومما شهد الله سبحانه به فيما يتعلق بموضوعنا قوله تعالى:

(هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (يونس : 5)

ـ يتبع ـ

تحياتي

الحسيني

نشر بتاريخ  on ديسمبر 9, 2007 at 1:51 م أترك تعليقا

حول علم الإحصاء

أولا: إشتقاق مصطلح “الإحصاء”

وردة مادة “ح / ص / ى” في القرآن الكريم في أحد عشر موضعا منها قول الله تعالى:

(وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) (النحل : 18)

حيث ترتبط مادة “حصى” فيها بمفهوم “العد” وهي تدل في هذه الآية الكريمة على المجموعة الغير منتهية والغير قابلة للعد وهي مجموعة نعم الله تعالى. أما قول الله تعالى:

(إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا. لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا …) (مريم : 93 – 94)

فيشير إلى المجموعات المنتهية والمجموعات المعدودة وهكذا. إن تتبع مفردة “حصى” في القرآن يجد أن المفهوم الأولي لها هو الإحصاء العددي والوصفي من ناحية والإحصاء الكيفي من ناحية أخرى وهو ما لا يخرج تعريفنا الوضعي للإحصاء عنه بصورة كبيرة، حيث ينقسم علم الإحصاء الحديث إلى ثلاثة أقسام أساسية هي ـ كما تعرفون ـ الإحصاء الوصفي descriptive والإحصاء الكشفي explorative والإحصاء الإستدلالي inductive وهو مالا يخرج عن مفهوم الإحصاء في القرآن في المفهوم “العام”.

أما من ناحية أصل المصطلح فكلمة “إحصاءة” باللغة الإنجليزية هي statistic وباللغة اللاتينية هي statisticae. أما العلم الإحصائي “الإحصاء / الإحصائيات” فيطلق عليه بالألمانية Statistik وتقرأ “شتاتيستيك” بالشين وهي كلمة قريبة من كلمة Staat وتعني دولة وكذلك كلمة Stadt وتعني مدينة. أما كلمة Status اللاتينية فتعني حالة أو وضع وهي مرادف كلمة State بالإنجليزية والتي تعني كذلك “الدولة”. مما سبق يتضح أن علم الإحصاء Statistics يرتبط من ناحية التأصيل اللساني للمصطلح بـ “حالة الدولة” وطبيعي أن يكون مقصورا في ذلك الوقت على الجانب الوصفي فقط حيث كان علم الإحصاء لا يزال وليدا، لكنه اكتسب أبعادا أخرى بمرور الزمن ولا سيما بعد تلقيحه بالأساليب الرياضية والمعلوماتية.

ثانيا: أقسام علم الإحصاء

ينقسم علم الإحصاء ـ حسب التقسيم المنهجي الأكاديمي المعاصر ـ إلى الأقسام الآتية:

(1) الإحصاء الوصفي descriptive Statistics وهو يختص بدراسة التكرار والتوزيعات التكرارية وأساليب عرض البيانات بالرسوم والأرقام وكذلك حساب مقاييس وأشكال التوزيعات التكرارية إضافة لموضوعي الإرتباط والإنحدار. داخل علم الإحصاء الوصفي يشغل علم الإحصاء الكشفي / الإستكشافي explorative Statistics مكانة متميزة.

(2) الإحصاء الإستقرائي inductive Statistics ويختص بدارسة الإحتمالات والتوزيعات الإحتمالية كتوزيع بواسون وذي الحدين أو توزيع جاوس “التوزيع الطبيعي” و التوزيع الأسي وغير ذلك من التوزيعات الإحتمالية. إضافة إلى ذلك يهتم الإحصاء الإستقرائي بدراسة نظريات التقدير والإختبار وتحليل الإنحدار وتحليل التباين وتحليل السلاسل الزمنية وغير ذلك من الموضوعات. داخل علم الإحصاء الإستقرائي يشغل علم الإحصاء الإحتمالي Stocahstics مكانة متميزة. يهتم علم الإحصاء الإحتمالي بحساب ونظرية الإحتمالات والمتغيرات العشوائية الوثابة والمتصلة وكذلك بالعمليات الإحتمالية مثل عمليات ماركوف Markow Processes وعمليات بواسون Poisson Processes وكذلك حركة براون وغير ذلك من المواضيع.

ثالثا: الإحصاء بين الإستقراء والإستنباط

هناك منهجان علميان معروفان وهما منهج الإستقراء ومنهج الإستنباط:

(1) الإستقراء Induction والذي يطلق عليه كذلك “الإستنتاج” فمعناه الإنطلاق من الخاص وصولا إلى العام. طبيعي أن يأخذ علم الإحصاء بهذا المنهج حيث يدرس عينة عشوائية “الخاص” مسحوبة من المجتمع الإحصائي “العام” بشكل تمثيلي جيد ثم يقوم من خلال نتائج دراسة العينة العشوائية باستنتاج خصائص المجتمع الإحصائي.

(2) الإستنباط Deduction معناه الإنطلاق من العام وصولا إلى الخاص أي عكس منهج الإستقراء. طبيعي ألا يأخذ علم الإحصاء بهذا المنهج لخطورته الواقعية فمثلا هب أن هناك مصنع للمصابيح الكهربائية يريد أن يختبر “طول فترة الإنارة الخاصة بالمصباح قبل أن يحترق”. المنهج الإستقرائي معناه أن يأخذ الإحصائي عددا من المصابيح “عينة” بطريقة عشوائية ليجري عليها دراسته ليعمم نتائجها بعد ذلك على إنتاج المصنع من المصابيح. المنهج الإستنباطي على العكس معناه تجريب كل المصابيح المنتجة حتى تحترق لنقول بعد ذلك أننا لو “كنا” أخذنا عينة كانت نتائجها ستكون كذا وكذا. نقول هذا بعدما يكون صاحب المصنع قد أشهر افلاسه !!! من العلوم التي يلائمها المنهج الإستنباطي بعض فروع علوم الفلسفة أما الإحصاء فيعتمد على المنهج الإستقرائي فقط.

تحياتي

الحسيني

نشر بتاريخ  on اغسطس 31, 2007 at 2:14 م أترك تعليقا

رسالة إلى علماء الرياضيات

الإخوة الأفاضل والأخوات الفضليات طلاب وعلماء الرياضيات

سلام الله عليكم ورحمته وبركاته

يروى عن الرياضي الإغريقي أرشميدس Archimedes أنه كان يرسم مجموعة من الأشكال الهندسية “دوائر” إذ دخل عليه محارب روماني يريد قتله. قبل أن تفارق روحه جسده صاح في وجه قاتله قائلا: اترك دوائري في سلام ولا تزعجها Stoere meine Kreise nich. لقد فطن رياضيون آخرون قبل أرشميدس لمسألة “الهروب” حيث يوجد الأمن، ليس حفاظا على حياتهم فحسب ولكن حفاظا على علمهم في نفس الوقت، ذلك العلم الذي مثل عبر التاريخ ثروة للإنسانية، فها هو بيتاجوراس “فيثاغورس” Pythagoras يفر بروحه وعلمه إلى بلاد بابل هروبا من الغزو الفارسي لبلاده، وهاهو أويكليد “إقليدس” Euklid يفر إلى الإسكندرية هربا من الحرب الأهلية في بلاده.

إن علماء الطبيعيات بوجه خاص لا سيما علماء الرياضيات والفيزياء والفلك والهندسة التقنية والكيمياء والأحياء والطب والجيولوجيا إضافة لعلماء بقية المجالات المختلفة هم الثروة الحقيقية للأمة. لو أن دولا خسرت حكامها فلن يضيرها ذلك، أما لو خسرت عقولها ومفكريها فستهوي إلي الحضيض بلا شك كما هو الحال في بلداننا العزيزة التي لم تحسن ـ بسبب سوء الإدارة العامة ـ استثمار نوابغها.

إنكم ـ معشر الرياضيين والرياضيات ـ الأمل الحقيقي لأمتنا، وبدونكم لن تقوم لنا قائمة. لقد خلق الله تعالى الكون الفسيح وخلق له قوانين تحكمه، من يخالفها يهلك: خلق الله قانون الجذب العام فمن ألقى بنفسه من مكان عال سقط على الأض صريعا. كذلك الحال بالنسبة للتقدم والتأخر: إذا أحسن أولو الأمر الإنتفاع بكم وبأمثالكم من عقول الأمة فسوف تشهد أمتنا إزدهارا كبيرا بإذن الله أما لو بقي الحال على ما هو عليه فلنقرأ إذا الفاتحه على روح أمتنا الشهيدة. ذهب صنفان من الناس للدراسة في الغرب: صنف ذهب لتلقي العلم وصنف ذهب ليتعلم الرقص. أما العلماء فلم يرجعوا ولكن فضلوا البقاء في بلاد تقدر علمهم. وأما الراقصون فقد عادوا لبلادهم فاستقبلهم قادتها استقبال الأبطال !!!

لا نريد أن يكون مصيركم كمصير أرشميدس وإن كنا لا نحب لكم كذلك الفرار كفرار فيثاغورس وإقليدس وإن كان ذلك أسلم في حالتكم ـ بصفتكم عقول الأمة ـ لأنكم لستم ملكا لأنفسكم ولكنكم ثروة الأمة والسهر على راحتكم هو أوجب واجباتها بعد الإيمان بالله. قبيل الحروب النابليونية كان هناك صبي عبقري، كان يصحح الحسابات لأبيه في حين أنه لم يكن يتعدى من العمر ثلاثة أعوام. حينما شب ذلك الطفل بلغت أنباء عبقريته مسامع نابليون فأصدر أمرا عاما لأحد كبار قادته العسكريين وكلفه بمهمة عسكرية محددة ألا وهي: حماية ذلك الفتى النابغ حتى لا يلقى نفس مصير أرشميدس. ذلكم الفتى هو عبقري الرياضيات الألماني كارل فريدريش جاوس Karl Friedrich Gauss. لقد كان جاوس يمثل أحد المرتكزات الهامة للأمن القومي الإنساني لذلك أصدر الإمبراطور نابليون بونابرت توجيهاته العسكرية بإخضاع الفتى الناشئ للحماية العسكرية وبدون أن يلاحظ هو ذلك.

هل يعي القادة والساسة وألو الأمر في دولنا هذا الدرس فيتعلموا أن عقول أبنائهم النابهين هي المرتكزات الحقيقية للأمن القومي في بلداننا؟

من خلال هذه الرسالة المتواضعة التي أبعثها إليكم أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله تعالى ثم بالسهر المضني والعمل الجاد للتعمق في علومكم ولتقديم الجديد فيها بإذن الله واعلموا أنكم ثروتنا ومصدر فخرنا فحافظوا على أنفسكم ولتكونوا دائما على قلب واحد مخلصين لله تعالى وساعين لنصرة أمتكم في مجالات تخصصكم.

تقبلوا تحياتي وتقديري

وإلى الأمام دائما بإذن الله

والسلام عليكم ورحمة الله

أخوكم المحب لكم

الحسيني

نشر بتاريخ  on اغسطس 30, 2007 at 6:23 م أترك تعليقا

حوارات رياضية وفلكية

أولا: عد السنين بين المؤرخين والرياضيين

في مقالي السابق حول طاليس الميلتي كتبت ما يلي: “في البداية أحب أن أنوه لمسألة هامة تتعلق بعد السنين الميلادية: يبدأ عد السنين الميلادية بعد مولد المسيح بـ “1 بعد الميلاد” وهو يقابل العدد “1″ رياضيا. لكن عد السنين الميلادية قبل مولد المسيح يبدأ عند المؤرخين بـ “1 قبل الميلاد” وهذا خطأ من الناحية الرياضية لكونه يسقط العدد “0″ والذي يمثل سنة الميلاد ذاتها. لتوجيه التاريخ الميلادي قبل ميلاد المسيح توجيها رياضيا سليما لابد من “سحب” رقم “1″ من سائر السنين وفق المعادلة التالية: سنة N قبل الميلاد = 1 – N رياضيا”.

أخت فاضلة تتسائل: حدثت ضجة أواخر عام 1999 م عندما اكتشف بعض الناس أن الألفية الثالثة والقرن الحادي والعشرين ما يزالان على ” بعد ” أكبر من سنة، إذ إن العام 2000 بشهوره الإثني عشر هو العام الأخير في القرن العشرين والألفية الثانية. ترى أين يضعنا هذا من مسألة (السنة الصفرية / السنة الأولى الميلادية)؟

سؤال مهم للغاية وفي محله تماما. لتكن لدينا المعطيات التالية

(1) مجموعة الطبيعية N تشمل الأعداد 1، 2، 3، …، oo

(2) مجموعة الأعداد الصحيحة Z تشمل الأعداد …، -3، -2، -1، 0، 1،2، 3، …

(3) الأعداد الحديثة تشمل عشرة أرقام تبدأ بـ 0 وتنتهي بـ 9

إن العد الذي يعتمده المؤرخون يقفز من 1 ق. م. مباشرة إلى 1 ب. م. وهذا خطأ كبير من الناحية الرياضية لأنه يسقط سنة 0 من مجموعة الأعداد الصحيحة الكلية. لذلك فإننا نقوم بعمل سحب للعد التاريخي بمقدار 1 ما اليسار إلى اليمين على مستقيم الأعداد فتصبح سنة 1 ق. م. قبل السحب سنة 0 بعد السحب، وسنة 2 ق. م. قبل السحب سنة 1- وهكذا. أما الأعداد الطبيعية فلا تسحب ولا تزاح بل تبقى على ما هي عليه. لو قلنا مثلا أن التقويم الشمسي الجولياني / اليولياني وضع سنة 46 ق. م. تصير السنة بعد الترجمة للغة الرياضيات سنة 45 – وهكذا. أما لو قلنا أن فلانا ولد عام 50 ب. م. مثلا فإن ذلك يعني رياضيا سنة 50 + كذلك.
أعود لتقسيم القرون. في المفهوم الديني العربي هناك خلاف حول تحديد القرن: 50 عاما أم 99 أم 100؟ أما عند مؤرخي ومقومي الغرب فقد اصطلحوا على جعل القرن 100 عام. إذا أخذنا المعطاة رقم (3) في الإعتبار نجد التالي:

* القرن الأول الميلادي [0 >>>>> 99]= 99 – 0 + 1 = 100 عام

* القرن الثاني الميلادي [100 >>>>> 199]= 199 – 100 + 1 = 100 عام

.
.
.

* القرن العاشر الميلادي [900 >>>>> 999]= 999 – 900 + 1 = 100 عام

.
.
.

* القرن العشرون الميلادي [1900 >>>>> 1999]= 1999 – 1900 + 1 = 100 عام

* القرن الحادي والعشرين الميلادي [2000 >>>>> 2099]= 2099 – 2000 + 1 = 100 عام

إذا تقدم لنا مجموعة الأعداد الطبيعية الموسعة الصفر كنقطة قياس طبيعي يتم تحديد أطوال القرون ـ رياضيا ـ على أساسه. لذلك فإن القرن الواحد والعشرين يبدأ من لحظة 00:00 من يوم ا يناير عام 2000 م وأن اللحظة السابقة عليها مباشرة من يوم 31 ديسمبر عام 1999 م هي المتمم للقرن العشرين الميلادي غير آخذين بطبيعة الحال في الأعتبار أخطاء التقويم الميلادي الشمسي يولياني كان أم جريجوري.

أخ كريم يتسائل: هل يعتبر عام 2000 داخلا في القرن العشرين أم لا؟

في البداية أرجو منك أن تتخيل أو أن ترسم نظاما إحداثيا Koordinatensystem حيث يتعامد محور y الرأسي مع محور x الأفقي عند النقطة 0. جميع النقاط الواقعة على محور x على يمين نقطة الأصل 0 تمثل أعدادا موجبة، وجميع النقاط الواقعة على يسار نقطة الأصل 0 تمثل أعدادا سالبة. وجميع النقاط الواقعة على محور y أعلى نقطة الأصل 0 تمثل أعدادا موجبة، وجميع النقاط الواقعة أسفل نقطة الأصل 0 تمثل أعدادا سالبة.

لدينا الآن طريقتان في عد السنين إحداهما صحيحة وهي طريقة الرياضيين والأخرى خاطئة وهي طريقة المؤرخين:

[1] طريقة الرياضيين. هي الطريقة المبينة أعلاه حيث يمثل العدد 0 نقطة الأصل ولذلك يبدأ العد كالتالي:

القرن الأول = يبدأ من سنة 0 وينتهي بنهاية سنة 99

القرن الثاني = يبدأ من سنة 100 وينتهي بنهاية سنة 199

.
.
.
القرن العشرين = يبدأ من سنة 1900 وينتهي بنهاية سنة 1999

وعلى هذا لا تعتبر سنة 2000 داخلة في القرن العشرين.

[2] طريقة المؤرخين. يتقاطع الإحداثين ـ وفقا لطريقتهم الخاطئة في العد ـ عند العدد 1 وليس عند العدد 0 ولذلك يبدأ العد عندهم كالتالي:

القرن الأول = يبدأ من سنة 1 وينتهي بنهاية سنة 100

القرن الثاني = يبدأ من سنة 101 وينتهي بنهاية سنة 200

.
.
.
القرن العشرين = يبدأ من سنة 1901 وينتهي بنهاية سنة 2000

وعلى هذا تعتبر سنة 2000 داخلة عند المؤرخين في القرن العشرين ولكن ذلك يعتبر خطأ من الناحية الرياضية.

لتصحيح ذلك الخطأ نبقي محور المؤرخين الأفقي x كما هو ولكن لنقم بإزاحة المحور الرأسي y إلى اليسار بمقدار | 1 | فتصبح سنة 1 قبل الميلاد هي سنة 0 رياضيا وسنة 2 قبل الميلاد هي سنة 1 – رياضيا وهكذا. لتحويل سنة ما N من سنوات المؤرخين لمرحلة ما قبل الميلاد لتصبح سنة رياضية نقم بالتعويض في المعادلة التحويلية التالية:

سنة N قبل الميلاد = 1 – N رياضيا

مثال: سنة (4589) ق. م = سنة (4588 -) رياضيا


ثانيا: هل يمكن أن تشرق شمسنا من مغرب أرضنا؟

عندي خاطرة أحب أن تشاركوني التفكير حولها بصوت مرتفع لو تفضلت ألا وهي قضية ظهور الشمس من المغرب في نهاية الزمان. لا أريد بحث القضية من زاوية دينية لعدم قناعتي أصلا بما يطلق عليه الدجالون “علامات الساعة” لمخالفة ذلك الزعم لصريح البلاغ المبين: القرآن الحكيم الذي أنزل هدى ورحمة للعالمين ولكني أود بحث القضية من منظور رياضي وعلمي بحت. هل من الممكن رياضيا ظهور الشمس من المغرب؟ الإجابة: نعم وذلك بدوران الأرض على المحور في الإتجاه المعاكس. السؤال الآن يصبح فيزيائيا: هل من الممكن ـ مع البطء التدريجي لحركة دوران الأرض ـ أن تتوقف الأرض عن الدوران عند اللحظة الزمنية t ثم تأخذ الأرض بعدها في الدوران المعاكس؟ أذكر أنني سمعت هنا في ألمانيا شيئا من هذا القبيل لكني اعتبرته كلاما أشبه بالخيال العلمي. لذلك أرجو من الإخوة والأخوات الفيزيائيين والفلكيين نقد الفكرة السابقة ـ تأييدا أو معارضة ـ بطريقة فيزيائية مع خالص شكري.

فجاءني الرد التالي (اللون الأزرق) من أخ كريم :

أرى من حيث المبدأ أن جسما يتباطأ إلى أن يتوقف عن الدوران شيا واردا تماما. وإذا ما توافق ذلك مع ما يبرر دوارنا معاكسا للدوران الاول، فلمَ لا ؟ ولكن ما تلك الطاقة التي ستوقف كوكبا عن الدوران مثل كوكب الأرض …. فالأرض بغلافيها الغازي والمائي وقشرتها أيضا تعاني من جاذبية القمر الذي يعمل من خلال ذلك على إبطاء دورانها حول نفسها وهناك بحوث علمية رصينة جدا في هذا المجال. ولكن التباطؤ هذا هو بحد ذاته بطيء للغاية بحيث يزداد طول اليوم بمقدار 0.002 ثانية كل قرن. أي أن الأرض تحتاج بلايين السنين للتوقف تماما إذا استمر المعدل نفسه. ومن جهة أخرى نعلم أن هناك اصطدامات كونية عظيمة بين الأجرام ومن الممكن أن يغير من سرعات الأجرام حول نفسها بمعدل كبير. ولدينا مثال موجود الآن وهو الزهرة التي تدور حول نفسها بعكس بحركتها حول الشمس وذلك لأن يومها أبطأ من سنتها. فيوم الزهرة 243 يوم أرضي بينما سنتها 225 يوم. هذا يجعل الشمس تشرق من الغرب على الزهرة بدل الشرق.

شكرا على مداخلتك القيمة

خلاصة ما فهمته من كلامك أن إبطاء الأرض من حركة دورانها إلى أن تتوقف ووجود مسبب للدوران العكسي ممكن فيزيائيا كما هو ممكن رياضيا وفلسفيا بيد أن إحتمال حدوث ذلك ضعيف للغاية لما يتطلبه ذلك من زمن طويل جدا ولوجود المتغيرات العشوائية الكونية. أليس ذلك صحيحا؟ إن كان ما فهمته من كلامك صحيحا فنحن متفقان إذا. من ناحية أخرى يقودني موضوع المتغيرات العشوائية للتساؤل عن المدى الذي يمكن أن يسهم به علم إحصاء النجوم Stellar Statsitcs أو علم الهندسة الفراغية العشوائية Stochastic Spheric Geometry للتنبؤ بمثل تلك المتغيرات وتحديد توزيعاتها الإحتمالية بناء على البيانات التي تخرجها الأبحاث الحديثة؟ أعتقد أن نتائج البحث العلمي في هذه الجزئية ستكون مهمة وشيقة جدا فمجالها لا يزال غضا طريا حتى أن المؤلفات التي وضعت فيها تعتبر نادرة جدا. ستكشف الأيام والسنون لنا ولمن بعدنا الكثير والكثير بإذن الله.

أكتفي بهذا القدر من الحوارات بتصرف يسير

والسلام

الحسيني

نشر بتاريخ  on اغسطس 29, 2007 at 6:52 م أترك تعليقا

موجز تاريخ الرياضيات

الإخوة الأفاضل

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أهدي هذه السطور المتواضعة لكل المهتمين بالرياضيات عموما وبتاريخها وتطورها على وجه الخصوص. نظرا لقلة الأوقات سأكمل هذه السطور بين حين وآخر إن كان في العمر بقية وسيسرني بطبيعة الحال تفاعل المهتمين معها لإثراء الموضوعات المختلفة.

الرياضيات في العصور القديمة
عرفت الحضارات القديمة كالحضارة المصرية والصينية والبابلية والهندية الرياضيات ولا سيما الحساب والهندسة. بالرغم من ذلك اقتصر التعامل مع الرياضيات في ذلك الوقت بوصفها أداة حساب أو أداة قياس تستخدم في أغراض كثيرة كبناء المعابد والقصور وحساب الأفلاك والزمن وغير ذلك مما يطلق عليه الآن الرياضيات التطبيقية. أما الرياضيات البحتة وقضايا البرهنة الرياضية فكانت في تلك العصور ذات أهمية ثانوية. من ناحية أخرى لم تكن الفواصل المنهجية بين الرياضيات والفلسفة والدين من ناحية والرياضيات والعلوم الطبيعية والهندسية قد اكتملت. نظرا لقلة المراجع التي بين يدي حول تلك الفترة سأقف عند هذا الحد وأنتقل مباشرة للحضارة اليونانية القديمة (الإغريق).

الرياضيات في الحضارة اليونانية القديمة
الحضارة اليونانية القديمة هي أصل الحضارة الغربية الحديثة ولذلك يبرز الغربيون كثيرا أهمية تلك الحقبة بإعتبار أنها تمثل الخلفية التاريخية لواقعهم المعاصر. وإذ يهمل الشرقيون حضارتهم لدرجة أنه يندر وجود كتاب واحد متخصص في الرياضيات عند البابليين مثلا نجد أن الغرب يصدر العديد من الدراسات حول مساهمة آبائهم الأولين في القضايا العلمية. برع اليونانيون القدماء في القضايا العقلية (الرياضيات / الفلسفة) والقضايا الكونية (الفيزياء / الكيمياء / الفلك / …) وكان الأكاديمي في ذلك الوقت ملما بكل هذه الأوجه المعرفية في إطارها العام ووفق السقف المعرفي لذلك الوقت. من الأسماء الكبرى التي كانت لها مساهمات قيمة في الرياضيات كل من: طاليس Thales وبيتاجوراس “فيثاغورس” Pythagoras وأويكليد “إقليدس” Euklid وأرشميدس Archimedes وغيرهم. أقدم فيما يلي نبذة مختصرة عن كل منهم مشيرا لأهم إسهاماته في مجال الرياضيات وكذلك بقية المجالات. وسأقتصر هنا على بعض المراجع باللغة الألمانية فقط نظرا لعدم معرفتي باللغة اليونانية القديمة.

[1]
Thales von Milet 624 – 547 v. Chr

في البداية أحب أن أنوه لمسألة هامة تتعلق بعد السنين الميلادية: يبدأ عد السنين الميلادية بعد مولد المسيح بـ “1 بعد الميلاد” وهو يقابل العدد “1″ رياضيا. لكن عد السنين الميلادية قبل مولد المسيح يبدأ عند المؤرخين بـ “1 قبل الميلاد” وهذا خطأ من الناحية الرياضية لكونه يسقط العدد “0″ والذي يمثل سنة الميلاد ذاتها. لتوجيه التاريخ الميلادي قبل ميلاد المسيح توجيها رياضيا سليما لابد من “سحب” رقم “1″ من سائر السنين وفق المعادلة التالية: سنة N قبل الميلاد = 1 – N رياضيا

مثال:

سنة 1 قبل الميلاد = سنة 0 رياضيا

سنة 2 قبل الميلاد = سنة (1 – ) “رياضيا”

سنة 624 قبل الميلاد = سنة (623 -) “رياضيا”

وهكذا ومن ثم نقول أن Thales “تترجم إلى طاليس أو تاليس أو ثاليس بالعربية” قد ولد عام (623 -) وتوفي عام (546 -) على سبيل التقريب نظرا لعدم وجود يقين قطعي بسنة مولده بالتحديد ومن ثم يكون قد عاش عدد |623 -| – |546 -| + 1 = 623 – 546 + 1 = 78 عاما مع مراعاة فارق الكسور ” الشهور والأيام”.

حياته
عاش طاليس في العصر اليوناني الهلينستي griechisch – hellenistisch وولد في دولة مدينة مليت Milet الآيونية “حاليا في تركيا” وهي مدينة ميناء كانت تمثل مركزا هاما للبحث العلمي والفلسفي. يروى عن طاليس أنه كان مندهشا وغير منظم وهما الصفتان الملازمتان لصورة الفيلسوف في مخيلة كثير من الناس. كما تروى عنه قصص أخرى مثل أنه كان يرقب السماء أثناء سيره فسقط في نافورة مياة. وحينما سئل ذات يوم: لماذا لا تتطلع أن يكون عندك أطفال؟ أجاب: “نظرا لحبي للأطفال” وغير ذلك من القصص.

تقديره
ينسب المؤرخون لطاليس فضل تأسيس المنهج العلمي القائم على تفسير الظواهر الطبيعية وفق الأسباب الطبيعية وبعيدا عن الأسباب الماورائية والخرافية ويطلقون عليه لذلك “الفيلسوف الطبيعي الأول”. أما في مجال الرياضيات فقد أخذت منحى جديدا بعد أن شهدت ولادة “البرهان الرياضي” على يديه ومن ثم أخذت الرياضيات في الإبتعاد عن كونها وسيلة قياس لتخطو أولى خطواتها في عالم البحث الرياضي البحت ومن ثم وضع النواة الأولى للرياضيات الحديثة التي تقوم على مبدأ البرهنة.

مساهماته الرياضية
من منا لا يعرف دائرة طاليس والتي تعلمناها في المدرسة ونحن صغار؟ إذا رسمنا مثلثا داخل دائرة بحيث يمثل وتره Hypotenuse في الوقت نفسه قطر الدائرة فإن ذلك المثلث يكون دائما قائم الزاوية مادامت النقطة الثالثة تقع على محيط الدائرة. ومن منا لا يعلم أن المثلث المتساوي الأضلاع تتساوى زواياه الداخلية؟ ومن منا لا يعلم أن قطر الدائرة يقسمها لنصفين متساويين تماما؟ إن فضل البرهنة على تلك النظريات الهندسية ينسب إلى طاليس أخذا في الإعتبار أن تلك النسبة ربما تكون خاطئة إذ لم يصل إلينا أي كتاب من كتب طاليس ومن ثم فإن مصدر معلوماتنا عنه هي كتابات أرسطوطاليس وبلاتون “أفلاطون” وهيرودوت فقط.

مساهماته الكونية
تنسب إلى طاليس الأعمال التالية:

- كتابان في علم الفلك

- التنبوء بخسوف عام (584 -)

- حساب قطري الشمس والقمر

- إكتشاف أن السنة الشمسية تتكون من 365 يوما

- نقل فكرة الهندسة Geometrie من مصر إلى اليونان.

ولكن يجب أن نضع صحة ما ينسب إليه موضع شك كبير فعدد أيام السنة ربما يكون قد أخذه من المصريين كما أخذ عنهم مبادئ الهندسة والقياسات وعلى هذا فهو مجرد ناقل وليس مؤصل.

أخطاء طاليس
- ظنه أن الأرض مسطحة وأنها تطفو على سطح الماء كما تطفو الجزر في البحار.

- سبب الزلازل هو حركة أمواج عالية كما تهتز السفن بفعل الموج في أعالي البحار.

- الحجر “المغناطيس” به روح لأنه يحرك الحديد

- لما كان الروح هو باعث الحركة فإن الإله ـ عنده ـ هو روح الكون وهو في كل شيئ. تمثل تلك المقولة البذرة الأولى لأبطولة وحدة الوجود.

- الماء هو المادة الأولية ليس فقط للأحياء ولكن لمادة الكون كله.

نقاش
هل الماء هو الخالق؟ أم مجرد مادة المخلوقات؟ وهل هو مادة المخلوقات كلها أم المخلوقات الحية فقط؟

إن المتابع لأبحاث العلوم الطبيعية الحديثة يعرف أن العلماء قد توصلوا إلى أن عنصر الهيدروجين H هو أول العناصر وأن منه قد تكونت سائر الموجودات. إن خلاصة تلك الأبحاث تشكل خطوة رائعة نحو القرآن الكريم، فالهيدروجين هو العنصر الغالب في الماء H2O وليس هناك ما يمنع أن اتحدت بعد ذلك ذرتان من الهيدروجين مع ذرة أكسوجين لتكون جزيء ماء وعلى هذا يعتبر الهيدروجين هو أول العناصر ولكن الماء هو أول المركبات وهو ما لا ينافي قول الله تعالى:

(… وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء …) (هود : 7)

أي: كان ملكه وسلطانه على الماء فقط باعتباره المركب الوحيد آنذاك. من خلال تلك الآية الكريمة نفهم أن الماء ـ كمركب ـ كان المخلوق الوحيد السائد وليس هناك ما يمنع أن يكون الهيدروجين ـ واسمه بالألمانية مثلا هو: مادة الماء Wasserstoff – هو أول العناصر خلقا ومنه خلق الله تعالى الماء ثم جعل من الماء كل شيء حي:

(… وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ …) (الأنبياء : 30)

وعلى هذا فليس هناك ما يمنع من قبول ظن طاليس أن الماء يشكل المادة الأولى للمخلوقات الحية. أما إن كان يقصد أن الماء نفسه هو الخالق أو السبب الإرادي للوجود فهذا ما لا يمكن قبوله عقلا ولا نقلا.

أكتفي بهذا القدر من الحديث عن Thales المليتي وإلى اللقاء مع Pythagoras يوما ما بمشيئة الله وتوفيقه.

والسلام

الحسيني

المراجع: 

 Wassermann, A. et al.: Die bedeutendsten Mathematiker. Maxi Verlag, Wiesbaden, 2007 

Stockes, P.: Philosophen. Gondrom Verlag, Bindlach, 2003 

von Ditfurth, H.: Im Anfang war der Wasserstoff. Dtv, 1997

نشر بتاريخ  on اغسطس 26, 2007 at 5:50 م أترك تعليقا