حول الأصل الثالث “المنزلة بين المنزلتين”

يبحث أصل المنزلة بين المنزلتين قضيتين هما:

(1) تسمية مرتكب الكبيرة في الدنيا

(2) الجزاء الأخروي لمرتكب الكبيرة

ولكن قبل ذلك لابد من تقديم بعض الملاحظات.

ملاحظات
[1] ورد لفظ (كبائر) ـ جمع كبيرة ـ في الكتاب في ثلاثة مواضع هي:

(إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا) (النساء : 31)

(وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ) (الشورى : 37)

(الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ …) (النجم : 32)

[2] من خلال استنطاق الآيات الكريمة السابقة يمكن تعريف الكبائر بأنها (عظائم الآثام والفواحش) مثل قتل النفس بغير الحق، الظلم، الإفساد في الأرض، نهب أموال الآخرين، … وهذا. وكمقياس عملي للتعرف على الكبائر نلاحظ أنها ترتبط دائما بالوعيد أو بحد من الحدود.

[3] يجب أن نفرق بين مفهوم (فاعل الكبيرة) ومفهوم (مرتكب الكبيرة)، وأن المعتزلة لا تقصد بأصلها الثالث هذا إلا مرتكبي الكبائر أي المصرين على فعلها، المداومين لاقترافها، الغير منفكين عنها.

[4] من ارتكب كبيرة أو فعلها ثم تاب الى الله توبة نصوحا وأصلح قبل النزع يتوب الله عليه ويستحق حينئذ اسم الإيمان. المعتزلة إذا تقصد بأصلها الثالث مرتكبي الكبائر الذين ماتوا دون توبة وليس الذين تابوا وأنابوا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات:

(وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا. إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا. وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا) (الفرقان : 68 – 71)

تسمية مرتكب الكبيرة في الدنيا
انقسمت آراء أهل القبلة ازاء تسمية مرتكب الكبائر المصر عليها الى الآراء الآتية:

(1) الخوارج تسميه كافر

(2) المرجئة تسميه مؤمن عاصي

(3) الحسن يسميه منافق

(4) واصل يسميه فاسق

(5) مدرسة التجديد تسميه مسلم عاصي وفاسق انطلاقا من مبدأ عدم الترادف اللساني الذي تقول به.

حكم مرتكب الكبيرة في الآخرة
أوجب الله من خلال كتابه الحكيم الخلود في نار الآخرة للمسلم العاصي الذي يرتكب الكبائر، ويصر عليها، إن مات دونما توبة، وذلك من خلال عدة آيات قرآنية، منها:

[1] (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة : 275)

[2] (يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيما. وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ. تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ) (النساء : 11 – 14)

[3] (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللّهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا. وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) (النساء : 92 – 94)

حكم الله تعالى من خلال كتابه العزيز إذا على عصاة المسلمين من مرتكبي الكبائر المصرين عليها بالخلود الأخروي في نار جهنم وبالعذاب الشديد. وجعل الخلاص الوحيد لهم من ذلك المصير المظلم توبتهم توبة نصوحا وانابتهم الى الله وعمل الصالحات قبل مماتهم.

البعد السياسي لأصل المنزلة بين المنزلتين
يخلط البعض خلطا غير محمود بين قضيتين هما: فعل الكبيرة وارتكاب الكبيرة ويرادفون بينهما مرادفة تطابقية على ما بينهما من بون شاسع أوضحه بإيجاز شديد فيما يلي:

أولا: فعل الكبيرة
لفظ “الكبيرة” هو مفرد كلمة “كبائر” والكبائر بمفهومها الواسع تشمل العظائم والمثقلات مما نهى الله عنه كالقتل بغير حق والإفساد في الأرض والعهر والإجرام وخيانة الأمانة وغير ذلك. المقصود بقولنا “فعل الكبيرة” أي الإتيان بها لمرة أو مرتين مثلا كمن يسرق مرة أو مرتين أو حتى ثلاث مرات. إن فاعل الكبيرة آثم ولا شك ولكن إثمه دون إثم مرتكب الكبيرة.

ثانيا: إرتكاب الكبيرة
لفظ “ارتكاب” يوحي بركوب الشيئ أي أن مرتكب الكبائر ليس من يفعل الكبيرة لمرة أو مرات محدودة ولكنه من يركب الكبائر ويطوعها ويمسك بقيادها فلا يطلق تعبير “مرتكب” الكبيرة إلا على المصر عليها المداوم لفعلها والمستحل لها بوعي منه أو بدون وعي.

ولذلك يجب أن ينتبه المرء إنتباها شديدا إلى أن المعتزلة إذ تبحث في جزاء الكبائر الأخروي والدنيوي فإنها تقصد “مرتكب” الكبائر المصر عليها وليس “فاعل” الكبائر سهوا أو خطأ أو ضعفا لمرة أو مرتين. وإذ يحاول مرتكبو الكبائر وأعوانهم والعوام من أهل الحشو إستثارة الناس ضد المعتزلة بطريق التدليس والخداع بالخلط بين “فعل” و “ارتكاب” الكبائر توضح المعتزلة توضيحا لا لبس فيه ولا غموض أن الخصم الذي رتب القرآن الكريم له الخلود في النار إن مات دون توبة هو “مرتكب” الكبائر المصر على فعلها المداوم على القيام بها أما من ألم بفعل كبيرة ما لمرة أو مرتين ثم أفاق من غفلته وندم واستغفر فعسى أن يكون مشمولا بقوله تعالى:

(الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ…) (النجم : 32)

تحياتي

الحسيني

نشر بتاريخ  on اغسطس 6, 2008 at 5:16 م أترك تعليقا

محمديم

[1]

كنا أربعة مجتمعين في منزل رابض في وسط تلك المدينة الجميلة المعانقة للطبيعة الخلابة بجبالها وزروعها وثمارها حيث يجري من تحتها ذلك النهر الجميل الشهير. جمعنا الفكر على اختلاف تخصصاتنا الأكاديمية: هذا دكتور في العلوم السياسية، وذاك مهندس ميكانيكا، وثالث مهندس إنشاءات بحرية، ورابع باحث أكاديمي. في ختام تلك الأمسية الفكرية الجميلة خطر لنا أن ندخل على اليوتوب الإسلامي، فدخلنا ووقع نظرنا على تسجيل قديم للشيخ أحمد ديدات رحمه الله فيه ردود على القس الأمريكي البروتستانتي جيمي سويجارت. لفت انتباهي في الشريط أمر عجيب لم أسمع به من قبل حيث ذكر الشيخ ديدات رحمه الله أن اسم (محمد) صلوات الله عليه ورد بالنص في العهد القديم وتحديدا في نشيد الإنشاد المنسوب للملك سليمان بن داود عليهما السلام. أذكر أنني قرأت سفر نشيد الإنشاد ذاك عدة مرات – باللسان العربي – بما فيه من صور شاعرية ومعاني حالمة تميل تارة يميناً لتكون غزلاً عفيفاً رقيقاً، وتنحرف تارة يساراً لتغدو غزلاً صريحاً غليظاً ما كنت أبداً لأظن أن يرد في أحد الكتب اللاهوتية التي ينسبها أصحابها إلى السماء لكني ما لا حظت ورود اسم (محمد) ولا عجب في ذلك حيث لم أكن قرأته بعد بلسانه الأم. لم يكن النص العبراني الأصلي Biblia Hebraica تحت يدي في تلك اللحظة فرجعت بسرعة إلى الترجمتين الألمانية والإنجليزية لكنهما لم يشفيا الغليل لرغبتي في مشاهدة الكلمة مكتوبة باللسان الأصلي للعهد القديم وليس لترجمة المعنى الخاص بها، فعدتُ سريعاً لنسخة عبرانية الكترونية لكنها أثارت عندي نهماً فكرياً أعمق وقد كنت أظنها ستروي الظمأ. بات الوقت متأخراً جداً فخلدت للنوم فور عودتي للمنزل. في صبيحة اليوم التالي كان أول ما فعلته بعد مجيئي للجامعة هو الذهاب سريعاً لكلية اللاهوت، حيث انتقيت أحد النسخ القديمة لنشيد الإنشاد المعروف أكاديمياً بمسماه اللاتيني canticum canticorum حيث فتحت الموضع الذي ذكره أحمد ديدات وتأكدت بالفعل أن الإسم موجود وبنفس الحروف التي يتكون بها في اللسان العربي !!!

هل كان ذلك حقيقة أم كان خداع بصر: اسم (محمد) موجود فعلاً بحروف الميم والحاء والميم والدال لكن باللسان العبراني القديم؟

بناء على ذلك قررت بحث الأمر، وهذا ما حدث فعلا، فلم ألبث إلا قليلاً حتى وضعت يدي على حقيقية الأمر، ويا لها من حقيقية !!!

فما هي تلك الحقيقة؟

[2]

قبل الإنتقال لدراسة لفظ (محمد) بالعبرانية أود أن أقدم نبذة مختصرة عن لفظ (محمد) في لسان العرب. أصل ذلك اللفظ هو الفعل الماضي الثلاثي المجرد (حَمِدَ) ومضارعه (يَحْمَدُ). يقال: (حمده) على شجاعته (حمداً) أي: أثنى عليه وأطراه. (الحمد) غير (الشكر) لأن (الحمد) يستعمل لخلة / صفة في الممدوح وفيه معنى التعظيم للممدوح وخضوع للمادح. للفظ (حمد) مشتقات كثيرة منها:

- (حامد): اسم الفاعل، وهو اسم مصوغ لما وقع منه الفعل أو قام به.

- (محمود): اسم المفعول، وهو اسم مصوغ من مصدر الفعل المبني للمجهول للدلالة على ما وقع عليه الفعل.

- (أحمد): اسم التفضيل، وهو اسم مصوغ على وزن “أفعل” للدلالة على أن شيئين اشتركا في صفة وزاد أحدهما على الآخر فيها.

- (محمد): اسم صفة مشبهة باسم المفعول.

من هنا نعلم أن لفظ (محمد) يدل على الآتي:

(1) الحمد أي الثناء لعظيم خصاله التي تحلى بها صلوات الله عليه.

(2) اسم علم على عكس “أحمد” المصوغ كإسم تفضيل وإن تم استخدامه لاحقاً كاسمِ علم.

(3) المبالغة في الثناء والمدح بدلالة تضعيف الحرف الثالث.

من هنا نفهم قول الله تعالى على لسان ابن مريم عليهما السلام:

(وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ) (الصف : 6)

لم يشر ابن مريم عليه السلام للإسم العلمي للنبي الخاتم وإنما أشار إليه بصفته، حيث يدل لفظ (اسم) على معاني الوسم والسمة والسمت أي: الصفة، ويدل لفظ (أحمد) على التفضيل، حيث يوجد نبيُ حامدٌ ويوجد نبيٌ أحمد. أما الإسم العلمي الوحيد لنبينا فقد سجله الله تعالى في القرآن الكريم:

(مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ …) (الفتح : 29)

هذا عن لفظ (محمد) في لسان العرب وهو غيض من فيض من المعاني الإشتقاقية الكثيرة التي يذخر بها لسان العرب، أوردته للإستدلال ولم أقصد به البسط في المقال.

[3]

علمنا أن أصل كلمة (مُحَمَّد) في لسان العرب هو الفعل الماضي الثلاثي المجرد (حَمِدَ) ومضارعه (يَحْمَدُ). يقال: (حمده) على شجاعته (حمداً) أي: أثنى عليه وأطراه. (الحمد) غير (الشكر) لأن (الحمد) يستعمل لخلة / صفة في الممدوح وفيه معنى التعظيم للممدوح وخضوع للمادح. للفظ (حمد) مشتقات كثيرة منها: حامد ومحمود وأحمد وغيرها. بعد هذه المقدمة “العربية” أود الآن أن أعرض بعض ما يبوح به اللسان العبراني بهذا الخصوص بتوفيق الله.

يوجد لفظ (حمد) كذلك في اللسان العبراني القديم بحروفه الثلاثة الحاء ח والميم מ والدال ד، ورسمه بالتشكيل هكذا: חָמַד ونطقه هكذا: حَمَدْ، كما وردت بعض مشتقات ذلك اللفظ المشترك بين العربية والعبرية في العهد القديم. أما لفظ (محمد) فقد ورد رسمه في نشيد الأنشاد، الإصحاح الخامس، العدد السادس عشر، بالشكل التالي: מַחֲמַדִים ونطقه كالتالي: مَحَمَدِيم، وذلك في السياق التالي:

חִכּוֹ מַמְתַקִים וְכֻלּוֹ מַחֲמַדִיםזֶה דוֹדִי וְזֶה רֵעִי בְּנוֹת יְרוּשָׁלָיִם

 

والذي يمكن التعبير عن منطوقه العبراني باستخدام الحروف العربية التالية بصورة قريبة جدا، وهي:

حِكُّو مَمْتَقِيم وكُلُّه مَحَمَدِّيم

زِه دُودِي وْزِه رِيعِي بْنُوتْ يِرُوشَاليم

أما ترجمته العربية الرسمية فهي كالتالي:

حَلْقُهُ حَلاَوَةٌ وَكُلُّهُ مُشْتَهَيَاتٌ

هذَا حَبِيبِي وَهذَا خَلِيلِي يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ

حيث تم ترجمة كلمتنا محل البحث إلى لفظ (مشتهيات). أقول: هناك ثلاث إشكالات لسانية فيما يتعلق بدلالة لفظ מַחֲמַדִים على اسم النبي الخاتم صلوات الله عليه هي: الجمع والتشكيل والسياق، وفيما يلي أتناول كل واحدة منها بصورة سريعة.

الإشكال الأول: الجمع
تتكون كلمة מחמדים في الواقع من جزئين هما מחמד و ים، أما מחמד فهو لفظ مفرد، وأما ים فهي علامة الجمع المذكر. إذا كانت الكلمة تدل على نبي الهدى فكيف جاءت بصيغة الجمع؟ أقول: الجمع في اللسان العبراني القديم نوعان: جمع العدد وجمع الإجلال، ولا يمتنع عقلاً أن يكون الجمع هنا هو وجمع الإجلال Pluralis majestatis على غرار لفظ אֱלֺהִים والذي يترجم إلى God باللسان الإنجليزي أي إله وليس آلهة.

الإشكال الثاني: التشكيل
الشكل الرسمي لكلمة מחמדים كما هو مثبت في ال Biblia Hebraica Stuttgartensia المصدر الرسمي المعتمد في أكاديميات اللاهوت البروتستانتي هو: מַחֲמַדִים ومنطوقه هكذا: مَحَمَدِّيم وليس هكذا: مُحَمَّدِيم، فإذا كانت الكلمة تدل على نبي الهدى فكيف جاءت بتشكيل مختلف؟ أقول: العبرة إنما تكون أولا بالرسم ثم بعد ذلك بالشكل، أما الرسم فلا خلاف عليه أنه يتكون من حروف الميم מ والحاء ח والميم מ والدال ד، وأما التشكيل فليس حجةً دامغةً ما دام الرسم أقدم من الشكل، حيث يعود الرسم لآلاف مرت من السنين قبل عصر المسيح بينما يعود الشكل المتعارف عليه اليوم إلى القرن العاشر الميلادي فقط، أي أن تلك الجملة أخذت قبل القرن العاشر الميلادي الصورة التالية الخالية من التشكيل:

חכו ממתקים וכלו מחמדיםזה דודי וזה רעי בנות ירושלים

 

ومن غير الممتنع أن الكلمة كانت تلفظ في الأصل هكذا: مُحَمَّدِيم ثم جاء التشكيل القياسي masoretisch باللفظ الحالي: مَحَمَدِّيم لسبب أو لآخر.

الإشكال الثالث: السياق
لعل إشكالية السياق هي أقوى الإشكالات الثلاث، حيث يجري الكلام في ظاهره على لسان تلك الفتاة السمراء الجميلة المفعمة بثورة الأنوثة وهي تتغزل وتتمدح في عشيقها قائلة: حَلْقُهُ حَلاَوَةٌ وَكُلُّهُ مُشْتَهَيَاتٌ هذَا حَبِيبِي وَهذَا خَلِيلِي يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ، فإذا كانت الكلمة تدل على نبي الهدى فكيف جاءت في مثل هذا السياق؟ أقول: يؤمن كثير من أهل الكتاب بأن معاني سفر نشيد الأنشاد ليست حقيقية وإنما مجازية، وإلا يلزمهم وصف كتابهم بأنه كتاب إثارة وشهوة جنسية erotisch مثلا عند قراءة النصوص التالية:

(1) (مَا أَجْمَلَ رِجْلَيْكِ بِالنَّعْلَيْنِ يَا بِنْتَ الْكَرِيمِ! دَوَائِرُ فَخْذَيْكِ مِثْلُ الْحَلِيِّ، صَنْعَةِ يَدَيْ صَنَّاعٍ. 2 سُرَّتُكِ كَأْسٌ مُدَوَّرَةٌ، لاَ يُعْوِزُهَا شَرَابٌ مَمْزُوجٌ. بَطْنُكِ صُبْرَةُ حِنْطَةٍ مُسَيَّجَةٌ بِالسَّوْسَنِ. 3 ثَدْيَاكِ كَخَشْفَتَيْنِ، تَوْأَمَيْ ظَبْيَةٍ. 4 عُنُقُكِ كَبُرْجٍ مِنْ عَاجٍ. عَيْنَاكِ كَالْبِرَكِ فِي حَشْبُونَ عِنْدَ بَابِ بَثِّ رَبِّيمَ. أَنْفُكِ كَبُرْجِ لُبْنَانَ النَّاظِرِ تُجَاهَ دِمَشْقَ. 5 رَأْسُكِ عَلَيْكِ مِثْلُ الْكَرْمَلِ، وَشَعْرُ رَأْسِكِ كَأُرْجُوَانٍ. مَلِكٌ قَدْ أُسِرَ بِالْخُصَلِ. 6 مَا أَجْمَلَكِ وَمَا أَحْلاَكِ أَيَّتُهَا الْحَبِيبَةُ بِاللَّذَّاتِ! 7 قَامَتُكِ هذِهِ شَبِيهَةٌ بِالنَّخْلَةِ، وَثَدْيَاكِ بِالْعَنَاقِيدِ. 8 قُلْتُ: «إِنِّي أَصْعَدُ إِلَى النَّخْلَةِ وَأُمْسِكُ بِعُذُوقِهَا». وَتَكُونُ ثَدْيَاكِ كَعَنَاقِيدِ الْكَرْمِ، وَرَائِحَةُ أَنْفِكِ كَالتُّفَّاحِ، 9 وَحَنَكُكِ كَأَجْوَدِ الْخَمْرِ) (نشيد الأنشاد 7 : 1 – 9)(2) (فَلَمَّا رَأَتْ أُخْتُهَا أُهُولِيبَةُ ذلِكَ أَفْسَدَتْ فِي عِشْقِهَا أَكْثَرَ مِنْهَا، وَفِي زِنَاهَا أَكْثَرَ مِنْ زِنَا أُخْتِهَا. 12 عَشِقَتْ بَنِي أَشُّورَ الْوُلاَةَ وَالشِّحَنَ الأَبْطَالَ اللاَّبِسِينَ أَفْخَرَ لِبَاسٍ، فُرْسَانًا رَاكِبِينَ الْخَيْلَ كُلُّهُمْ شُبَّانُ شَهْوَةٍ. 13 فَرَأَيْتُ أَنَّهَا قَدْ تَنَجَّسَتْ، وَلِكِلْتَيْهِمَا طَرِيقٌ وَاحِدَةٌ. 14 وَزَادَتْ زِنَاهَا. وَلَمَّا نَظَرَتْ إِلَى رِجَال مُصَوَّرِينَ عَلَى الْحَائِطِ، صُوَرُ الْكَلْدَانِيِّينَ مُصَوَّرَةًٍ بِمُغْرَةٍ، 15 مُنَطَّقِينَ بِمَنَاطِقَ عَلَى أَحْقَائِهِمْ، عَمَائِمُهُمْ مَسْدُولَةٌ عَلَى رُؤُوسِهِمْ. كُلُّهُمْ فِي الْمَنْظَرِ رُؤَسَاءُ مَرْكَبَاتٍ شِبْهُ بَنِي بَابِلَ الْكَلْدَانِيِّينَ أَرْضُ مِيلاَدِهِمْ، 16 عَشِقَتْهُمْ عِنْدَ لَمْحِ عَيْنَيْهَا إِيَّاهُمْ، وَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِمْ رُسُلاً إِلَى أَرْضِ الْكَلْدَانِيِّينَ. 17 فَأَتَاهَا بَنُو بَابِلَ فِي مَضْجَعِ الْحُبِّ وَنَجَّسُوهَا بِزِنَاهُمْ، فَتَنَجَّسَتْ بِهِمْ، وجَفَتْهُمْ نَفْسُهَا. 18 وَكَشَفَتْ زِنَاهَا وَكَشَفَتْ عَوْرَتَهَا، فَجَفَتْهَا نَفْسِي، كَمَا جَفَتْ نَفْسِي أُخْتَهَا. 19 وَأَكْثَرَتْ زِنَاهَا بِذِكْرِهَا أَيَّامَ صِبَاهَا الَّتِي فِيهَا زَنَتْ بِأَرْضِ مِصْرَ. 20 وَعَشِقَتْ مَعْشُوقِيهِمِ الَّذِينَ لَحْمُهُمْ كَلَحْمِ الْحَمِيرِ وَمَنِيُّهُمْ كَمَنِيِّ الْخَيْلِ. 21 وَافْتَقَدْتِ رَذِيلَةَ صِبَاكِ بِزَغْزَغَةِ الْمِصْرِيِّينَ تَرَائِبَكِ لأَجْلِ ثَدْيِ صِبَاكِ) (حزقيال 23 : 11 – 21)

 

إزاء تلك النصوص وغيرها يلجأ مفسرو وشرَّاح العهد القديم لأسلوب المجاز واصفين الزنا المذكور بسفر حزقيال مثلاً بأنه خيانة الرب!!! بنفس ذلك المنطق المجازي يمكن الزامهم بأن السياق محل بحثنا هو كذلك سياق مجازي، فالفتاة التي تترنم هي رمز لبني إسرائيل، وغزلها ما هو إلا شوقها الروحي لذلك المنتظر، أما المنتظر فما هو إلا نبي آخر الزمان الذي صرحت باسمه الذي يهفو قلبها ووجدانها لتعاليمه!!! أوليس هذا منطقهم؟ إذاً فليقبلوا ذلك الإلزام …

أما إن كانوا لا يقولون بالمجاز ويتذرعون بالحقيقة فليتفضلوا عندئذً بشرح المعاني الحقيقية الواردة في النص أعلاه بسفر حزقيال وبيان علاقته بالإلهيات والقداسة والإيمان، وعندها سيكون لنا معهم حديثٌ غير هذا.

أكتفي بهذا القدر

والسلام

الحسيني

نشر بتاريخ  on at 2:08 م أترك تعليقا

الجواب الهادي في الرد على النصراني عبد الفادي

جلست بجواري في القطار وهي تمسك بين يديها كتابا عنوانه (هل القرآن معصوم؟) لرجل دين نصراني اسمه (عبد الله عبد الفادي) وأخذت تحوارني حول “أخطاء” مزعومة في القرآن الكريم، فقلت لها هاتي ما لديك، فوجدتها تسأل عن أشياء منها ما يلي:

(1) لماذا تم رفع الفاعل بدلا من نصبه؟

(2) لماذا خلط القرآن بين مريم ابنة عمران ومريم بنت هالي؟

ولما أجبتها نكست رأسها ودونت بعض الملاحظات مما قلته لها بالقلم الرصاص على صفحة كتابها المشبوه، ثم توقف القطار وانصرف كل واحد منا إلى غايته.

والآن قبل أن أدون ملاحظاتي على سؤاليها أود التنبيه على أن الشبهات لن تنتهي، فها هي الأفهام تنغلق أمام ضوء الحقيقة، وها هي الألسن تستعجم أمام بلاغة القرآن، وصدق القائل:

قد تنكرُ العينُ ضوءَ الشمسِ من رمدِ *** وينكرُ الفمُ طعمَ الماءِ من سقمِ

لكني رأيت أن أقدم بين يدي الرد مقدمة ذلك الكاتب الغافل لنقف على مبلغ علمه. يقول “عبد الفادي” في مقدمه كتابه ذاك:

رغبتُ منذ حداثتي أن أقوم بخدمةٍ منتِجة دائمة الأثر للجنس البشري. وليس في مقدوري أن أكتشف قارّةً مثل ما فعل كولمبس، ولا أن أخترع مذياعاً كما فعل ماركوني، ولا أن أسخّر الكهرباء مثل ما فعل إديسون، ولا أن أحلل الذرة كما فعل أينشتاين، فليس شيء من هذا يدخل في دائرة اختصاصي. ولكنني كرجل دين رأيت أن أدرس القرآن. وبما أن الله واحد ودينه واحد وكتابه المقدس واحد، الذي ختمه بظهور المسيح كلمته المتجسد، وقال إن من يزيد على هذا الكتاب يزيد الله عليه الضربات المكتوبة فيه. وبما أن القرآن يقول إنه وحي، أخذتُ على عاتقي دراسته ودراسة تفاسيره، فدرسته مراراً عديدة ووقفتُ على ما جاء به، ووضعت تعليقاتي في قالب 243 سؤالاً، خدمةً للحق وتبصِرةً لأولي الألباب، وشعاري قول بولس الرسول: “إِنِّي مَدْيُونٌ لِلْيُونَانِيِّينَ وَالْبَرَابِرَةِ، لِلْحُكَمَاءِ وَالْجُهَلاءِ” (رومية 1: 14). ونحن نشعر بنفس هذا الدَّين من نحو البشر جميعا لنقدم لهم إنجيل المسيح المبارك فنفرح بحصولهم على الحياة الأبدية، فيتم الوعد الإلهي: “وَيُبْصِرُ كُلُّ بَشَرٍ خَلاصَ اللّهِ” (لوقا 3: 6).

والآن لنأخذ ستة أمثلة من تلك الأسئلة التي وجهها ذلك الكاتب الذي يريد أن يسدي معروفاً للجنس البشري لنرى علمه وشأنه، ولولا المحاورة التي تمت مع قارءة الكتاب لما شغلت نفسي بالرد على ترهات الجهلاء، فلدينا ما هو أهم من واجبات.

س 16: جاء في سورة الأنعام 6: 74 “وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِين”. والصواب في التاريخ كما يشهد الكتاب المقدس أن والد إبراهيم اسمه تارح كما جاء في تكوين 11: 27.

الجواب: نرى هنا الخلط واضحاً بين لفظي (الأب) و(الوالد)، فإذا كان العهد القديم ينص على أن تارح ولد إبرام (إبراهيم) ، “وَلَدَ تَارَحُ أَبْرَامَ …” “تكوين 11 : 27″، فإن ذلك – بفرض صحته – لا يناقض القرآن الكريم لأن القرآن يتحدث عن آزر بصفته أباً لإبراهيم وليس والداً له على النحو الذي شرحته في مقالي السابق. ، وإلا فليأتنا الكاتب بآية قرآنية تدل على أن آزر هو “والد” إبراهيم إذا أراد أن يكون كلامه ملزماً.

س 17: جاء في سورة التحريم 66: 12 “وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ التي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ القَانِتِينَ”. وجاء في سورة مريم1:2و”فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً. يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ اِمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّا”. ونحن نسأل: يقول الإنجيل إن مريم العذراء هي بنت هالي (لوقا 3: 23). “فكيف يقول القرآن إنها بنت عمران أبي موسى النبي وإنها أخت هارون، مع أن بينها وبين عمران وهارون وموسى ألف وستمائة سنة؟!

الجواب: لم يكتفي عبد الفادي النصراني بأنه جاهل بل زاد على ذلك أنه كذاب، لا يكذب على القرآن فقط، بل يكذب على إنجيله الذي بين يديه، وذلك بقوله: (يقول الإنجيل إن مريم العذراء هي بنت هالي) ويعزي ذلك إلى (لوقا 3: 23). لنرجع معاً إلى لوقا ونقرأ معاً:

(وَلَمَّا ابْتَدَأَ يَسُوعُ كَانَ لَهُ نَحْوُ ثَلاَثِينَ سَنَةً، وَهُوَ عَلَى مَا كَانَ يُظَنُّ ابْنَ يُوسُفَ بْنِ هَالِي …) (لوقا 3 : 23)

لنرى كيف يأخذ ذلك الكاتب المشبوه نسب يوسف النجار ويزعم أنه نسب مريم! أم تراه يرى أن مريم تلك كان اسمها يوسف؟!! أما قوله: (فكيف يقول القرآن إنها بنت عمران أبي موسى النبي) فهو كذب على القرآن لأن القرآن نسب مريم بأنها إبنة عمران لكنه لم يقل: إنها بنت عمران أبي موسى النبي، فمن أين جاء ذلك الدجال بعبارة (أبي موسى النبي)؟ أما عن (أخت هارون) فيبدو أن لسان ذلك الأعجمي لم يسعفه لفقه لسان العرب فخلط مرة أخرى بين لفظي (أخ) و(شقيق) كما خلط من قبل بين لفظي (أب) و(والد). إن كان الإنسان من قوم العرب يحق أن ينادى بلفظ “أخي العرب” كما جاء غير مرة في القرآن مثل قوله تعالى: (وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ …) (الأحقاف : 21)، كذلك كانت مريم من قوم هارون أي: اليهود لذلك نادها بهذا النداء.

س 107: جاء في سورة البقرة 2: 124 لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ . وكان يجب أن يرفع الفاعل فيقول الظالمون .

الجواب: لقد ظن ذلك الأعجمي أن الفاعل هو (الظالمين) بينما الصواب أن الفاعل هو (عهد) أما (الظالمين) فهي المفعول به، وإعراب الآية كالتالي: (لا) حرف نفي مبني على السكون. (ينالُ) فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره. (عهد) فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على آخره منع من ظهورها إشتغال المحل بحركة المناسبة لياء المتكلم، وياء المتكلم ضمير بارز متصل في محل جر مضاف إليه. (الظالمين) مفعول به منصوب وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة لأنه جمع مذكر سالم. إن معنى الآية الكريمة هي: عهدي لن ينال [هو] الظالمين أي: لن يصل عهدُ الله إلي الظالمين، فالعهد هو الذي يصل للمعهود له وليس العكس، فالعهد فاعل والمعهود له هو المفعول به، لكن عجمة الألسنة وإعياء العقل لا علاج لهما إلا بالعلم والذي يفتقده كاتبنا الهمام، وصدق الشاعر حين قال:

لكلِ داءٍ دواءٌ يُستَطبُ به *** إلا الحماقة أعيت من يداويها

س 106: جاء في سورة المائدة 5: 69 إِنَّ الذِينَ آمَنُوا وَالذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ . وكان يجب أن ينصب المعطوف على اسم إن فيقول والصابئين كما فعل هذا في سورة البقرة 2: 62 والحج 22: 17.

الجواب: إعراب قول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) (المائدة : 69)

- إن: حرف نسخ ونصب مبني على الفتح

-الَّذِينَ: إسم موصول مبني على الفتحة الظاهرة على آخره ، اسم إن.

- آمنوا: آمن فعل ماضي مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، واو الجماعة فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على آخره منع من ظهورها التعذر. والفعل والفاعل جملة فعلية لا محل لها من الإعراب لكونها صلة الموصول.

- والذين: الواو حرف عطف، و الذين اسم موصول مبني على الفتحة الظاهرة على آخره معطوف.

- هادوا: هاد فعل ماضي مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، واو الجماعة فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على آخره منع من ظهورها التعذر. والفعل والفاعل جملة فعلية لا محل لها من الإعراب لكونها صلة الموصول.

- والنصارى: الواو حرف عطف والنصارى اسم معطوف على ما قبله

- من: بدل من (الذين آمنوا) وما بعده في محل نصب

- آمن: فعل ماضي مبني على الفتحة الظاهرة على آخره، والفاعل ضمير مستتر في محل رفع تقديره (هو).

- بالله: الباء حرف جر، و لفظ الجلالة اسم مجرور بالباء وعلامة الجر الكسرة الظاهرة على آخره.

- واليوم الآخر: الواو حرف عطف واليوم اسم مجرور معطوف على لفظ الجلالة وعلامة الجر الكسرة الظاهرة على آخره، والآخر صفة لليوم مجرورة وعلامة الجر الكسرة الظاهرة على آخرها.

- وعمل: الواو حرف عطف و عمل فعل ماضي معطوف على (آمن) مبني على الفتحة الظاهرة على آخره، والفاعل ضمير مستتر في محل رفع تقديره (هو).

- صالحا: مفعول به منصوب وعلامة النصب الفتحة الظاهرة على آخره.

- فلا خوف: الفاء حرف ربط، و (لا) حرف نفي، و خوف خبر إن مرفوع وعلامه رفعه الضمة الظاهرة على آخره.

- عليهم: على حرف جر والضمير (هم) مجرور وعلامة الجر الكسرة المقدره على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بالسكون لكونه مبنيا، متعلق بـ (خوف) و بـ (لا).

- ولا هم: الواو حرف عطف و (لا) زائدة بين العاطف والمعطوف، وهم ضمير في محل رفع مبتداء.

- يحزنون: يحزن فعل مضارع مرفوع بثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة و واو الجماعة فاعل، والجملة من الفعل والفاعل في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر معطوفة على (خوف).

اعراب (الصابؤون)

[1] الواو للإستئناف (استئنافية). الصابؤون مبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والخبر محذوف وتقديره (كذلك)، فيكون تقدير الآية كلها هو:

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ وَالصَّابِؤُونَ [كذلك].

[2] قوله تعالى (إن الذين آمنوا) مصدر مؤول في محل رفع مبتدأ تقديره (المؤمنون). الصابؤون اسم معطوف على محل (إن الذين آمنوا) مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم فيكون تقدير الآية هو:

[المؤمنون] وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ.

[3] قوله تعالى (الذين آمنوا) في محل رفع مبتدأ وما يأتى وراءه ـ ومنه الصابؤون ـ معطوف على مرفوع فيكون مرفوعا كذلك، وتكون (إن) هنا غير عاملة، أي ليست الناسخة ولكنها بمعنى نعم، ويكون تقدير الآية هو:

[نعم] الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ.

[2]

يتسائل عبد الفادي النصراني:

س 178: جاء في سورة الأعراف 7: 148 وَا تَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدالهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ . وجاء في سورة طه 20: 87-88 وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَاراً مِنْ زِينَةِ القَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَدالهُ خُوَارٌ . ونحن نسأل: من أين استقى القرآن هذا الخبر الذي ليسله أساس تاريخي؟ وهل من المعقول أن العجل الذهبي يخور كالعجلالطبيعي؟ وهل يتمنّى السامري المزعوم ذلك، ويطلبه هرون من الله، فيوافق الله على تحسين الصنم فيخور ليغري الناس ليعبدوه مِن دون الله؟ فهل صار السامري وهرون والله شركة متحدة في صنع الصنم!

الجواب:
يقول الله سبحانه مخبرا حكاية قوم موسى عليه السلام: (… حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ) (طه : 87)ثم يقول: (فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ) [طه : 88]، ويقول في موضع آخر: (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ) (الأعراف : 148). ألقى السامري إلى بعض بني إسرائيل ـ في فترة غياب موسى ـ أن انبذوا حليكم مما حملتموه من زينة القوم ففعلوا. كان السامري فيما أظن من ذوي البصائر فيما يتعلق بالعلوم الطبيعية، ولعله تعلم ذلك في مصر أو في حضارته التي انحدر منها. لذلك يقول الله على لسانه: (بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ …) (طه : 96) أي أنه كان ذا علم في مجال لم يبرع فيه بنو إسرائيل وهو مجال الصناعات اليدوية والتقنية والفيزياء – وفق السقف العلمي لذلك العصر – فعمد للحلي فصهرها ثم قام بتشكيلها على صورة عجل ـ يبدو أنه جعله مجوفا وكثير التلافيف والالتواءات – ثم قال وأتباعه لبني إسرائيل كما أخبر الله عنهم: (… فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى …) [طه : 88].

خوار العجل
لم يكن خوار ذلك العجل إلا من جنس الصدى الصوتي Echo، فالسامري ـ كما أشرت ـ كان بارعا في الفيزياء والصناعة فجعل الزينة عجلا ذهبيا أي قام بتغيير صيرورتها الشكلية من صورة الخواتيم والأساور والخلاخيل والسلاسل وما إلى ذلك من صور المصنوعات الذهبية إلى صورة عجل أجوف ذي التواءات بحيث يرجع صدى أي صوت، فلو صاح أحد قائلا مثلا “هالووو” لردد نفس الصوت بفعل الصدى، ولو قلد أحد خوار العجول مثلا لردد نفس صوت الخوار بفعل الصدى، وهي ظاهرة فيزيائية كان السامري يعلم أسرارها جيدا بينما يجهلها بنو اسرائيل. يبدو أن بني إسرائيل فتنوا بصوت الخوار الناتج عن ظاهرة الصدى، فلم ينتبهوا إلى أن العجل الذهبي “يردد” الصوت لكنه “لا يحاور”، بمعنى لو صحت مثلا قائلا: من أنت؟ لردد الصدى صوتك في التواءات العجل الذهبي المجوف بنفس الطريقة: من أنت .. من أنت .. من أنت … وهكذا، إلا أنه لن يجيب أبدا لأنه جماد، لذلك ينبه الله تعالى على ذلك بالقول: (… أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً) (الأعراف : 148).

موقف هارون عليه السلام
لم يقصر هارون عليه السلام في دوره الرسالي بل عارض ذلك الشرك وتصدى للذين أشركوا بحزم سجله القرآن بدقة تامة ليكون شاهدا ببراءة هارون عليه السلام: (وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي) (طه : 90)، إلا أنهم استضعفوه وكادوا يقتلوه، وهذا ما سجله القرآن أيضا: (… إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي …) (الأعراف : 150).

ورجع موسى عليه السلام
قال الله تعالى لموسى مخبرا إياه بما فعله السامري: (قَالَ: فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ) (طه : 85) [فتنا: امتحنا] فرجع لقومه غضبان أسفا، وألقى الألواح: (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ …) (الأعراف : 150)، واتجه لهارون ـ خليفته على قومه ـ ولم تكن عنده معطيات نصح هارون قومه وتصديه لفعلتهم الشنعاء فانقض بقبضته الفولاذية التي لو وكز بها أحدا لصرعه قتيلا، انقض على هارون وهو بتلك الحالة من فورة الغضب ـ لله سبحانه وليس لمصلحة شخصية ـ وجرجره من رأسه: (… وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ …) (الأعراف : 150). لكن عندما استمع موسى للمعطيات التي أخبره بها هارون عليه السلام ورجاء أخيه له: (… قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (الأعراف : 150) حينئذ هدأت سورة الغضب لما علم بعدم تقصير أخيه في الرسالة فاستغفر الله لنفسه ولأخيه: (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (الأعراف : 151). وبعد استجواب السامري واقراره بالذنب عاقبه موسى ونسف إلهه الشركي في اليم نسفا، بعد ذلك كله، هدأت نفس موسى الأبية فأخذ الألواح التي ألقاها في أثناء غضبه: (وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ) (الأعراف : 154)، تلك الألواح التي قال الله عنها من قبل: (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ) (الأعراف : 145).

من هنا نعلم أن الله تعالى وموسى وهارون بريئون من تخرصات ذلك المدعي. وفي الوقت الذي يبرئ فيه القرآن هارون النبي من تهمة صنع العجل، ينسب كتاب عبد الفادي المقدس ذلك الإثم ليس للسامري لكن لهارون النبي نفسه، ولنقرأ معاً ما جاء في هذا:

(وَلَمَّا رَأَى الشَّعْبُ أَنَّ مُوسَى أَبْطَأَ فِي النُّزُولِ مِنَ الْجَبَلِ، اجْتَمَعَ الشَّعْبُ عَلَى هَارُونَ وَقَالُوا لَهُ: «قُمِ اصْنَعْ لَنَا آلِهَةً تَسِيرُ أَمَامَنَا، لأَنَّ هذَا مُوسَى الرَّجُلَ الَّذِي أَصْعَدَنَا مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، لاَ نَعْلَمُ مَاذَا أَصَابَهُ». 2 فَقَالَ لَهُمْ هَارُونُ: «انْزِعُوا أَقْرَاطَ الذَّهَبِ الَّتِي فِي آذَانِ نِسَائِكُمْ وَبَنِيكُمْ وَبَنَاتِكُمْ وَاتُونِي بِهَا». 3 فَنَزَعَ كُلُّ الشَّعْبِ أَقْرَاطَ الذَّهَبِ الَّتِي فِي آذَانِهِمْ وَأَتَوْا بِهَا إِلَى هَارُونَ. 4 فَأَخَذَ ذلِكَ مِنْ أَيْدِيهِمْ وَصَوَّرَهُ بِالإِزْمِيلِ، وَصَنَعَهُ عِجْلاً مَسْبُوكًا. فَقَالُوا: «هذِهِ آلِهَتُكَ يَا إِسْرَائِيلُ الَّتِي أَصْعَدَتْكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ». 5 فَلَمَّا نَظَرَ هَارُونُ بَنَى مَذْبَحًا أَمَامَهُ، وَنَادَى هَارُونُ وَقَالَ: «غَدًا عِيدٌ لِلرَّبِّ». 6 فَبَكَّرُوا فِي الْغَدِ وَأَصْعَدُوا مُحْرَقَاتٍ وَقَدَّمُوا ذَبَائِحَ سَلاَمَةٍ. وَجَلَسَ الشَّعْبُ لِلأَكْلِ وَالشُّرْبِ ثُمَّ قَامُوا لِلَّعِبِ.) (خروج 32 : 1 – 6)

( وَقَالَ مُوسَى لِهَارُونَ: «مَاذَا صَنَعَ بِكَ هذَا الشَّعْبُ حَتَّى جَلَبْتَ عَلَيْهِ خَطِيَّةً عَظِيمَةً؟» 22 فَقَالَ هَارُونُ: «لاَ يَحْمَ غَضَبُ سَيِّدِي. أَنْتَ تَعْرِفُ الشَّعْبَ أَنَّهُ فِي شَرّ. 23 فَقَالُوا لِيَ: اصْنَعْ لَنَا آلِهَةً تَسِيرُ أَمَامَنَا، لأَنَّ هذَا مُوسَى الرَّجُلَ الَّذِي أَصْعَدَنَا مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، لاَ نَعْلَمُ مَاذَا أَصَابَهُ. 24 فَقُلْتُ لَهُمْ: مَنْ لَهُ ذَهَبٌ فَلْيَنْزِعْهُ وَيُعْطِنِي. فَطَرَحْتُهُ فِي النَّارِ فَخَرَجَ هذَا الْعِجْلُ») (خروج 32 : 21 – 24)

إن عبد الفادي الأفاك يتخرص متهكماً فيقول: (وهل يتمنّى السامري المزعوم ذلك، ويطلبه هرون من الله، فيوافق الله على تحسين الصنم فيخور ليغري الناس ليعبدوه مِن دون الله؟ فهل صار السامري وهرون والله شركة متحدة في صنع الصنم؟) في الوقت الذي ينسب كتابه المقدس إثم تلك الخطيئة للنبي هارون!!!

[3]

يتسائل عبد الفادي النصراني:

س 10: جاء في سورة يس 36: 38 “وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ”. … ونحن نسأل: الشمس ثابتة تدور حول نفسها ولا تنتقل من مكانها، والأرض هي التي تدور حولها. فكيف يقول القرآن إن الشمس تجري، وإن لها مستقراً تسير إليه؟

للإخوة الكرام أن يحكموا على مبلغ علم هذا الرجل الذي يدعي أن (الشمس ثابتة)! لقد ذكر كاتبنا الهمام في المقدمة أن العلوم الطبيعية ليست من مجال تخصصه بقوله في المقدمة: (… وليس في مقدوري أن أكتشف قارّةً مثل ما فعل كولمبس، ولا أن أخترع مذياعاً كما فعل ماركوني، ولا أن أسخّر الكهرباء مثل ما فعل إديسون، ولا أن أحلل الذرة كما فعل أينشتاين، فليس شيء من هذا يدخل في دائرة اختصاصي) فما باله يقتحم الآن مجال الطبيعيات؟ لكن جميل منه أن اقتحم هذا لمجال حيث انكشف لكل ذي عينين. أرأيتم كيف يجهل أمر الحركة الكونية للشمس حول مركز المجرة وغيرها ويظن أنها ثابتة؟ لن أطيل الوقوف كثيرا عند هذه النقطة فإجابتها لا تخفى على حضراتكم.

وعلى نفس المنوال من خيوط الظلام والجهل والعجمة ينسج عبد الفادي خيوط كتابه العنكبوتي المشبوه، والذي أردتُ التنبيه على ترُّهاته من خلال النماذج التي سقتها مع مع بعض ردودي عليها.

تحياتي القلبية

والسلام

الحسيني

نشر بتاريخ  on at 2:02 م أترك تعليقا

لفظ الجلال “الله” بين العربية والآرامية والعبرية

لفظ الجلال في اللسان العربي
يتكون لفظ الجلال في اللسان العربي من الحروف التالية: (ا / ل / ل / هـ) فإذا حذفنا الحروف المكررة أصبح لدينا ثلاثة حروف فقط هي: (ا / ل / هـ) أي الألف واللام والهاء، وهي نفس حروف لفظ “اِلَه”. الشيئ المدهش هو أن لفظ الجلال يتكون في اللسان الآرامي واللسان العبراني من نفس الحروف، فقط تشكيل الحروف هو الذي يحدد اختلاف طريقة النطق وذلك على النحو التالي.
لفظ الجلال في اللسان الآرامي القديم
يتكون لفظ الجلال في اللسان الآرامي القديم من حرف الألف א وحرف اللام ל وحرف الهاء ה ويكتب – من اليمين إلى اليسار – بدون علامات التشكيل هكذا: אלה أما مع علامات التشكيل فيأخذ الصورة التالية: אֱלָה حيث ينطق بها هكذا: إِلَه / إلاه أي مثل النطق العربي لكلمة ( إِلَه ) تماماً.

لفظ الجلال في اللسان العبراني القديم
يتكون لفظ الجلال في اللسان العبراني القديم كذلك من حرف الألف א وحرف اللام ל وحرف الهاء ה ويكتب – من اليمين إلى اليسار – بدون علامات التشكيل هكذا أيضاً: אלה أما مع علامات التشكيل فيأخذ الصورة التالية: אֱלֺה حيث ينطق بها هكذا: إِلُه / إلوه أي بتحول الفتحة على حرف اللام إلى ضمة بسبب ما يعرف في علم اللسانيات السامية بالإزاحة الصوتية الكنعانية kanaanaeische Lautverschiebung أي تحول حركة الفتح الأصلي إلى ضم. أي أن اللسان العربي وكذلك الآرامي – في هذه الحالة – هما اللسانان الساميان الوحيدان المحتفظان بالحركة الأصلية للغة السامية الأم، بينما حدث في اللسان العبراني القديم تحول بفعل حركة الإزاحة الصوتية للهجة كنعان والتي تمثل الأساس للسان العبراني القديم.

رسم لفظ الجلال العربي بالخط العبراني المربع
منذ آلاف السنين وحتى القرن العاشر الميلادي تقريباً ظل الخط العبراني للتوراه يكتب بدون التشكيل إلى أن استحدث ال Masoriten وتحديدا مدرسة الحبر اليهودي بن عاشر في طبرية طريقة لتشكيل التوراة على غرار الطريقة التي استحدثها المسلمون لتشكيل القرآن. إذا رجعنا إلى النص العبراني القديم قبل التشكيل وجدنا لفظ الجلال يكتب – كما ذكرت آنفاً – هكذا: אלה، فإذا وضعنا التشكيل العبراني الموافق لطريقة التلفظ العربي للفظ الجلال لصار هكذا: אֲלָּה ولنطق به تماماً كما ينطق به بالعربية: الله. أي أن الذي حدد طريقة التلفظ باسم الجلال ليس هو اختلاف الحروف، أبداً فالحروف متطابقة تماماً، ولكن الاختلاف ينبع من طريقة التشكيل لتلك الحروف المتطابقة، وهذا يعني أنه ليس من المستبعد أبداً أن يكون التلفظ باسم الجلال في التوراه في الواقع بنفس طريقة التلفظ العربي تماماً.

إِلوهيم
لفظ إِلوهيم يكتب بالعبرانية المازوريتية هكذا: אֱלֺהִים حيث يتكون من جزئين أولهما: אֱלֺה السابق الإشارة إليه وثانيهما: ים وهو مقطع يميز الجمع، فيكون المعنى الحرفي هو (الآلهة)، لكن المعنى المقصود هو (الإله) لكن بطريقة جمع الجلال أو جمع التعظيم والذي يعرف في اللسان اللاتيني باسم Pluralis majestatis، وأقرب مشتق عربي للفظ إلوهيم العبري هو ربما (اللهم). المهم هنا هو التأكيد على أن لفظ אֱלֺהִים هو نفسه لفظ אֱלֺה لكن بصيغة جمع الإجلال والتعظيم.

بقيت نقطة أخرى متعلقة بإسم الإله تبحث في داخل علم اللاهوت المنهاجي وتدور حول لفظ يهوه العبري יהוה وهذا ما سأعرضه في مداخلة أخرى أرجو أن تكون قريبة إن شاء الله

تحياتي القلبية

والسلام

الحسيني

 

 

 

نشر بتاريخ  on at 1:46 م أترك تعليقا

أخت هارون .. قراءة توراتية

من الأسئلة التي يطرحها النصارى كثيراً: لماذا نسب القرآن الكريم مريمَ عليها السلام إلى هارون في قوله تعالى حكاية عن قوم مريم (يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) [مريم : 28]؟ قبل البدء في الإجابة على هذا السؤال أود تقديم المعلومات التالية كما جاءت في القرآن الكريم و أسفار التوراة التي بين أيدينا والإنجيل معزوة إلى مصدرها بين القوسين.
أولا: مقدمة قرآنية
[1] لم يذكر القرآن الإسم العلمي لأم مريم لكنه وصفها بأنها إمرأة عمران: (إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (آل عمران : 35)

[2] نسب القرآن مريمَ إلى عمران: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ) (التحريم : 12).

ثانيا: مقدمة توراتية
[1] ولد إبراهيمُ عليه الصلاة والسلام اسماعيلَ واسحقَ وربما غيرهما، وولد إسحقُ عليه السلام عيسو ويعقوبَ وربما غيرهما، وولد يعقوبُ عليه السلام اثني عشر سبطاً منهم يوسف ولاوي ويهوذا وآخرين.

[2] ولد لاويُ قِهَات وغيره، وولد قهاتُ عمرامَ (عمران) وغيره، وولد عمرامُ موسى وهارون (خروج 6 : 20).

[3] هارون بن عمران عليه السلام على هذا هو من نسل لاوي بن يعقوب، وفي اللاويين انحصرت الكهانة في بني اسرائيل (عدد 3 : 41).

[4] داود عليه السلام ليس من نسل لاوي بن يعقوب لكنه من نسل أخيه يهوذا بن يعقوب (صموئيل الأول 17 : 12).

ثالثاً: مقدمة إنجيلية
يصمت الإنجيل الذي بين يدينا فيما يتعلق باسم والد مريم فلا نرى له أثراً، أما الزعم بأنها إبنة هالي فهو كذب، لأن هالي هذا هو والد يوسف النجار وليس مريم (لوقا 3 : 23)، وبفرض نسبتها نسبت إليه فإنما على أساس أنه أبوها وليس والدها.

نتيجة المقدمات الثلاث
لم يرد إسم مريم أم المسيح منسوباً لوالدها إلا في القرآن الكريم فقط، وقد ذكر القرآن أن اسمه هو عمران. أما التوراة فلم تذكر مريم لكونها دونت في عصر سابق لم تكن مريم ضمن معاصريه، وأما الإنجيل فلم يذكر لها نسباً مما دفع بعض النصارى لنسبتها لرجل لا علاقة بيولوجية بينه وبينها وهو هالي والد يوسف النجار.

لماذا (أخت هارون)؟

ذكر المفسرون وجوهاً كثيرة أعرضها فيما يلي ثم أتبعها بثلاثة وجوه أنفرد بهما.

أقوال المفسرين
[1] لأنها كانت من نسل هارون اللاوي عليه السلام. أقول: قد يستشكل النصارى هذا الوجه لأن الثابت عندهم أنها من نسل داود النبي عليه السلام أي من نسل يهوذا (صموئيل الأول 17 : 12). لكن ربما يصح هذا الوجه من جهة أمها حيث أن زكريا عليه السلام كان زوج خالة مريم واسمها اليزابيث (الياصبات) وكانت تلك من نسل هارون اللاوي.

[2] لأنه كان في عصرها رجل صالح اسمه هارون كانوا يشبهونها به لتقواها وورعها. أقول: وجه ممكن عقلا لكن لا دليل تاريخي عليه.

[3] لأنه كان في عصرها رجل طالح اسمه هارون فشبهوها به لظنهم بها ظن السوء. أقول: وجه ممكن عقلا لكن لا دليل تاريخي عليه كذلك.

الترجيح بين أقوال المفسرين
إن صح تاريخياً أن مريم من نسل هارون اللاوي يرتفع الإشكال، لأن وصفها بأنها أخت هارون يأتي على غرار قوله تعالى: (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا …) (الأعراف : 65)، وقوله تعالى: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا …) (الأعراف : 73)، وقوله تعالى: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا …) (الأعراف : 85) من حيث جاءوا من نسلهم. لكن الثابت عند النصارى – كما أسلفت – أنها من نسل داود أي من نسل يهوذا وليس لاوي. أقول: برغم ذلك تصح النسبة بإعتبار لاوي أخاً ليهوذا أي عماً لمريم، كما يوصف العرب مثلا بأنهم إخوة اليهود لكون هؤلاء من نسل اسحق، وأولئك من نسل إسماعيل ولديّ إبراهيم عليه السلام. برغم ذلك فإني أقدم وجوهاً ثلاثة أنفرد بها لكني أرجح ثالثها.

أقوالي في المسألة

[1] ربما كان لمريم أخاً شقيقاً يدعى هارون لكنه توفي قبل مولد مريم فنذرت أمها إن وهبها الله حملاً فستجعله خالصاً لله. أقول: هذا الوجه وإن كان ممكن عقلا إلا أنه كذلك لا دلالة تاريخية عليه لذلك لا أعول عليه كثيرا.

[2] ربما كانت مريم أخت هارون اللاوي فعلا. أقول: هذا الوجه وإن كان ممكن عقلا إلا أنه سيقلب التاريخ رأساً على عقب، لأن ذلك معناه أن موسى سيصير خالاً للمسيح، وسندخل بذلك في متاهات تاريخية لن تنتهي لذلك لا أعول علي هذا الوجه أيضاً.

[3] أما ما أراه أقوى الأراء في المسألة هو أن قوم مريم عليها السلام لما ظنوا بها ظن السوء أرادوا أن يصفوها بأنه ملعونة ومغضوب عليها فشببهوها بمريم أخرى سابقة عليها بآلاف السنين وكانت أختاً لهارون اللاوي. لقد ذكرت التوراة التي بين يدينا وتحديداً سفر العدد قصة مريم الأخرى على النحو التالي:

(وَتَكَلَّمَتْ مَرْيَمُ وَهَارُونُ عَلَى مُوسَى بِسَبَبِ الْمَرْأَةِ الْكُوشِيَّةِ الَّتِي اتَّخَذَهَا، لأَنَّهُ كَانَ قَدِ اتَّخَذَ امْرَأَةً كُوشِيَّةً. 2 فَقَالاَ: «هَلْ كَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى وَحْدَهُ؟ أَلَمْ يُكَلِّمْنَا نَحْنُ أَيْضًا؟» فَسَمِعَ الرَّبُّ. 3 وَأَمَّا الرَّجُلُ مُوسَى فَكَانَ حَلِيمًا جِدًّا أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ الَّذِينَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ. 4 فَقَالَ الرَّبُّ حَالاً لِمُوسَى وَهَارُونَ وَمَرْيَمَ: «اخْرُجُوا أَنْتُمُ الثَّلاَثَةُ إِلَى خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ». فَخَرَجُوا هُمُ الثَّلاَثَةُ. 5 فَنَزَلَ الرَّبُّ فِي عَمُودِ سَحَابٍ وَوَقَفَ فِي بَابِ الْخَيْمَةِ، وَدَعَا هَارُونَ وَمَرْيَمَ فَخَرَجَا كِلاَهُمَا. 6 فَقَالَ: «اسْمَعَا كَلاَمِي. إِنْ كَانَ مِنْكُمْ نَبِيٌّ لِلرَّبِّ، فَبِالرُّؤْيَا أَسْتَعْلِنُ لَهُ. فِي الْحُلْمِ أُكَلِّمُهُ. 7 وَأَمَّا عَبْدِي مُوسَى فَلَيْسَ هكَذَا، بَلْ هُوَ أَمِينٌ فِي كُلِّ بَيْتِي. 8 فَمًا إِلَى فَمٍ وَعَيَانًا أَتَكَلَّمُ مَعَهُ، لاَ بِالأَلْغَازِ. وَشِبْهَ الرَّبِّ يُعَايِنُ. فَلِمَاذَا لاَ تَخْشَيَانِ أَنْ تَتَكَلَّمَا عَلَى عَبْدِي مُوسَى؟». 9 فَحَمِيَ غَضَبُ الرَّبِّ عَلَيْهِمَا وَمَضَى. 10 فَلَمَّا ارْتَفَعَتِ السَّحَابَةُ عَنِ الْخَيْمَةِ إِذَا مَرْيَمُ بَرْصَاءُ كَالثَّلْجِ. فَالْتَفَتَ هَارُونُ إِلَى مَرْيَمَ وَإِذَا هِيَ بَرْصَاءُ. 11 فَقَالَ هَارُونُ لِمُوسَى: «أَسْأَلُكَ يَا سَيِّدِي، لاَ تَجْعَلْ عَلَيْنَا الْخَطِيَّةَ الَّتِي حَمِقْنَا وَأَخْطَأْنَا بِهَا. 12 فَلاَ تَكُنْ كَالْمَيْتِ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ رَحِمِ أُمِّهِ قَدْ أُكِلَ نِصْفُ لَحْمِهِ». 13 فَصَرَخَ مُوسَى إِلَى الرَّبِّ قَائِلاً: «أَيُّهَا الإِلهُ اشْفِهَا». 14 فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «وَلَوْ بَصَقَ أَبُوهَا بَصْقًا فِي وَجْهِهَا، أَمَا كَانَتْ تَخْجَلُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ؟ تُحْجَزُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ خَارِجَ الْمَحَلَّةِ، وَبَعْدَ ذلِكَ تُرْجَعُ». 15 فَحُجِزَتْ مَرْيَمُ خَارِجَ الْمَحَلَّةِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، وَلَمْ يَرْتَحِلِ الشَّعْبُ حَتَّى أُرْجِعَتْ مَرْيَمُ. 16 وَبَعْدَ ذلِكَ ارْتَحَلَ الشَّعْبُ مِنْ حَضَيْرُوتَ وَنَزَلُوا فِي بَرِّيَّةِ فَارَانَ.) (العدد 12 : 1 – 16)

من خلال النص التوراتي السابق نرى أن مريم تلك تكلمت على موسى عليه السلام كلاماً لا يليق لما تزوج من المرأة الكوشية، وتلسنت عليه بما لا يصح، وحاولت جر هارون لوجهة نظرها على ما يبدو، فغضب الرب عليها غضباً شديداً وأصابتها لعنة تمثلت في البرص الذي لزمها إسبوعا واحداً فقط لاستجابة الرب دعاء موسى لها بالشفاء. أقول: لن أقف على ما في القصة تلك من تجسيم وغير ذلك من الخرافات لكني أقف عند نقطة واحدة هي أنه وجدت إمرأة شريرة – قيل أنها أخت هارون – باسم مريم في التاريخ اليهودي، فأراد اليهود المعاصرون لمريم الطاهرة أم المسيح استمطار غضب الله عليها ولعنته ظناً منهم أنها أنجبت مولوداً عن طريق الفاحشة فدعوها بلقب “أخت هارون” لوجود مشترك بينهما هو الإسم والإنتماء لأسرة دينية، فسجل الله تعالى في كتابه قول اليهود حكاية عنهم.

إن هذا الوجه الأخير هو أقوى الوجوه فيما أرى لأنه يعتمد على وثيقة تاريخية معتمدة عند اليهود والنصارى وهي توراة العهد القديم، وهي من هذا الوجه ملزمة لهم في كون أن اليهود شبهوا مريم أم المسيح لظنهم أنها أذنبت بمريم أخت هارون لكونها أذنبت وإن كان ذنب تلك الأخيرة من نوع مختلف، لكن الذنب في النهاية كبيره وصغيره واحد لكونه خطيئة أمام الله.

ابنة عمران
بقيت نقطة واحدة أخيره وهي تتعلق بنسبة أم المسيح إلى عمران، فأقول: ليس في كتاب النصارى ما يعارض ذلك، كما أنه لا يمتنع عقلا أن يتكرر إسم عمران في الأسر اليهودية، فتكون هناك مريم ابنة عمران أخت هارون وموسى، ومريم إبنة عمران أم المسيح، فنحن نجد أن أسماءً مثل “موشيه” أي: موسى تتكرر كثيرا في أسر اليهود حتى يومنا هذا، وأسماءً مثل “ماركوس” أي: مرقص تتكرر كثيرا في أسر النصارى حتى يومنا هذا، وهكذا يمكن أن يتكرر إسم عمران وإسم مريم بين أسر اليهود جيلا بعد جيل.

أكتفي بهذا القدر ولله الفضل والمنة.

والسلام

الحسيني

نشر بتاريخ  on at 1:42 م أترك تعليقا

آزر .. والد إبراهيم أم أبوه؟

من الأخطاء الكثيرة التي يقع فيها البعض عدم الإنتباه للفروق الدقيقة للسان القرآن، وقد ظهرت تلك الآفة بفعل تبني نظرية الترادف في لسان العرب. من هذا المنطلق زعم كثير من الناس أن والد إبراهيم عليهما السلام كان كافرا وذلك من خلال الخطأ في فقه قوله تعالى:

(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ) (الأنعام : 74)

أما العلماء المحققون الذين تصدوا لتلك النظرية الترادفية الفاسدة انتبهوا أن تلك الآية الكريمة تتحدث عن (أبي) ابراهيم وليس عن (والده) ودعوا لضرورة الإنتباه الدقيق بين لفظي الأب والوالد على النحو التالي: كل والد هو أب لكن ليس كل أب والد، وبالمثل كل والدة هي أم لكن ليست كل أم هي والدة.

الوالد والأب
الوالد هو الأب الطبيعي للمولود سواء قام بتربية مولوده أم لا، أما الأب فهو كل من قام بتربية مولود ما سواء كان ولده أم لا. نلاحظ في هذا السياق التشابه الكبير بين لفظ (أب) ولفظ (رب) حيث يشترك كل منهما في حرف الباء وهو من حروف الإطباق وكأن ذلك يوحي بنوع من التلاحم بين شيئين هما المربِّى والمربَّى. أما لفظ (رب) فيدل على الزيادة والنمو لذلك سميت الهضبة المرتفعة (ربوة) وسميت الزيادة على رأس المال (ربا) وسميت التنشئة (تربية) وهكذا. من هنا نفهم أن الأب هو كل من قام بالإنماء والرعاية والحضانة والتنشئة ولا يدل اللفظ بالضرورة على الوالدية، فالوالد أب بالضرورة، لكن الأب ليس والداً بالضرورة. إذا فهمنا ذلك جيدا حق لنا أن نفقه دعاء إبراهيم الخليل بعد أن صار شيخا لوالده بالغفران:

(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء. رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء. رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) (إبراهيم : 39 – 41)

في الآية الأولى (سورة الأنعام) يصف إبراهيم الشاب أباه بأنه في ضلال مبين، وفي الآية الثانية (سورة إبراهيم) يدعو إبراهيم الشيخ لوالديه، ومن هنا نعلم أن لفظ (الأب) لا يرادف بالضرورة لفظ (الوالد)، بل بينهما فارق كبير جدا لم ينتبه له كثير من المفسرين على مر العصور، ولست أعلم أنا أحدا قد سبقني – بفضل الله وحده – إلى الإنتباه لهذا الأمر فلله الفضل والمنة. أما عن تفسير تلك الآية فأقول: لقد كان (والد) إبراهيم مؤمنا وقد مات على الإيمان لذلك إستحق أن يدعو له إبراهيمُ الشيخ بالغفران وهو على مشارف الآخرة بعد أن وهب الله له إسماعيلَ واسحقَ. ويبدو أن والد إبراهيم قد توفي وإبراهيم مازال جنيناً أو رضيعاً أو صبياً أو غلاماً فتولى شخص آخر – ربما كان عمه أو خاله أو غير ذلك – اسمه آزر تربيته فصار أبا له، ذلك الأب لم يكن مؤمنا بل كان كافرا ومات على الكفر لذلك تبرأ إبراهيم منه لما تبين له أنه عدو لله:

(وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) (التوبة : 114)

نلاحظ هنا كذلك أن اللفظ المستخدم هو (أبيه) وليس (والده)، وطبيعي أن وعد إبراهيم لأبيه بالإستغفار له كان وإبراهيم في مقتبل العمر، وقد سجل القرآن تلك الموعدة:

(قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا. قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا. وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا) [مريم : 46 - 48]

من هنا نرى أن تسلسل الأحداث كان كالتالي: مات والد إبراهيم على الإيمان وإبراهيم لا يزال صغيرا. تولى شخص يدعى آزر تربية إبراهيم فكان أباً له ولكنه لم يكن أباً طبيعيا أي لم يكن والداً له. ظل أبو إبراهيم على الكفر فدعاه إبراهيم للإيمان لكنه أبى فوعده إبراهيم بالاستغفار له واستغفر له فعلا. أنبأ الله إبراهيمَ أن أباه آزر عدوٌ لله فتبرأ ابراهيم من أبيه ذاك. وهب الله إبراهيم إسماعيل وإسحق. استغفر إبراهيم وهو على مشارف الآخرة لوالده ووالدته لعلمه أنهما ماتا على الإيمان سلام الله عليهما. من هنا نفقه الفارق اللساني الدقيق بين مفهوم (الأب) ومفهوم (الوالد).

الوالدة والأم
ما قيل في الفارق بين الوالد والأب يقال كذلك في الفارق بين الوالدة والأم: الوالد هو الأب الطبيعي للمولود سواء قام بتربية مولوده أم لا، أما الأب فهو كل من قام بتربية مولود ما سواء كان ولده أم لا.

الوالدة هي الأم الطبيعية للمولود سواء قامت بتربية مولودها م لا، أما الأم فهي كل من قامت بتربية مولود ما سواء كان ولدها أم لا ولنأخذ لذلك مثالاً: مريم إبنة عمران عليها السلام. مريم الصديقة هي والدة المسيح كما نعلم:

(قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا. وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا. وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا. وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا. ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ) (مريم : 30 – 34)

هي والدته من حيث أنه خرج من رحمها أي تولد عنها. ولما كانت مريم نفسها هي من تولت تربيته وحضانته وصفت لذلك بأنها أيضا أمه:

(مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (المائدة : 75)

هي والدته من حيث أنه خرج من رحمها، وهي كذلك أمه من حيث هي التي تولت حضانته ورعايته، فالقرآن الكريم يطلق لفظ (أم) ليس فقط على الوالدة ولكن كذلك على كل من / ما يحتضن شيئا أو يحتويه سواء كان حياً أم ميتاً:

(وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ. فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ. نَارٌ حَامِيَةٌ) (القارعة : 11)

حيث وصف النار الحامية تلك بأنها (أم) لكونها تحتضن من خفت موازينه بين جنباتها أي الأم الجافية وقانا الله شرها آمين. أما قول الله تعالى:

(الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ الَّلائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) (المجادلة : 2)

فواضح من السياق أنها تتحدث عن الأم (الطبيعية) أي عن الوالدة وليس عن مطلق الأم سواء كانت الأم الوالدة أم الأم الحاضنة أم الأم المرضعة أم الأم الحانية أم غير ذلك.

هذه الخاطرة تمثل إشارةً وجيزةَ العبارة ظاهرةَ الإشارة لضرورة الإنتباه للفروق اللسانية الدقيقة لمفاهيم القرآن الكريم.

تحياتي

الحسيني

نشر بتاريخ  on at 1:30 م أترك تعليقا

ابن سطادا / ابن بانديرا / ابن مريم

نظرتان متطرفتان ونظرة وسطية
هناك نظرتان متطرفتان ومتباينتان فيما يتعلق بالمسيح. النظرة المتطرفة الأولى هي نظرة النصارى له أنه ـ في زعمهم ـ يمثل الأقنوم الثاني (الكلمة Logos) من مثلث أقانيمهم. النظرة المتطرفة الثانية هي نظرة اليهود له أنه ـ في زعمهم ـ يمثل الخائن لله وللوطن. بين تلك النظرتين الشاذتين توجد نظرة ثالثة وسطية ترفض وصف المسيح بأنه أقنوم كما ترفض وصف المسيح بأنه خائن، وتبين أن المسيح هو عبد الله ورسوله إلى بني اسرائيل، وتلك هي نظرة المسلمين المنطلقة من الكتاب المبين. من هذا المنطلق كان يجب على النصارى إيثار المسلمين الذين يحترمون شخص المسيح عليه السلام على اليهود الذين يحقرون شخص المسيح عليه السلام، لكن ما حدث كان العكس، حيث آثر النصارى اليهود الذين قتلوا إلههم ـ على زعمهم ـ على المسلمين. وليت الأمر توقف عند الإيثار بل تعداه للدفاع والمحاماة عنهم فأظهروا بذلك مبلغ ضلالهم وأنهم قوم لا خلاق لهم. استمعت يوما ما في أحد الغرف الشهيرة للنصارى على برنامج للمحادثات الإلكترونية المباشرة لأحدهم وهو يدافع عمن قتل إلهه المزعوم وهو ينفث سمه الزعاف قائلا: “من قال إن اليهود افتروا على مريم؟ أبدا لم يفترِ اليهود على مريم، ولكن الذي افترى على اليهود هو قرآن المسلمين” (انتهى). يتهم ذلك النصراني المتهود والمتصهين القرآن الكريم بأنه افترى على اليهود أنهم أفتروا على مريم وأشار إلى الآيات التالية من البلاغ المبين:
 
(… وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا) (النساء : 156)

(فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا. يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) (مريم : 27 – 28)
وأقره كل من كان بالغرفة من النصارى على سمه الزعاف وما تقاطر من فمه من دم رعاف. أقول: صدق الله تعالى فيما قال وكذب وخسأ ذلك الصهيوني الأفاك فيما تقيأه من كلمات حاول بها تبرئة قاتلي إلهه المزعوم من قذفهم مريم عليها السلام في شرفها. السؤال الذي أوجهه إلى ذلك الصهيوني ومن على شاكلته من الكفار: هل يوجد لديكم مانع عقلي يحيل إمكان قذفهم مريم عليها السلام في شرفها بعد ولادتها المسيح أم لا؟ إن كان لديهم مانع عقلي يحيل إمكان ذلك فليقدموه، وإلا فليخرسوا ولتنقطع ألسنتهم المتقاطرة بالسم ما دامت إمكانية ذلك الإفتراء ممكنة عقلا. برغم ذلك لن أطيل الوقوف عند باب أحكام العقل لأن هؤلاء لا عقول لديهم، وسأنتقل بدلا من ذلك لبيان حدوث ذلك من الناحية النقلية.
مصادر المعلومات
الوثائق الرسمية الأولى المسجل بها تعاليم اليهود – أسفار العهد القديم – تخلو من أي إشارة للمسيح أو أمه لكونها دونت قبل عصر المسيح. أما الوثائق الرسمية للنصارى – أسفار العهد الجديد ـ فهي غير معتمدة عند اليهود ولا تتحدث بلسان مقالهم وإن كانت تتحدث عن أحوالهم. إن من يقرأ العهد الجديد يعلم تماما أن الكتبة والفرسيين اليهود قاموا بحرب شعواء ضد المسيح انتهت بمصرعه ـ على زعمهم الكاذب ـ فما العجب إذن في إمكان قيام اليهود بالطعن في شرف أم المسيح عليها السلام؟ لنترك الكتاب المقدس لديهم بقسميه جانبا ولنذهب إلى المصدر الثاني من مصادر اليهود ـ بعد أسفار العهد القديم ـ وهو أدب الحاخامات.

أدب الحاخامات
يشمل أدب الحاخامات كتبا كثيرة منها التلمود الأورشليمي والتلمود البابلي بقسميهما المشنا والجمارا، كما يشمل التوسفتا والمدراشيم والترجوميم وغيرها. هناك صعوبتان تكتنفان البحث في كتب أدب الحاخامات أولاهما: الحجم الكبير لهذه الكتب والذي يصل لعشرات المجلدات من القطع الكبير (رأيت نسخة من التلموديم مع الشروح لدى مكتبة الدراسات اليهودية بكلية اللاهوت الإنجيلي مكونة من 64 مجلدا كبيرا ضخما). ثانيهما: تعدد الألسنة واللهجات المدون بها تلك الكتب وهي ما بين العبرانية القديمة والآرامية وما يتوفران عليه من لهجات. لذلك يصعب على الباحث أن يقوم بدراسة شاملة في تلك الكتب. برغم ذلك قام كثير من العلماء المتخصصين بدراسة موضوع هام ودقيق جدا وهو (أدب الحاخامات والمسيح).

أدب الحاخامات والمسيح
ذكر الحاخام الألماني الكبير البروفيسور دكتور دكتور تريب أن التلمود تعرض لإضطهاد كبير من قبل الكنيسة الكاثوليكية مما أدى لتدخل الرقيب لحذف كثير من المواضيع. لعل ذلك يفسر لنا سر الندرة النسبية للحديث عن المسيح في التلمود، وأنه إنما يشير إليه بالصفة وليس بالإسم. سأفترض أن القارئ الكريم لديه فكرة مبسطة عن التلمودתלמדים فإن لم يكن الأمر كذلك فيمكن الرجوع لأحد الكتب التي تقدم تعريفا شاملا للمبتدئين مثل كتاب Mielziner بالإنجليزية أو كتاب Stemberger بالألمانية وهما من الكتب الأكاديمية القيمة. أما فيما يتعلق بموضوع “يسوع” في التلمود فهناك كتابان رائدان في هذا المجال أولهما كتاب مائير بالألمانية (1978) والثاني كتاب شيفر (2007) بالإنجليزية. يتحدث الكاتب Peter Schaefer في كتابه القيم Jesus in the Talmud والذي نشرته جامعة برنستون / أكسفورد عام (2007) في فصل بعنوان Jesus’ family عن تلك الحقيقة قائلا:

Since neither source mentions, however, the name “Jesus” but instead resorts to the enigmatic names “Ben Stada” and “Ben Pandera/Pantera” respectively, their relationship to Jesus in hotly disputed

تدل تلك الفقرة على أمور منها: عدم التصريح بذكر اسم “يسوع” في أي من المصادر (وهذا ربما يؤكد ما سبق وذكرته في مداخلة سابقة حول عدم تعيين المصادر لإسم المسيح فكيف يدعي النصارى أن اسمه “يسوع”؟)، ومنها: اللجوء إلى أسلوب التورية باستخدام أسماء مبهمة مثل ابن سطادا وابن بنديرا، ومنها: الجدل الساخن حول مدى ارتباط الوصفين المتقدمين بيسوع. برغم ذلك خاض بيتر شيفر خضم ذلك البحر وأخرج وثيقة أكاديمية من 210 صفحة تمثلت في كتابه ذاك للدلالة على ارتباط تلك الأصاف وغيرها بيسوعهم.

 

ابن بانديرا و ابن سطادا
كشف بيتر شيفر في كتابه أن التلمود تحدث عن امرأة اسمها مريم أنجبت طفلا غير شرعيا من جندي روماني اسمه Pandera ولذلك سمي المولود “ابن بانديرا”. كما وصف التلمود ذلك المولود باسم آخر هو “ابن سطادا” فماذا يعني ذلك الإسم. يذكر البروفيسور الألماني Carl Siegfried في قاموسه العبري (1893) أقرب المشتقات لتلك الكلمة وهو الفعل العبري القديم سطا שָׂטָה والذي يعني Untreue des Eheweibs أي خيانة الزوجة (السفاح) فكأن ذلك اللفظ يعني “ابن العاهرة”.

ليس هناك تصريح كامل كما ذكرنا وذلك لسبب ذكره الكتاب وهو الرقابة الكاثوليكية على التلمود، ولسبب آخر أذكره وهوتعرض التلمود اليروشالمي (الأورشليمي) للضياع بعد هدم هيكل (معبد) سليمان عام 70 م على يد Titus الروماني، وبدء إعادة التدوين بعد ذلك بفترة طويلة، وكذلك تعرض التلمود البافلي (البابلي) للضياع أثناء فترة الأسر البابلي لليهود. برغم ذلك بقيت آثار اكتشفها الأكاديميون النصارى أنفسهم تدل بوضوح على أنه ما كانت أم المسيح عليها السلام لتسلم من لسان اليهود الذي يقطر بهتانا وإفكا وهذا ما أكدت عليه الوثيقة الأصلية الأساسية التي يؤمن بها المسلمون أي: القرآن الكريم.

تحياتي

 

الحسيني 

 

 

نشر بتاريخ  on يونيو 15, 2008 at 8:36 ص أترك تعليقا

يِهُوشُوعَا יִהוֺ שֻׁעַ

نعلم جميعا أن إسم العلم (الإسم الشخصي) الذي ذكر في الكتاب المبين فيما يتعلق بابن مريم عليهما السلام هو (عيسى)، وعلمنا مما تقدم أعلاه أن أقرب الإشتقاقات التوراتية السائرة لذلك الإسم الكريم هو (عيسو) أو (عيساو). أما فيما يتعلق بالأناجيل فقد أشرت إلى أننا لا يمكن لنا ـ منهجيا ـ إعتماد اسم (يسوع) لكون أقدم مخطوطات الأناجيل مكتوبة باللسان اليوناني القديم Altgriechisch بينما لم يكن ابن مريم يونانيا ولا لاتينيا وإنما كان عبرانيا يتحدث بلسان قومه العبراني بلهجة آرامية، وأنه لا توجد ـ فيما تعلن الكنيسة رسميا ـ أي نسخة أصلية من إنجيل المسيح بلسان قومه. أما حديثنا الآن ـ وبإيجاز شديد ـ فيدور حول دعوى يرفعها عدد من مثقفي النصارى فحواها أن اسم (يسوع) مشتق من اسم علم يهودي شهير وهو (يهوشع) الوارد في العهد القديم / سفر زخريا (زكريا / زكرياء) / الإصحاح 3 / العدد 8. لدفع ذلك الزعم أقول: ورد اسم (يهوشع) عدة مرات في سفر زكريا في معرض الحديث عن رؤيا زكريا بن برخيا (ليس زكريا والد يحيى عليهما السلام) :

(وَأَرَانِي يَهُوشَعَ الْكَاهِنَ الْعَظِيمَ قَائِمًا قُدَّامَ مَلاَكِ الرَّبِّ، وَالشَّيْطَانُ قَائِمٌ عَنْ يَمِينِهِ لِيُقَاوِمَهُ. 2 فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: «لِيَنْتَهِرْكَ الرَّبُّ يَا شَيْطَانُ! لِيَنْتَهِرْكَ الرَّبُّ الَّذِي اخْتَارَ أُورُشَلِيمَ! أَفَلَيْسَ هذَا شُعْلَةً مُنْتَشَلَةً مِنَ النَّارِ؟». 3 وَكَانَ يَهُوشَعُ لاَبِسًا ثِيَابًا قَذِرَةً وَوَاقِفًا قُدَّامَ الْمَلاَكِ. 4 فَأَجَابَ وَكَلَّمَ الْوَاقِفِينَ قُدَّامَهُ قَائِلاً: «انْزِعُوا عَنْهُ الثِّيَابَ الْقَذِرَةَ». وَقَالَ لَهُ: «انْظُرْ. قَدْ أَذْهَبْتُ عَنْكَ إِثْمَكَ، وَأُلْبِسُكَ ثِيَابًا مُزَخْرَفَةً». 5 فَقُلْتُ: «لِيَضَعُوا عَلَى رَأْسِهِ عِمَامَةً طَاهِرَةً». فَوَضَعُوا عَلَى رَأْسِهِ الْعِمَامَةَ الطَّاهِرَةَ، وَأَلْبَسُوهُ ثِيَابًا وَمَلاَكُ الرَّبِّ وَاقِفٌ. 6 فَأَشْهَدَ مَلاَكُ الرَّبِّ عَلَى يَهُوشَعَ قَائِلاً: 7 «هكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ: إِنْ سَلَكْتَ فِي طُرُقِي، وَإِنْ حَفِظْتَ شَعَائِرِي، فَأَنْتَ أَيْضًا تَدِينُ بَيْتِي، وَتُحَافِظُ أَيْضًا عَلَى دِيَارِي، وَأُعْطِيكَ مَسَالِكَ بَيْنَ هؤُلاَءِ الْوَاقِفِينَ. 8 فَاسْمَعْ يَا يَهُوشَعُ الْكَاهِنُ الْعَظِيمُ أَنْتَ وَرُفَقَاؤُكَ الْجَالِسُونَ أَمَامَكَ، لأَنَّهُمْ رِجَالُ آيَةٍ، لأَنِّي هأَنَذَا آتِي بِعَبْدِي «الْغُصْنِ». 9 فَهُوَذَا الْحَجَرُ الَّذِي وَضَعْتُهُ قُدَّامَ يَهُوشَعَ عَلَى حَجَرٍ وَاحِدٍ سَبْعُ أَعْيُنٍ. هأَنَذَا نَاقِشٌ نَقْشَهُ، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ، وَأُزِيلُ إِثْمَ تِلْكَ الأَرْضِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ. 10 فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ، يُنَادِي كُلُّ إِنْسَانٍ قَرِيبَهُ تَحْتَ الْكَرْمَةِ وَتَحْتَ التِّينَةِ» (زكريا 3 : 1 – 10).

إضافة إلى ذلك يذكر البروفيسور Guenter Lanczkowski أستاذ علم الأديان المقارنة بالجامعات الألمانية في موسوعته (1986) أن (يهوشع) كان خليفة موسى عليه السلام، وهو الذي دخل ببني إسرائيل إلى أرض كنعان بعد فترة التيه الأربعيني. أقول: ذلك الإسم (يهوشع) هو الذي يضبطه البعض باللسان العربي هكذا: (يوشع)، وباللسان الألماني هكذا: (Josua)، وباللسان الإنجليزي هكذا: (Joshua)، بينما هو مضبوط باللسان العبراني القياسي هكذا: (יִהוֺ שֻׁעַ) وينطق هكذا: (يِهُوشُوعَا) أو اللسان العبراني بطريقة الـ matres lectionis هكذا: (יִהוֺ שׁוֺעַ) وينطق كذلك (يِهُوشُوعَا). إذا نظرنا بين لفظ (يسوع) تبين لنا أنه يتكون من حرفين ساكنين هما السين والعين، وإذا نظرنا في لفظ (يِهُوشُوعَا) تبين لنا أنه يتكون كذلك من ثلاثة أحرف ساكنة هي الهاء والشين والعين. وإذا أخذنا في الإعتبار أن رسم حرف الشين שׁ ورسم حرف السين שׂ كان في تلك العصور السحيقة يخلو من التنقيط الذي أدخله يهود طبرية نحو القرن العاشر الميلادي، ש، فإنه من غير المستبعد أن يشترك لفظ (يسوع) مع لفظ (يِهُوشُوعَا) في حرفين اثنين هما ש وע أي السين/ الشين والعين. بناءا على ذلك ربما نتفهم أن الأساس اللساني للفظ (يسوع) هو لفظ (يِهُوشُوعَا) لكن يظل الإشكال الرئيسي بعد ذلك قائما:

من أين للنصارى أن الإسم الشخصي للمسيح كان (يِهُوشُوعَا) في حين أنهم لا يمتلكون أي نسخة من الإنجيل بلسان المسيح الأم حتى نعلم ما هو اسمه؟

إننا لا نختلف كثيرا في أن لفظ (يسوع) ربما يكون مشتقا من لفظ (يِهُوشُوعَا)، لكنا نختلف في كيفية تعيين الإسم الشخصي للمسيح سواء أكان (يسوع) أو (يِهُوشُوعَا). العهد القديم لن يحل الإشكال لسبب بسيط وهو كونه قد وضع قبل مولد المسيح. أما العهد الجديد فكذلك لن يحل الإشكال لكون أقدم نسخه المعروفة مرسومه بالخط اليوناني ثم لاحقا بالخط اللاتيني. إن النصراني المثقف لن يجادل في تلك الحقائق المتقدمه وإلا فإنه يكشف عن جهل عميق بتلك القضايا. أما النصراني الأكثر عمقا في الطرح فلن يجادل فيما تقدم من حقائق بل ربما سيحاول الخروج إلى مستنقع آخر هو:

التلمود (תלמדים)

ومع ذلك الموضوع سيكون لي وقفة في مساهمة قادمة أرجو أن تكون قريبة بإذن الله.

تحياتي الودية

الحسيني

 

 

نشر بتاريخ  on يونيو 7, 2008 at 12:41 م أترك تعليقا

في الأعواض

أقسام الآلام
إذا كانت “الحسنة” هي أجر “الطاعات” فإن “العوض” هو أجر “الآلام”. هناك ثلاثة أقسام للآلام بحسب مصدرها. أولا: الآلام المتولدة عن فعل الطاعات كأن يقوم الإنسان إلى صلاته فتتورم قدماه. يلزم أن نفرق في هذه الحالة بين نوعين من “الثواب”: الثواب على إقامة الصلاة ويسمى “حسنة” والثواب على الآلام التي صاحبت المصلي عند إقامة الصلاة ويسمى “عوض”.الآلام المتولدة عن فعل الطاعات عليها العوض من الباري سبحانه لأنها آلام متولدة عن أمر تكليفي من الله. ثانيا: الآلام المتولدة عن فعل المعاصي كأن يشرب الإنسان الخمر فيحل بجسمه ألم. الآلام المتولدة عن فعل المعاصي ليس عليها العوض من الباري سبحانه لأنها آلام متولدة عن نهي تكليفي من الله. ثالثا: الآلام المتولدة عن مخالفة السنن الكونية كأن يدخل الإنسان يده في النار فتحرق النار يده. هنا يلزم التمييز بين حالتين، أولهما: مخالفة السنن الكونية عن جهل أو خطأ أو نسيان أو استكراه. الآلام المتولدة في الحالة ربما يكون عليها عوض من الله الكريم. ثانيهما: مخالفة السنن الكونية عن قصد وإرادة وعلم والآلام المتولدة في الحالة لن يكون عليها عوض من الله لأنها تولدت عن مخالفة النواميس الكونية بإرادة عالمة.

أمثلة
(1) تعرض أحد المؤمنين بالله سبحانه لأذى ألحقه به ثلة من الجاحدين. الألم المتولد في هذه الحالة عليه العوض من الله، لأنه ألم تولد عن فعل الإيمان، هذا بخلاف ثواب الإيمان ذاته وحسناته.

(2) ارتكب أحد المكلفين كبيرة الزنا فتولد عن ذلك ألم تمثل في الإصابة بالزهري أو السيلان أو الإيدز (السيدا). الألم المتولد في هذه الحالة ليس عليه العوض من الله، لأنه ألم تولد عن فعل العصيان، هذا بخلاف العقاب والسيئات التي يتحملها المذنب كذلك. المذنب في هذه الحالة يبوء بثقلين: آلام لا عوض عليها، وسيئات في ميزانه.

(3) إمراة تعاطت أثناء حملها أدوية وعقاقير تؤثر على صحة الجنين فأدى ذلك إلى ولادة طفل مشوه فتولد عندها ألم. الألم هذا لا عوض عليه لأنه نتيجة طبيعية لمخالفة السنن، بل ربما تتحمل وزرا. أما الطفل المشوه فلا ذنب له لذلك له العوض عما يعتريه من آلام بسبب هيئته المشوهة. فإن صبر على حاله فله إضافة للعوض أجر الصبر، وإن آذى نفسه فعليه وزر لكنه ربما لا ينقص من أعواض الألم الذي اعتراه شيئا، فإن كان العوض يقدر بـ (2 +) والوزر يقدر بـ (5 -) مثلا، فإن النتيجة الإجمالية تكون (3 -). ولو كان العوض يقدر بـ (7 +) والوزر يقدر بـ (4 -) مثلا، فإن النتيجة الإجمالية تكون (3 +) وهكذا.

تحياتي

الحسيني

نشر بتاريخ  on مايو 28, 2008 at 6:53 م أترك تعليقا

عيسو עִשָׂו

أدعو حضرات السادة والسيدات في البداية لقراءة النص التالي من سفر التكوين، الإصحاح 25، العدد من 19 إلى 26:

(وَهذِهِ مَوَالِيدُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ: وَلَدَ إِبْرَاهِيمُ إِسْحَاقَ. 20 وَكَانَ إِسْحَاقُ ابْنَ أَرْبَعِينَ سَنَةً لَمَّا اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ زَوْجَةً، رِفْقَةَ بِنْتَ بَتُوئِيلَ الأَرَامِيِّ، أُخْتَ لاَبَانَ الأَرَامِيِّ مِنْ فَدَّانَ أَرَامَ. 21 وَصَلَّى إِسْحَاقُ إِلَى الرَّبِّ لأَجْلِ امْرَأَتِهِ لأَنَّهَا كَانَتْ عَاقِرًا، فَاسْتَجَابَ لَهُ الرَّبُّ، فَحَبِلَتْ رِفْقَةُ امْرَأَتُهُ. 22 وَتَزَاحَمَ الْوَلَدَانِ فِي بَطْنِهَا، فَقَالَتْ: «إِنْ كَانَ هكَذَا فَلِمَاذَا أَنَا؟» فَمَضَتْ لِتَسْأَلَ الرَّبَّ. 23 فَقَالَ لَهَا الرَّبُّ: «فِي بَطْنِكِ أُمَّتَانِ، وَمِنْ أَحْشَائِكِ يَفْتَرِقُ شَعْبَانِ: شَعْبٌ يَقْوَى عَلَى شَعْبٍ، وَكَبِيرٌ يُسْتَعْبَدُ لِصَغِيرٍ». 24 فَلَمَّا كَمُلَتْ أَيَّامُهَا لِتَلِدَ إِذَا فِي بَطْنِهَا تَوْأَمَانِ. 25 فَخَرَجَ ألأَوَّلُ أَحْمَرَ، كُلُّهُ كَفَرْوَةِ شَعْرٍ، فَدَعَوْا اسْمَهُ «عِيسُوَ». 26 وَبَعْدَ ذلِكَ خَرَجَ أَخُوهُ وَيَدُهُ قَابِضَةٌ بِعَقِبِ عِيسُو، فَدُعِيَ اسْمُهُ «يَعْقُوبَ». وَكَانَ إِسْحَاقُ ابْنَ سِتِّينَ سَنَةً لَمَّا وَلَدَتْهُمَا) (التكوين 25 : 19 – 26)

يتركب اسم (عيسو) في اللسان العبراني من ثلاثة أحرف: حرفان صحيحان هما العين ע المكسورة، والسين שׂ المضمومة لحركة المناسبة، وحرف واحد معتل هو الواو ו الساكنة المضموم ما قبلها وفقا لقراءة اليهود المازوريتيين. من المعرف في العلوم اللسانية أن بناء الكلمة في اللغات السامية ـ كالعبرانية والعربية ـ يقوم على الحروف الصحيحة (الصامتة) Konsonanten فهي وحدها التي تؤدي المعنى العام، أما الحروف المعتلة Vokale والحركات القصيرة والطويلة فتقتصر وظيفتها على تأدية المعاني الإشتقاقية والصرفية مثل: كتب، يكتب، كتاب، كاتب، …، حيث تدل الحروف الصحيحة الأصلية (ك / ت / ب) على معنى التسمية أي على المسمى. إذا عمدنا إلى لفظ (عيسو) وطبقنا عليه فقه اللغة السامية semitische Philologie فحذفنا ما به من أحرف معتلة وحركات واقتصرنا على ما به من حروف صحيحة صامته لصار لدينا حرفان اثنان هما العين ע والسين שׂ على التوالي. على هذا يمثل ذانك الحرفان الجذر الجيني للفظ (عيسو)، فعلى ماذا يدل ذلك الجذر؟

[1] مفهوم جذر العين والسين في التوراة السائرة
لنرجع إلى سفر التكوين مرة أخرى والشاهد فيه هو العدد 25 تحديدا وهو كما يلي:

(فَخَرَجَ ألأَوَّلُ أَحْمَرَ، كُلُّهُ كَفَرْوَةِ شَعْرٍ، فَدَعَوْا اسْمَهُ «عِيسُوَ») (تكوين 25 : 25)

فلنستقرأه لنرى دلالة العين والسين. يتضح من خلال تدبر النص أن المولود الأول قد جاء تكوينه المادي مخالفا لما هو معهود ومعتاد، حيث خرج لونه (أحمرا)، وجسده (كله كفروة شعر)، لذلك دعوا اسمه (عيسو) ولننتبه لدلالة الفاء في كلمة (فدعوا) للدلالة على التعقيب، أي تم إطلاق اسم (عيسو) عليه عقب ولادته بتلك الهيئة العجيبة الغير مألوفة.

قاعدة: يدل الجذر الجيني المكون من حرفي (ع / س) على المولود الذي جاء بهيئة تكوينية تخالف ما هو شائع ومعتاد ومألوف.

[2] تطبيق القاعدة على إبن مريم
يشتق اسم “عيسى” ابن مريم من المادة نفسها، حيث يؤول لفظ (عيسى) إلى الجذر الجيني (ع / س) بعد حذف حروف العلة والحركات، كما تعود تسميته لنفس السبب وهو أنه جاء من الناحية التكوينية مخالفا للعادة خارقا لها لكونه لا والد ذكر له.

قاعدة: يدل اسم (عيسى) على مفهوم المولود الذي جاء تكوينه خارقا للعادة دالا بذلك على كونه آية مخلوقة من آيات الله سبحانه.

الخلاصة:
لما كان الإنجيل الأصلي الذي تكلم به ابن مريم مفقودا، ولما كانت أقدم الأناجيل مكتوبة بلسان أجنبي عن لسان ابن مريم، لذلك يلزم أن نعود إلى اللسان الأصلي الذي كان ابن مريم يتحدث به، وهو لسان التوراة العبراني الآرامي لنستقرأ الاسم الذي يدل على مفهوم الولادة الخارقة للعادة، وإننا حين نفعل ذلك نجد أن ذلك الإسم ينطلق من جذر جيني وحيد حروفه الأصلية هما العين ثم السين، وأن حروف مثل الجيم أو الزاي أو حتى العين الخاتمة ليست ضمن حروف ذلك الجذر الجيني. هذا وقد أطلق القرآن عليه اسم (عيسى) وهو اسم ينطبق عليه تماما ـ لسانا ومفهوما ـ كما ينطبق القفاز على راحة اليد، فهنيئا له بذلك الإسم، وهنيئا للمسلمين بكتابهم المعجز، وصلى الله وسلم على خاتم النبيين ومعلم البشر أجمعين محمد بن عبد الله النبي الأمين وسلم تسليما كثيرا.

تحياتي

الحسيني

نشر بتاريخ  on مايو 19, 2008 at 8:31 ص أترك تعليقا