مدرسة التجديد في الفكر الإعتزالي

الإخوة والأخوات الأكارم

سلام الله عليكم ورحمته وبركاته

فيما يلي يطيب لي أن أقدم ورقة تعريفية بمدرسة التجديد في الفكر الإعتزالي ـ التسمية من حيث الموضوع ـ والتي تطلق على نفسها كذلك مدرسة المعتزلة في الغرب ـ التسمية من حيث المكان ـ وذلك بعد تقديم سريع للمدارس الإعتزالية بصورة عامة.

[1] مدارس الفكر الإعتزالي

يمكن تقسيم مدارس الفكر الإعتزالي على أساس زمني الى مدرستين هما:

[1] المعتزلة التاريخية
وهي بدورها تنقسم الى مدرستين على أساس جغرافي هما:

(1) المعتزلة البصرية
وهي الأقدم وترجع جذورها الى أبي حذيفة واصل بن عطاء الغزال والذي تتلمذ على أبي هاشم عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب.

(2) المعتزلة البغدادية
وهي أحدث زمنيا من مدرسة البصرة وترجع جذورها الى بشر بن المعتمد خريج المدرسة البصرية.

وللإمام أبي رشيد النيسابوري رحمه الله كتاب يحتوى على مسائل الخلاف بين البصريين والبغداديين ينصح المهتمون بتأريخ المدارس الكلامية واختلافات المتكلمين بالرجوع اليه.

[2] المعتزلة المعاصرة

المعتزلة المعاصرة يبدأ التأريخ لها منذ سنة 1990 تقريبا وهي بدورها تنقسم الى مدرستين كذلك على أساس موضوعي وجغرافي هما:

(1) المعتزلة الشرقية / مدرسة التفعيل
وهي المعتزلة التي قامت دعوتها انطلاقا من المشرق وبالتحديد المشرق العربي وبالأخص في الأردن وذلك على يد العلامة أبي ياسر أمين نايف ذياب ويمكن تسميتها بالمعتزلة الشرقية. الأساس الموضوعي الذي قامت عليه هذه المدرسة هو تفعيل فكر المعتزلة وليس إحياؤه، تفعيله لإعادة تشكيل عقل الأمة من جديد بما يؤدي لنهضتها وريادتها الحضارية.

(2) المعتزلة الغربية / مدرسة التجديد
وهي المعتزلة التي قامت دعوتها انطلاقا من الغرب وبالتحديد من أوروبا ثم امتدت بعد ذلك الى أمريكا الشمالية، ويمكن تسميتها بالمعتزلة الغربية أو مدرسة المعتزلة في الغرب. الأساس الموضوعي الذي تقوم عليه هذه المدرسة هو تجديد الفكر والخطاب الإعتزالي واعادة بناءه على أسس قرآنية خالصة بعيدا عن دعاوى المذهبية والطائفية والمشيخية والمقلدة.

إذا نحن إزاء أربع مدارس اعتزالية هي:

– البصرية

– البغدادية

– الشرقية

– الغربية.

وحيث أنني أحد أبناء مدرسة المعتزلة في الغرب فسأفرد لها هذا البحث التعريفي المتسلسل بإيجاز بعد بيان بعض الفروق والإختلافات.

الفروق بين مدارس المعتزلة
تبسيطا لشرح الفكرة سأعرض الفوارق الأساسية من خلال وجهي مقارنة: الأول هو مقارنة بين المعتزلة التاريخية ككل والمعتزلة المعاصرة ككل، والثاني هو مقارنة بين مدرستي المعتزلة المعاصرة أي بين مدرسة التفعيل ومدرسة التجديد ثم أقوم بعد ذلك بسرد موجز لأهم أوجه الإتفاق والإختلاف بين مجموع مدارس المعتزلة.

(1) المعتزلة بين التاريخ والمعاصرة
المسلم المعاصر يحيا في بدايات القرن الخامس عشر الهجري، الواحد والعشرين الميلادي، وليس القرن الثالث الهجري. سنة الله في الكون هي التغير في كل شيئ: الأفكار، الأنماط المجتمعية، العادات، المناهج وهكذا. والإسلام يقر هذا التغير ولذا لا يحتوي القرآن على تفاصيل ولكن على ثوابت عريضة أشبه بالمبادئ العامة والتجريدية. فالمعتزلة التاريخية والتي نشأت في أواخر القرن الأول أو بدايات القرن الهجري تفاعلت مع قضايا عصرها ومعطياته الزمانية والمكانية. أما المعتزلة المعاصرة فقد نشأت بعد مضي ثلاثة عشر قرنا لتتفاعل مع قضايا جديدة و معطيات مغايرة عن معطيات القرون الأولى. إزاء هذه الحقيقة ـ حقيقة اختلاف الزمان والمكان والأحداث ـ تجد الناس على أحد ضربين: أناس غارقون بقضايا مضت وبسط التاريخ عليها رداء الماضي، يحيون اليوم مشاكل قرون غبرت، غير منتبهين لقضايا عصرهم ومستجدات حياتهم، وأناس استفادوا من الماضي وأخذوا منه العبرة ثم مالبثوا أن تفاعلوا مع عصرهم. المعتزلة التاريخية بشقيها البصري والبغدادي لم يعد لها في عالم اليوم سوى في موضعين: بطون الكتب التراثية و عقول المذهبيين الطائفيين. أما المعتزلة المعاصرة بشقيها التفعيلي والتجديدي فهي الوريث الشرعي الطبيعي للمعتزلة التاريخية. أقول الطبيعي لأن الأفكار تنمو وتنضج مع مرور الزمن، وغير الطبيعي هو الجمود و الإنغلاق. إن المعتزلة المعاصرة لا تدعو إلى هدم التراث ولا إلى نسفه، فالتراث ـ بصفة عامة ـ يمثل الذاكرة الجمعية لأي أمة، والأمة الإسلامية غير مستثناه من هذا، ولذلك نحن حريصون على التراث حيث أنه يمثل لنا المادة الأولية التي نستقي منها مصادر الطاقة الفكرية، ولكن المعتزلة تدعو أولا لتنقيح التراث وتمييز السمين منه عن الغث، وثانيا لإستخلاص العبرة منه والفائدة، وثالثا للبناء عليه بأدواتنا المعرفية المعاصرة، والتي ستصبح بدورها تراثا لأجيال المستقبل، ثم تفعيل هذه المنظومة المتكاملة في حياتنا لتحقيق النهضة المنشودة.

(2) المعتزلة المعاصرة بين التفعيل والتجديد
بعد أن تجاوزنا برزخ الماضي إلي الحياة المعاصرة يثور تساؤل داخل المنظومة الإعتزالية المعاصرة، قلت المعاصرة لأن المذهبيين غير معنيين بها لكونهم أسارى التاريخ لم يتجاوزوه بعد لحياتنا المعاصرة: ما هو الهدف الرئيسي للمعتزلة المعاصرة؟ وقبل الإجابة على هذا السؤال أؤكد على التكامل القائم بين المدرسة الإعتزالية في الغرب مع أختها المدرسة الإعتزالية في الشرق فكلاهما يسعي لنهضة الأمة الإسلامية المعاصرة. إن المعتزلة في الشرق لا تسعى أبدا لإحياء المعتزلة التاريخية ـ وهذا ما أكده شيخنا العلامة أمين نايف ذياب رضوان الله عليه ـ وإنما لتفعيل الموروث في حياة الناس. وإذ يمكن النظر للمعتزلة في الشرق على أنها معتزلة محافظة تجاه الموروث الإعتزالي، يمكن النظر للمعتزلة في الغرب على أنها معتزلة ثورية تجاه الموروث الإعتزالي، إذ الموروث الإعتزالي عندها وإن كان يحظى بالإحترام إلا أنه لا يحظى بالقدسية أبدا، فهو يحتوي على حق وباطل، سمين وغث، نافع وضار، صحيح وسقيم مثله مثل الموروث الغير اعتزالي، فتدعو المعتزلة في الغرب الى استخلاص الترياق النافع من موروث المعتزلة غيره وطرح ما سواه، ثم استخدام ذلك ثم تطويره والبناء عليه والإضافة لحل مشاكلنا المعاصرة. تختلف المعتزلة الشرقية عن الغربية في النظرة المحافظة للأولى والنظرة الثورية للثانية في منهج التعامل مع التراث بينما تتفقان في الهدف وهو البعث الإسلامي المعاصر.

الإتفاق والإختلاف بين مدارس المعتزلة
السؤال الذي يتردد ويسأل كثيرا هو ما هي أوجه الإتفاق والإختلاف بين مجموع المدارس الإعتزالية؟

أوجه الإتفاق
[1] الوجه الأول من أوجه الإتفاق يتعلق بـ مراتب الأدلة فتقول جميع مدارس المعتزلة، بل جميع مدارس التوحيد والعدل قاطبة، بأن حجج الله على العباد ثلاثة ـ على الأقل ـ وهي العقل فالكتاب فالرسول.

[2] الوجه الثاني من أوجه الإتفاق يتعلق بـ الأصول الناتجة عن تلك الأدلة وهي خمسة أصول ـ مجمع عليها ـ هي: التوحيد و العدل والمنزلة بين المنزلتين وصدق الوعد والوعيد ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد زادت الزيدية أصلا على هذه الأصول الخمسة وهو أصل الإمامة، وقد زادت المعتزلة الغربية أصلا على هذه الأصول الخمسة وهو أصل لا إكراه في الدين.

أوجه الإختلاف
[1] إختلفت المعتزلة التاريخية في أمور كثيرة منها الإمامة والتفضيل فبينما فضل البصريون أبا بكر على علي رضوان الله عليهما، فضل البغداديون عليا على أبي بكر دونما قدح في المفضول وذلك على عكس الإمامية. ومن أراد مراجعة الخلاف بين البصريين والبغداديين عليه بكتاب أبي رشيد النيسابوري البصري بهذا الشأن.

[2] وكما اختلفت البصرية والبغدادية اختلف ابناء المدرسة الواحدة كإختلاف العلاف والنظام في الجزء الذي لا يتجزأ والطفرة وغير ذلك، بل حدث الخلاف بين أفراد الأسرة الواحدة كالخلاف بين أبي علي الجبائي وابنه ابي هاشم الجبائي، ومن أراد الوقوف على مسائل الخلاف بين الجبائيين فعليه بكتاب (مسائل الخلاف بين الشيخين) للقاضي عبد الجبار.

[3] تختلف المعتزلة المعاصرة عن المعتزلة التاريخية في أن المعتزلة المعاصرة تنظر للتراث الإعتزالي التاريخ كنظرتها إلى التراث عموما أنه نتاج أفكار وليست مقدسات، إذ ما خلفه لنا علماء المعتزلة في الماضي هو نتاج فكري ضخم يشهد ببراعتهم وعلمهم ولكنه ليس نصا دينيا مقدسا يتعين اتباعه ويستحيل خطأه. تراث السالفين عبارة عن فكرهم وفهمهم للنص المقدس ولكن فكرهم هذا غير مقدس وهو علاوة على ذلك خاضع لإعتبارات الزمان والمكان. فكما أن الزمن قد تجاوز الكثير من نظريات ابن سينا والرازي في الطب وابن الهيثم في الفيزياء، كذلك تجاوز الزمن الكثير من الموروث الإعتزالي وهذا قانون طبيعي لا ينكره سوى جاهل أو مقلد أو متعصب أو حاقد.

[4] تختلف المعتزلة الشرقية عن الغربية في أن الأولى تميل إلى العمل السياسي القائم على بعض الموروث بينما تميل الثانية لإعادة بناء النظرية السياسية والفكرية عموما على أسس جديدة مستمدة من القرآن وليس من الموروث.

[2] المعالم الأساسية لمدرسة المعتزلة في الغرب

فيما يلي سطور توضح أهم معالم مدرستنا الإعتزالية والدعائم التي تقوم عليها من خلال شرح بعض المفاهيم كما نتصورها نحن وليس كما يتصورها لنا الآخرون وهي مفاهيم تدور حول التسمية والوصف ثم المنهج ثم الأصول وبعد ذلك نبذة عن أهم الأنشطة.

(أولا)
التسمية

مدرستنا الإعتزالية تعرف نفسها بأحد المعرفيين التاليين:

– مدرسة التجديد في الفكر الإعتزالي (وللإختصار: مدرسة التجديد)

– مدرسة المعتزلة في الغرب (وللإختصار: المعتزلة الغربية)

وإحداثاتها الرياضية الثلاثية هي كما يلي:

(1) الزمان: معتزلة معاصرة أو راهنة أو آنية

(2) المكان: الغرب الجغرافي ويشمل دول أوروبا وأمريكا الشمالية.

(3) الموضوع: تجديد الفكر الإعتزالي وتأصيله قرآنيا وليس كلاميا.

(ثانيا)
مفهومنا لأصل كلمة “المعتزلة”

تعتز المعتزلة الغربية بالإشتقاق القرآني للفظها حيث ورد في المواضع التالية بالمفهوم التصوري الذي تقوم عليه وهي المواضع التالية:

[1] (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا) (الكهف : 16)

[2] (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا. فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا) (مريم : 48 – 49)

الإعتزال إذا لفظ يدل على الإبتعاد عن شيئ، ويقصد به إعتزال ما يدين الناس به سوى دين الله الحق. فمما يدين الناس به التشبيه والتجسيم والجبر والتعطيل وموالاة الظالم والركون إليه، أما المعتزلة فيعتزلون كل هذه الأباطيل ولا يدينون إلا بما نزل على محمد صلى الله عليه وهو الخير من ربهم جل شأنه. ولذلك توسع مدرسة التجديد في الفكر الإعتزالي مفهوم المعتزلة ليشمل كل من يعتزل ما يخالف القرآن وبذلك يعود للتسمية رونقها وبهاؤها القرآني بعد أن غطاها المذهبيون والطائفيون والمقلدة بركام كهنوتهم المسجى في مقبرة التاريخ.

(ثالثا)
المنهج أم المذهب / الإجتهاد أم التقليد؟

المنهج أم المذهب؟
مدرسة التجديد في الفكر الإعتزالي مدرسة منهجية وليست مذهبية وأعني بالمذهبية هنا الطائفية القائمة على موروث تاريخي محاط بسياج التقليد والتفرقة بين المسلمين على أسس غير منهجية. والنهج في لسان العرب هو الطريق الطويل الشاق ولذلك نقول على من تتسارع دقات قلبه من جراء السير الطويل أنه ينهج. وهكذا نعلم أن طريق الوصول للهدف هو طريق طويل ولكن لابد من السير فيه، أما الطائفيون والمقلدة الذين قصرت أنفاس سيرهم في مناهج البحث فيذهبون مذاهب شتى يجمعها الإعتزاز بكل موروث حتى وإن خالف العلوم الحديثة وسقفنا المعرفي المعاصر، ويتشبثون بذلك الموروث ويجعلون كهنتهم يحكمونهم من خلال مقابر التاريخ. تنأى المعتزلة المعاصرة بنفسها عن الطائفية البغيضة والمذهبية المتحجرة وتفخر بأنها تمخر في بحار المنهجية والمعارف الكونية المعاصرة.

الإجتهاد أم التقليد؟
الإسلام ـ من خلال كتابه الحكيم ـ يدعو إلى (النظر) والنظر والرؤية والإبصار كلمات غير مترادفة: الإبصار يتم بالبصر أو البصيرة، والرؤية هي العلم بالشيئ والإبصار قد يكون أحد مكوناتها، أما النظر والإنتظار وغير ذلك من المشتركات الجذرية فتتضمن مبدأ التحصيل الفكري الذي يتم مع مراعاة عامل الزمن أي التراكم المعرفي عبر الزمن. الكتاب الحكيم يدعو أتباعه إذا لبناء تراكمات معرفية وعلمية عبر الزمن وفي هذا يقول البارئ جل وعلا:

(قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ …) (العنكبوت : 20)

(أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) (الأعراف : 185)

حيث يدعونا سبحانه وتعالى لطي الأرض بالسير فيها والبحث في الكون استكشافا للمعارف الكونية، ولما كان الكشف الكوني المطالب به الإنسان يستلزم وقتا، قال (انظروا) و (ينظروا) لدخول البعد الزمني في مفهوم النظر. يقول الله تعالى:

(قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ. قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ. إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ) (الحجر : 36 – 38)

لما طلب إبليس من الله تعالى ألا يعاجله بالعذاب وأن يمهله إلي يوم البعث قال الله له إنك من الممهلين. ويقول الله تعالى أيضا:

(وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة : 280)

نظرة إلى ميسرة أي إمهال المدين وقتا حتي يتيسر له الوفاء بالدين.

من جميع ما سبق ـ وغيره الكثير ـ يتضح جليا أن مفهوم (النظر) في الكتاب مرتبط بالوقت، وأننا مطالبون بإستخدام هذا الوقت لبناء تراكم معرفي صلب. أي أن القرآن يدعونا للتفكر، وجعل الله الوسيلة الوحيدة لفهم القرآن هي وسيلة التدبر:

(أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا) (النساء : 82)

(أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (محمد : 24)

والتدبر محله العقل وليس شيئا آخر، فنحن نتدبر الأمر بالعقل لا بالبطن، والتدبر العقلي لا يتم لا من خلال النظر أي مراعاة عامل الزمن. هذا وقد ذم الله التقليد وشنع عليه وعاب على الكافرين تقليد الآباء:

(وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ) (البقرة : 170)

(وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (التوبة : 39)

المطلوب من المسلم في هذا السياق كله هو:

– النظر الكوني أي التراكم المعرفي عبر الزمن

– تدبر القرآن بالعقول

– عدم التقليد لأحد آباءا كانوا أم سابقون أم غير ذلك بل إتباع لله وحده.

وهذه هي المبادئ التي تسير عليها المعتزلة المعاصرة عموما والمعتزلة في الغرب على وجه الخصوص، فليس هناك بيننا وبين الله وسيط، وأن آثار وجود الله مبثوثة في الكتاب الكوني المبين وهو الكتاب الذي يجب أن ننظر فيه بعقولنا، ومراد الله منا مبثوث في البلاغ الشرعي المبين (القرآن الحكيم) وهو الكتاب الذي يجب تدبره بعقولنا.

أما تقليد السابقين والأولين فلا محل له عندنا. نعم ننظر في سير الصالحين والعلماء الأولين ولكن للإعتبار وليس للإستبصار، فالإستبصار يتم في ضوء المعطيات العلمية والمنهجية لعصرنا. إننا بهذه الطريقة نعطي للقرآن الحياة التي أرادها الله له بعد أن أماته المقلدون والمذهبيون وحولوه لكتاب تاريخاني وأثر متحفي. من أراد التجديد وأن يتعامل مع الآخرين كإنسان يحيا في القرن الخامس عشر الهجري فمرحبا به، ومن أراد اجترار أفكار السابقين وعبادة أساطير الأولين، أي ما سطروه وفق معارف عصرهم، ليطبقها على عصرنا دونما إعتبار لسنة الله في تغير المعارف عبر الزمن فلا مكان له بيننا وهو حر بعد ذلك أن يفعل ما يشاء وفق إرادته الحرة دونما إلزام للآخرين بها.

(رابعا)
قبسات من المنهج: الأدلة أو حجج الله على الناس

إذا كان هدفنا هو فهم الإسلام فإن هذا لا يتأتى إلا من خلال منهج أي طريق طويل يتعين أن نسير فيه، ولابد لنا في هذا المنهج من استخدام أدوات تصلح له، ومنهج المعتزلة في الغرب هو في عمومه منهج سائر مدارس المعتزلة في الجملة ولكن قد يكون هناك إختلاف في بعض التفاصيل هنا أو هناك. ومنهج المعتزلة في الغرب يعتمد على العقل فالكتاب فالرسول على النحو التالي:

[1] العقل

كلمة (العقل)هي اسم مشتق من فعل (عقل) والذي يعني في اللسان العربي معنى (الربط) ولذلك يقولون اعقلها وتوكل أي اربطها. والربط له ثلاثة أجزاء: الأول المربوط أو المراد ربطه. الثاني المربوط فيه أي الغاية التي ينتهي اليها المربوط. الثالث الرابط وهو وسيلة الربط بين اثنين أو أكثر. فالعقل اذا هو ربط بين أمرين هما ـ في مبحثنا هنا: (1) الكون المنظور الملموس المسموع من ناحية. (2) ومبدع أو موجد هذا الكون من الناحية الأخرى. هذا المنهج العقلي أي الربطي يسمى منهج النظر أو الاستدلال أي انطلاقا من الموجود نبحث عن الطرف الآخر وهو الموجد. العقل هو (أول) الأدلة على معرفة الله ـ والدليل هو ما يدل على شيئ أي يقود إليه ـ لأننا ننطلق من واقع ملموس لا ينكره أحد ـ سوى بعض المثاليين ـ وهو الكتاب الكوني المبين والذي يشكل الانسان جزئية صغيرة جدا فيه ونريد ربط هذا المحسوس بالموجد الذي أوجده. هل هذا الموجد هو الصدفة، هل هو المادة الأولى، هل هو موجد حي؟ وهكذا يحاول الانسان الوصول للطرف الآخر وهو الموجد. ان النظر العقلي يقودنا الى صفات هذا الموجد كونه موجود قادر عالم وهكذا وفي معرفة الصفات كفاية وغناء لمن أراد الشهود على وجود الخالق. ولكن لأن العقل غايته ـ كما أسلفت ـ هو الوصول للطرف الثاني لعملية العقل فانه يعجز عن ادراك ما وراء ذلك الطرف الثاني من أمور مثل مراده من الكون ومن ثم منا وهكذا، ولذا فاننا نحتاج الى دليل آخر لاستكمال المسيرة بعد أن أدى الدليل الأول ـ العقل ـ دوره بنجاح. العقل عند المعتزلة يقصد به إذا الربط بين المخلوق والخالق بمعنى الإستدلال على وجود الخالق انطلاقا من الموجودات الكونية. هذا العقل الإستدلالي يقود ـ بالإستدلال الصحيح ـ إلى: (1) اثبات وجود الخالق. (2) ما يجوز للخالق من صفات كالقدرة والعلم والحياة …الخ. (3) ما لا يجوز للخالق من صفات كالعجز والجهل والعلم. ولكن يعجز العقل عن الوصول لما وراء ذلك وهنا يأتي دور النقل بشقيه: الكتاب والرسول. فما هو الدليل الثاني؟

[2] الكتاب

الكتاب هو الشئ المكتوب أي الرسالة، وهو هنا: الرسالة الالهية. فان آخذت الرسالة صورة كتابية سميت كتابا، وإن تلي الكتاب سميت التلاوة قرآنا، وإن أحدث أثرا نفسيا في السامع سمي ذكرا، وإن أضاء للانسان الطريق سمي نورا، وإن قاده الى الصراط المستقيم سمي هاديا، وإن قام الانسان بتفعيله والاحتكام اليه كمقياس سمي فرقانا وهكذا. ولما كانت الصورة الأولى التي نزل بها كلام الله هي الكتابة فسوف استخدم لفظ الكتاب في هذا البحث للاشارة الى كلام الله، ذلك الكلام الموجود في المصحف بين الدفتين. الكتاب الشرعي المبين (الكتاب) هو امتداد للكتاب الكوني المبين والذي استدل العقل من خلاله على وجود الاله، واضافة عليه من حيث بيان مراد الله أو مصائر الناس مما يعجز العقل وحده عن الوصول اليه. وعند بحثنا للكتاب نلاحظ الأتي: (أولا) لايحتوي الكتاب على أي بهان عقلي على وجود الله. لماذا؟ لأن الاستدلال على وجود الله ليس من اختصاص الكتاب وانما من اختصاص العقل وحده بينما اكتفى الكتاب بالحث على التعقل والترغيب فيه أو بيان أن الله وحده هو الخالق، فينفي التعدد فقط ويترك للعقل مسألة اثبات الوجود. (ثانيا) الكتاب يحتاج للعقل حتى يثبت أنه من عند الله، فلو سألنا مثلا كتاب من هذا؟ لكانت الاجابة: كتاب الله. كلمة (كتاب) نكرة، بينما كلمة (الله) معرفة، والنكرة هي التي تحتاج الى معرفة وليس العكس ولذلك أضيفت الى معرفة، فـ (كتاب) مضاف، و (الله) مضاف اليه والمضاف هو الذي يحتاج الى المضاف اليه وليس العكس. أي أن الله يجب أن يكون معرفا لدينا قبل اضافة الكتاب اليه فكيف يكون ذلك؟ بالعقل ولذا فان العقل سابق على الكتاب من حيث ترتيب الأدلة. (ثالثا) ان طريقة فهم الكتاب تعتمد على خمسة أشياء: [العقل] هو أول الأدلة ولذا يجب مراعاة النتائج المتمخضة عنه عند فهم الكتاب مثل اثبات التوحيد والعدل العقليين ونفي التشبيه والتجسيم عن العزيز الحكيم وهكذا. [اللغة] المقصود بها لسان الكتاب وليس أي لسان آخر، ذلك اللسان الموصوف بأنه لسان عربي مبين. [الترتيل] هو تجميع الالفاظ المتشابهة لفهم الموضوع من خلالها مجتمعة فيما يعرف بالتفسير الموضوعي. [السياق] هو مراعاة الوحدة الموضوعية في هندستها الأفقية كما أن الترتيل هو مراعاة الوحدة الموضوعية في هندستها الرأسية. [المحكم] هو الأصل المتفق عليه وهو أم الكتاب بينما المتشابه هو الفرع الذي يقع فيه الاختلاف. فالواجب اذا رد الفرع الى الأصل وليس العكس.

هذا ـ في عجالة ـ عن الدليل الثاني وللإستزادة عن تصور منهج المعتزلة في الغرب لفهم الكتاب يمكن مراجعة الرابط التالي:

http://www.al-a7rar.net/forum/viewtopic.php?t=629

فماذا عن الدليل الثالث؟

[3] الرسول

العقل قادنا الى الله، فالله ـ بالعقل ـ أصبح معرفا لدينا. والكتاب عرفناه بعد معرفة الله، أما الرسول فلا نعرفه الا بعد معرفة الله ثم معرفة الكتاب حيث أن: العقل قادنا الى معرفة الله ومعرفة الله قادتنا الى الكتاب والكتاب قادنا الى الرسول. والرسول هو المتلقي للرسالة المأمور بتوصيلها وتأديتها بأمانة تامة للناس، ومن الطبيعي أن الرسول هو المحكوم والله ـ من خلال كتابه ـ هو الحاكم ومن ثم فلا يمكن للمحكوم مخالفة الحاكم. فكل ما جاء عن الرسول وكان مخالفا للعقل والكتاب فاعلم أن رسول الله منه برئ، وكل ما شممت فيه مسك النبوة وفاح منه عرف الرسالة فخذه وأنت قرير العين.

الدلالة القرآنية للفظ “السنة”
لفظ (سنة) هو لفظ مفرد أي يدل على واحد وجمعه هو لفظ (سنن). من الإستخدامات اللسانية الشائعة قولنا (سن القوانين) و (السنن الكونية) فإذا قابلنا بين الجملتين ظهر لنا أن لفظ (سنن) يدل على وجود (قوانين) بما تستدعيه هذه الكلمة من معاني الثبات والإستمرار والإضطراد والعموم والتجريد والإلزام وهكذا، فهل ذلك المفهوم هو نفس مفهوم السنة في القرآن؟ لنلتمس الإجابة من خلال ترتيل مادة (سنة) في الكتاب الحكيم:

[1] (قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) (آل عمران : 137)

لفظ (سنن) هنا هو فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة على آخره و أتى التنوين على آخره لأنه نكرة. وهو في حالة الجمع وليس الإفراد. لفظ (سنن) هنا يشير لأنساق حضارية دامت في مرحلة مضت ثم ولت وبقيت آثارها للإعتبار.

[2] (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (النساء : 26)

لفظ (سنن) هنا هو مفعول به ثاني، مضاف و (الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) مضاف إليه. والمقصود هنا هو هداية الله إيانا إلى الأنساق الحضارية والإيمانية للمؤمنين من قبلنا إشارة إلى وحدة الرسالة واستمرارها وأنها ثابتة لا تتغير.

[3] (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (المائدة : 45)

لفظ الـ (سن) هنا وان كان إشتقاقه يعود لمادة (س ن ن) بينما يعود لفظ الـ (سنة) إلى إشتقاق آخر هو (س ن ت) إلا أن الإشتقاق المشترك في حرفي (س) و (ن) قد يدل على معنى مشترك هو القطع فكما أن الأسنان هي قواطع الطعام فإن القوانين هي قواطع الأحكام أو الكونيات ففيهما الوضوح والظهور لا الستر والخفاء.

[4] (قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينِ) (الأنفال : 38)

لفظ (سنة) لفظ مفرد وهو هنا فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة على آخره، مضاف و (الأولين) مضاف إليه. سنة الأولين في هذا السياق هي أن النصر دائما للمؤمنين والخسران دائما للكافرين وهي سنة دائمة تمثل قانونا ثابتا.

[5] (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأَوَّلِينَ. وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ. كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ. لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ. وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاء فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ. لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ) (الحجر : 10 – 15)

لفظ (سنة) لفظ مفرد وهو هنا فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة على آخره، مضاف و (الأولين) مضاف إليه. سنة الأولين في هذا السياق هي دأب الكافرين على الإستهزاء برسل الله إليهم وهي سنة دائمة تمثل قانونا ثابتا.

[6] (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ) (الحجر : 26)

[7] (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ) (الحجر : 28)

[8] (قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ) (الحجر : 33)

ذكر المعجميون معنى خاطئا للفظ (مسنون) وهو (التغير) و ذلك على أساس الإشتقاق من قوله تعالى (فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ) (البقرة : 259) وهذا خطأ. هذا اللفظ يوحي بوجود نسق تركيبي ما لذلك الحمأ، نسق قاطع يميزه عن غيره من أنواع الحمأ الأخرى، يصح مع قطعه ذاك أن يوصف بأنه مسنون وهو مفعول بمعنى فاعل أي قاطع. وإن كان مشتقا من قوله (لم يتسنه) فأصله هو (سنة) بفتح السين والنون على النحو الذي سأذكره فيما بعد.

[9] (وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً. وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً. وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً. إِذَاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاة. وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا. وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً. سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً. أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) (الاسراء : 72 – 78)

قال تعالى (سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا) ثم قال بعدها مباشرة (وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً) للدلالة على أن السنة المضافة للرسل السابقين هي من الله تعالى وهي دائمة لا تتحول ولا تتبدل والمقصود بها إما قوله تعالى (وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً) أو قوله تعالى (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ…) أو الإثنان معا.

[10] (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلا) (الكهف : 55)

سنة الأولين هنا تعني كذلك سنة الله في الأولين وهي إهلاك الظالمين، وبناءا عليه يكون المقصود بقوله تعالى (أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلا) يوم القيامة.

[11] (مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا) (الأحزاب : 38)

(سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ) هي (مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ) وقوله تعالى (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا) يدل على الثبات والديمومة.

[12] (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا. لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلا. مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلا. سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا) (الأحزاب : 59 – 62)

(سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ) هي (لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلا) مثل قوله تعالى فيما سبق (وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً)، وقوله تعالى (وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا) دليل ثبات وديمومة تلك السنة الإلهية.

[13] (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُورًا. اسْتِكْبَارًا فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلا. أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا) (فاطر : 42 – 44)

بعد أن قال الله تعالى (سُنَّتَ الأَوَّلِينَ) قال كذلك (فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلا) للدلالة على أن سنة الأولين ما هي إلا سنة الله في الأولين وللدلالة على ثباتها، وقوله تعالى (وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلا) تأكيد لحقيقة ثبات وديمومة سنة الله.

[14] (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ. فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ) (غافر : 84 – 85)

(سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ) هي (فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا) وهي سنة مضطردة وثابتة.

[15] (وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا. وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا. وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا. سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا) (الفتح : 20 – 23)

(سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ) هي (وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا) وهي سنة ثابتة بقوله تعالى (وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا)

[16] (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ) (التين : 1 – 2)

جبل الطور موجود في سيناء وسميت سينين لشكلها المثلثي ذي الرأس المدبب كالسن القاطع.

[17] (وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (الأحقاف : 15)

السنة هي 365 وربع وهي نسق كوني محدد وثابت وقاطع يمثل قانونا مضطردا، ولذلك أطلق على ذلك النسق لفظ (سنة).

[18] (قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ) (الشعراء : 18)

لفظ (سنين) جمع للفظ (سنة) ويدل على ثلاث سنوات فأكثر.

[19] (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة : 259)

لفظ (تسنه) مشتق من (تسن)أي تغيره السنون، وعلى هذا يكون أصله هو اللفظ المفرد (سنة) والذي يدل على وحدة زمنية كونية قاطعة.

[20] (اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) (البقرة : 255)

السنة ـ بكسر السين ـ عند المخلوق هي الإغفاءة القصيرة والنوم هو النعاس الطويل. والسنة بهذا تمثل كذلك قانونا إلهيا عاما يحكم جميع مخلوقاته.

الخلاصة
لفظ (سنة) بجميع اشتقاقاته في القرآن يعود إلى أصل واحد فقط هو الأمر القاطع الذي لا يتبدل ولا يتحول والسنة تضاف عادة إلى الله الذي أمضى سنته في الأولين وأمضاها في الآخرين ويمضيها في كل مكان وحين. وعلى هذا الأساس فإننا (أولا) نعرف السنة على شرطنا بأنها الأفعال التي داوم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليها ونقلت عنه بالتواتر العملي جيلا بعد جيل. (ثانيا) نرى أن السنة تفيد العمل ولا تفيد العلم أي المعتقد. (ثالثا) نفرق بين ما ينسب للرسول صلى الله عليه وآله وسلم من فعل أو أثر أو خبر أو رواية على أساس قاعدة اللاتطابق المعنوي للألفاظ ونقول بأن الملزم هو فقط كل ما تواتر فعله عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الفروع العملية التي لها ذكر في الكتاب الحكيم وأن ما عدا ذلك فليس ـ عندنا ـ من السنة في شيئ إتباعا لمفهوم لفظ “السنة” في الكتاب على النحو الموضح أعلاه.

(خامسا)
الأصول

ذكر الامام أبو الحسين الخياط أنه لا يستحق أحد اسم الاعتزال الا اذا جمع الأصول الخمسة ثم ذكرها على النحو التالي:

[1] التوحيد

[2] العدل

[3] الوعد والوعيد

[4] المنزلة بين المنزلتين

[5] الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

وذكر الإمام القاسم الرسي رحمه الله الأصول الخمسة بالشكل التالي:

[1] الله سبحانه إله واحدٌ ليس كمثله شيء، بل هو خالق كل شيء، يدرك الأبصار ولا تدركه الأبصار وهو اللطيف الخبير.

[2] الله سبحانه عدل غير جائر، لا يكلف نفساً إلا وسعها، ولا يعذبها إلا بذنبها، لم يمنع أحداً من طاعته بل أمره بها، ولم يدخل أحداً في معصيته بل نهاه عنها.

[3] الله سبحانه صادق الوعد والوعيد، يجزي بمثقال ذرة خيراً، ويجزي بمثقال ذرة شراً، من صيَّره إلى الثواب فهو فيه أبداً خالد مخلد، كخلود مَن صَيَّره إلى العذاب الذي لا ينفد.

[4] القرآن المجيد فصل محكم، وصراط مستقيم لا خلاف فيه ولا اختلاف، وأن سنة رسول الله صلى الله عليه ما كان لها ذكر في القرآن ومعنى.

[5] التقلب بالأموال في التجارات والمكاسب في وقت ما تعطل فيه الأحكام، وينتهب ما جعل الله للأرامل والأيتام، والمكافيف والزُّمناء، وسائر الضفعاء، ليس من الحل والإطلاق كمثله في وقت ولاة العدل والإحسان، والقائمين بحدود الرحمن.

أما مدرسة التجديد في الفكر الإعتزالي فلا تقول بالإقتصار فقط على خمسة أصول بل تضيف أصلا سادسا هو: لا إكراه في الدين. فيما يلي أقدم تأصيلا قرآنيا لأصولنا الستة:

الأصل الأول: التوحيد

(وَإِلَـهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) (البقرة: 163)

(فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) (الشورى: 11)

(ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) (الأنعام: 102)

(لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الأنعام: 103)

أصل التوحيد ـ كما نفهمه ـ معناه التوحيد بين ذات الله جل وعلا وصفاته على أساس نفي المعاني القديمة الزائدة عن الذات لأن الله تعالى غني بذاته ولذاته ولا يفتقر إلى معنى زائد عن ذاته. أما الأحدية فمعناها الوحدة المطلقة للإله.

الأصل الثاني: العدل

(إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَـكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (يونس: 44)

(لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا) (البقرة: 286)

(مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (الاسراء: 15)

(إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل: 90)

أصل العدل ـ كما نفهمه ـ من معناه أن الله صادق لايكذب وأنه لا يكلف نفسا إلا وسعها وأنه عدل لا يجور وأنه لا يظهر المعجز على أيدي الكذابين وأنه بريء من أفعال العباد الإختيارية (الغير إضطرارية).

الأصل الثالث: المنزلة بين المنزلتين

أصل المنزلة بين المنزلتين يبحث قضيتين هما:

(1) تسمية مرتكب الكبيرة في الدنيا

(2) الجزاء الأخروي لمرتكب الكبيرة

ولكن قبل ذلك لابد من تقديم بعض الملاحظات.

ملاحظات

[1] ورد لفظ (كبائر) ـ جمع كبيرة ـ في الكتاب في ثلاثة مواضع هي:

(إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا) (النساء : 31)

(وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ) (الشورى : 37)

(الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ …) (النجم : 32)

[2] من خلال استنطاق الآيات الكريمة السابقة يمكن تعريف الكبائر بأنها (عظائم الآثام والفواحش) مثل قتل النفس بغير الحق، الظلم، الإفساد في الأرض، نهب أموال الآخرين، … وهذا. وكمقياس عملي للتعرف على الكبائر نلاحظ أنها ترتبط دائما بالوعيد أو بحد من الحدود.

[3] يجب أن نفرق بين مفهوم (فاعل الكبيرة) ومفهوم (مرتكب الكبيرة)، وأن المعتزلة لا تقصد بأصلها الثالث هذا إلا مرتكبي الكبائر أي المصرين على فعلها، المداومين لاقترافها، الغير منفكين عنها.

[4] من ارتكب كبيرة أو فعلها ثم تاب الى الله توبة نصوحا وأصلح قبل النزع يتوب الله عليه ويستحق حينئذ اسم الإيمان. المعتزلة إذا تقصد بأصلها الثالث مرتكبي الكبائر الذين ماتوا دون توبة وليس الذين تابوا وأنابوا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات:

(وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا. إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا. وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا) (الفرقان : 68 – 71)

تسمية مرتكب الكبيرة في الدنيا

انقسمت آراء أهل القبلة ازاء تسمية مرتكب الكبائر المصر عليها الى الآراء الآتية:

(1) الخوارج تسميه كافر

(2) المرجئة تسميه مؤمن عاصي

(3) الحسن يسميه منافق

(4) واصل يسميه فاسق

(5) مدرسة التجديد تسميه مسلم عاصي وفاسق انطلاقا من مبدأ عدم الترادف اللساني الذي تقول به.

حكم مرتكب الكبيرة في الآخرة
أوجب الله من خلال كتابه الحكيم الخلود في نار الآخرة للمسلم العاصي الذي يرتكب الكبائر، ويصر عليها، إن مات دونما توبة، وذلك من خلال عدة آيات قرآنية، منها:

[1] (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة : 275)

[2] (يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيما. وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ. تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ) (النساء : 11 – 14)

[3] (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللّهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا. وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) (النساء : 92 – 94)

حكم الله تعالى من خلال كتابه العزيز إذا على عصاة المسلمين من مرتكبي الكبائر المصرين عليها بالخلود الأخروي في نار جهنم وبالعذاب الشديد. وجعل الخلاص الوحيد لهم من ذلك المصير المظلم توبتهم توبة نصوحا وانابتهم الى الله وعمل الصالحات قبل مماتهم.

الأصل الرابع: صدق الوعد والوعيد

(وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً) (النساء : 122)

(وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (الروم: 6)

(إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ) (الذاريات: 5)

(قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ. مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ) (ق : 28 – 29)

الله صادق لا يكذب، وعد وتوعد، وعد المؤمنين بالفوز والثواب، وتوعد الكافرين بالخسر والعقاب، والله صادق في وعده وصادق في وعيده.

الأصل الخامس: وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الأصل السياسي عند المعتزلة. واذ يتفق المسلمون جميعا على وجوب هذا الأصل الا أنهم يختلفون حول طريقة وآليات تطبيقه على النحو التالي:

من المسلمين من يقول بأنه مجرد واجب كفائي (فرض كفاية) وليس واجبا عينيا (فرض عين).

ومنهم من اقتصر في تطبيقه بالقلب أو القول.

ومنهم من اقتصر في تطبيقه باليد أي القوة.

ومنهم من قال بضرورة تطبيقه على المحكومين دون الحاكمين.

ومنهم من قال بجواز تطبيقه على الحكام ولكن بالقلب والقول فقط دون اليد.

وهكذا نرى أن المسلمين وان أقروا بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الا انهم اختلفوا اختلافا شديدا في التفاصيل.

العقل و الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
العقل يقطع بحسن المعروف و قبح المنكر ومن ثم حسن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولما كانت الحياة الانسانية في غيابهما مستحيلة و تؤدي لفوضى عارمة وفساد عريض و عميق حكم العقل بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

القرآن و الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
قال الله تعالى في الكتاب العزيز:

(وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران: 104)

(كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) (آل عمران: 110)

(وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة: 71)

(التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) (التوبة: 112)

(الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ) (الحج: 41).

الرسول و الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

(إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه) (صحيح / صحيح الترمذي / 1761 / الألباني)

(سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، و رجل قام إلى إمام جائر فأمره و نهاه فقتله) (صحيح / السلسلة الصحيحة / 374 / الألباني)

(والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر وليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه فتدعونه فلا يستجيب لكم) (حسن / صحيح الترمذي / 1762 / الألباني)

ملاحظات
[1] الأدلة الرئيسية عند المعتزلة ثلاث: العقل فالكتاب فالرسول، والأدلة الثلاث توجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتحض عليه ولذا فهو عند المعتزلة ليس مجرد واجب كغيره من الواجبات وانما أصل من الأصول.

[2] الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على جميع أفراد الأمة الاسلامية

[4] الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للحاكمين والمحكومين معا

[5] الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقتصر على القلب والقول وانما اليد أي القوة كذلك

[6] مراعاة التدرج في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: القول ثم الفعل، والفعل، والقلب يصاحب كلا منهما

الأصل السادس: لا اكراه في الدين

(لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (البقرة : 256)

(وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ) (يونس : 99)

(وَإِن تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ) (العنكبوت : 18)

[3] نظرة المعتزلة المعاصرة إلى التيارات الإسلامية الراهنة

تعريف موجز بأهم التيارات الإسلامية العقدية
أعني بالتيارات الإسلامية العقدية ما يلي: السلفية و الأشاعرة والصوفية والإمامية والإباضية والزيدية. السلفيون هم الذين يعتقدون أنهم يسيرون على ما سار عليه السلف الصالح. أما معرفتهم بسير الأسلاف إنما تتم على أساس المرويات والآثار، ويتسمون بمسمى أهل السنة والجماعة ومن رموزهم الفكرية القديمة أحمد بن حنبل وأحمد بن تيمية وابن قيم الجوزية وغيرهم، ومن رموزهم المعاصرة محمد بن صالح بن عثيمين و محمد ناصر الدين الألباني وابن باز وغيرهم. الصفة المميزة لهذا التيار أنه يميل إلى التجسيم. الأشاعرة هم أتباع أبي الحسن الأشعري الذي زعموا أنه كان معتزليا بصريا ثم رجع عن الإعتزال وأسس مذهبا عرف بإسمه، وهم يتسمون كذلك بأهل السنة والجماعة ومن رموزهم أبو حامد الغزالي، الباقلاني، أبو المعالي الجويني و غيرهم. وفكرهم هو الفكر الذي تقوم عليه مؤسسات تعليمية كبرى في العالم الإسلامي كجامعة القرويين بفاس المغرب الأقصى والقيروان بتونس و الأزهر بمصر أما المذهب السائد في تركيا جوار الأشاعرة فهو المذهب الماتريدي المنسوب لأبي منصور الماتريدي وهو مذهب قريب جدا من المذهب الأشعري. الصفة المميزة للتيار الأشعري ـ الماتريدي هي أنه يميل إلى الجبر. أما الصوفية ومن رموزهم الحارث المحاسبي وأبو الحسن الشاذلي وأحمد الرفاعي وإبراهيم الدسوقي و الجيلاني والبدوي وغيرهم فقد جمعوا بين تجسيم السلفية و جبر الأشعرية. الإمامية الإثنى عشرية هو ذلك التيار الشيعي المنتسب للإمام جعفر بن محمد. يقول أصحاب هذا التيار بالنص الجلي على إمامة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وبعصمة الأئمة عصمة تكوينية، وبعدد محدد من الأئمة هم علي بن أبي طالب فالحسن بن علي فالحسين بن علي فعلي بن الحسين فمحمد بن علي فجعفر بن محمد فموسى بن جعفر فعلي بن موسى فمحمد بن علي فعلي بن محمد فالحسن بن علي فمحمد بن الحسن الغائب منذ 12 قرن من الزمان والمنتظر خروجه عندهم بشخصه وعينه. اذا تركنا قضايا الوصية والعصمة والمهدوية وغير ذلك جانبا فسنجد هذا التيار يقول بالتوحيد والعدل في الجملة. الإباضية في عصرنا ـ عمان وبعض مناطق شمال أفريقيا ـ هم ورثة الخوارج، مرشدهم هو أحمد الخليلي مفتي عمان، إتفقوا مع المعتزلة في التوحيد وبعض قضايا العدل إلا أنهم يميلون للجبر. أما الزيدية فهم المنتسبون للإمام الشهيد زيد بن علي بن الحسين السبط ومن رموزهم في الماضي القاسم الرسي والهادي يحي بن الحسين والناصر الأطروش والمهدي أحمد بن يحيى بن المرتضى ومن رموزهم المعاصرة مجد الدين المؤيدي وبدر الدين الحوثي ومحمد بن محمد المنصور وغيرهم. الزيدية هم أقرب المدارس الإسلامية للمعتزلة لقولهم بأصول المعتزلة ـ التاريخية ـ الخمسة وإن زادوا أصلا سادسا هو الإمامة . والزيدية تختلف عن المعتزلة المعاصرة في قولهم بالعلم السابق ـ الأزلي ـ لا السائق، بينما المعتزلة المعاصرة لا تقول بالعلم الأزلي لعدم ورود هذا اللفظ في القرآن بل تقول بالعلم الإحاطي وغير ذلك من دقيق الكلام.

نظرة المعتزلة المعاصرة إلى التيارات الإسلامية العقدية
المبدأ العام الذي تسير عليه المعتزلة في الغرب هو مبدأ التجديد والتطوير في الفكر وفق أساس منهجي رصين، وهذا المبدأ يحكم علاقتنا بالآخرين: الإتجاه الذي يقوم على منهج واضح ويقدم فكرا معاصرا يسهم في النهضة الحضارية للمسلمين سيكون بلا شك موضع تقدير وترحيب من ناحيتنا. بينما الإتجاه الذي يقدم نفسه ـ بلسان الحال قبل لسان المقال ـ على أنه مذهب أو طائفة أو فرقة تقوم على التقليد للسابقين والإنقياد لقبور أفكارهم وتقديس أشخاصهم فلن يكون أبدا موضعا لترحيبنا ولا اهتمامنا. وليس لهم منا سوى الإخوة العامة في الدين أما على مستوى الفكر فلا نجد فيهم شريكا فكريا. وهذا المبدأ ينسحب على الأشخاص أفرادا أو جماعات كما ينطبق على الأفكار فكل دعوة لطائفية أو مذهبية أو عنصرية أو تاريخانية أو مشيخية فلن تقابل إلا بالرفض ثم الإعراض.

نظرة المعتزلة المعاصرة إلى التيارات الإسلامية السياسية
سواء كانت تيارات حزبية أو سياسية أو جمعوية كتيار حزب الله والإخوان المسلمين وحزب التحرير والمشاريع (الأحباش) والقرآنيين وغير ذلك فينسحب عليهم ما ينسحب على المذاهب العقدية السالفة الذكر، فمن يقدم فكرا حضاريا جديدا منهم فسيكون موضع ترحيب ومن يقوم منهم على أساس مذهبي أو طائفي أو شعوبي أو تقليدي أو مشيخي فلا أهمية له عندنا مع احترامنا لجميع المسلمين احتراما انسانيا واسلاميا يليق بالإنسان المسلم مهما كان فكره.

العدل والتوحيد
تيار فكري إسلامي مدني اصلاحي شامل يستلهم المنهج المعاصر للفكر الإعتزالي كبرنامج عمل

[1] تيار
طاقة تسري داخل المجتمع. أي أن هناك كيان فعلي للعدل والتوحيد يمثل حركة داخل المجتمع المسلم. فخرج بذلك عن كونه جماعة لها ميثاق إداري أو تنظيما له بناءه التركيبي أو أي تجمع آخر يقوم على مبدأ هرمي أو غير هرمي.

[2] فكري
هذا التيار يهتم بالتفاعل الفكري داخل المجتمع، ذلك التفاعل المؤسس للعمل النافع فخرج بذلك عن كونه تيار سياسي أو إجتماعي أو إقتصادي وخرج كذلك عن كونه تيار فكري ترفي أو غير مؤسس لعمل منتج.

[3] إسلامي
تيار إسلامي خالص ينطلق من البلاغ المبين ـ القرآن الكريم ـ وسنة رسول الله للعالمين محمد بن عبد الله النبي الأمين صلى الله عليه وآله الأطهار الميامين. فخرج بذلك عن كونه تيار لاديني أو لا اسلامي أو علماني أو تغريبي أو يساري أو قومي أو قطري أو غير ذلك من التيارات.

[4] مدني
تيار مدني أي ينطلق من مجتمع السلم ويعتبر جزءا من مؤسسات المجتمع المدني المعاصر فخرج بذلك عن كونه تيارا عسكريا أو بوليسيا أو تحتيا كما خرج كذلك عن كونه تيارا ثيوقراطيا يقوم على فلا يقوم على أي مبدأ كهنوتي ديني يعتبر نفسه رقيبا على قلوب الناس أو يعتبر نفسه حاملا لصكوك الغفران والحرمان.

[5] اصلاحي
تيار يسعى للإصلاح والصلح والمصالحة من أجل تقوييم إعوجاج حدث في أوجه الفكر الإسلامي خلال التاريخ الإسلامي مما لا علاقة له بمصادر الإسلام بطبيعة الحال ولكن بالفهم الغير مستقيم لتلك المصادر.

[6] شامل
تيار شامل بشمول الإسلام فلا يهتم فقط بأمور الدين على حساب أمور الدنيا، ولا يستغرق فقط في العبادات على حساب المعاملات بل يشمل كل هذه الجوانب: الدين إيمانا وشريعة وأخلاقا والدنيا بناءا وعمارة وتطورا.

[7] يستلهم المنهج المعاصر للفكر الإعتزالي كبرنامج عمل
المعتزلة منهج لفهم الإسلام وتطبيقاته وهو منهج أصيل تنبع أصالته من أصالة الإسلام الذي تولد ذلك المنهج من رحمه. وطبيعي أنني حينما أتحدث عن المعتزلة فأنا أقصد المعتزلة المعاصرة الكائنة في القرن الخامس عشر الهجري / الواحد والعشرين الميلاد وليس المعتزلة التاريخية والتي لاوجود لها الآن لأننا لا نحيا في قرون مضت وإنما نحيا في عصر يعاش.

أطرالرؤية السياسية لحركات إسلامية معاصرة

يمكن تقسيم الجماعات المعاصرة ذات التوجه الإسلامي حسب منهجها السياسي إزاء قضية المشاركة السياسية إلى ثلاثة أقسام:

[1] اليمين الإسلامي
ويشمل كافة القوى الإسلامية المشاركة في العمل السياسي في الدول المسلمة سواء كان عملا تنفيذيا كتولي الحقائب الوزارية أو عملا تشريعيا كالعضوية في المجالس التشريعية. أمثلة لهذه القوى نجدها في: جماعة الإخوان المسلمين في مصر والأردن وغيرهما / حزب العدالة والتنمية / حركة الإصلاح والتجديد في المغرب الأقصى / حركة مجتمع السلم وغيرها في الجزائر وغير ذلك من القوى ذات التوجه الإسلامي المشاركة سياسيا تحت غطاء من حكم جائر أو علماني أو قمعي أو غير ذلك.

[2] اليسار الإسلامي
ويشمل كافة القوى ذات الشعارات الإسلامية والتوجه نحو العنف بشتى صوره والسمة الغالبة لهذه القوى أنها ذات توجه سني سلفي ويطلق الكثير من المسميات كالسلفية الجهادية و الجهاد والجماعات المسلحة. لا تشارك هذه الجماعات في العمل السياسي كجماعات اليمين بل انها تحرم ذلك بدعوى كفر الحاكم أو النظام أو المجتمع كله أو بعضه.

[3] الوسط الإسلامي
ويشمل كافة القوى الإسلامية التي ترفض التوجهين السابقين معا فهي ترفض مبدأ المشاركة السياسية التنفيذية والتشريعية تحت سقف الحكم الجائر كما أنها ترفض مبدأ العنف والذي يهلك الأخضر واليابس و يعيث في الأرض الإرهاب والإفساد بل تكتفي بمقعد المقاومة السياسية السلمية أو العصيان المدني ومن أمثلة ذلك التوجه جماعة العدل والإحسان في المغرب وهي ذات توجه سني أشعري صوفي. وقريب من ذلك التوجه كذلك حركة النهضة في تونس في الثمانينات.

ملاحظة:
لم أذكر الحركات الإسلامية في فلسطين ولبنان والعراق لخصوصية تلك البلدان واختلاف المعطيات السياسية فيها عن سائر البلدان الإسلامية الغير محتلة إحتلال عسكري مباشر.

موقف تيار العدل والتوحيد من بعض القضايا السياسية

أولا: قضية التكفير
الإيمان والكفر في الأساس من أعمال القلوب التي لا يطلع عليها إلا الباري جل وعلا ولا يمكن لأي مخلوق الحكم على قلب إنسان ما بأنه مؤمن أو كافر إلا من خلال ما يصرح به الإنسان نفسه مع وجود قرائن من أعمال الجوارح للإثبات أو النفي. فمن قال أنه مؤمن بالله ولم يصدر عنه كفر بواح سواء بالقول أو بالفعل فلا يمكن لأحد أن يخرجه من دائرة الإيمان. ومن قال أنه مسلم أو مؤمن ولكن صدرت منه أعمال فسق كالمداومة على فعل الكبائر حكم عليه بأنه مسلم فاسق أو مسلم عاصي ولكن لا يلحقه إسم الكفر أبدا ولا اسم الإيمان كذلك. ومن قال أنه مسلم أو مؤمن ولكن صدرت منه أعمال كفر كالإعلان بذلك أو سب الله تعالى أو غير ذلك حكم عليه بأنه كافر.

ثانيا: قضية حد الردة
القول بحد الردة ينافي القرآن الكريم والذي ينص على مبدأ حرية الإعتقاد كقوله تعالى:

(لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (البقرة : 256)

(وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ) (يونس : 99)

فللإنسان مطلق الحرية في أن ينضم لجماعة المؤمنين بإرادة حرة أو ينضم لجماعة الكافرين بإرادة حرة فإن إختار الكفر فلا عقوبة له في الدنيا وعقوبته عند الله في الآخرة ـ إن مات على الكفر ـ هي الخلود في النار

(وَعَدَ اللَّه الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ) (التوبة : 68)

ثالثا: قضية العنف
يرفض تيار العدل والتوحيد بشدة العنف السياسي الفئوي ويعتبره وسيلة غير شرعية للعمل السياسي الذي يقوم في الأصل على المراضاة بين الحاكم والمحكوم فإن أخل الحاكم بذلك العقد وجب على الأمة طرحه واستبداله بغيره بالطرق السلمية و المؤسسية. إن المسؤل الحقيقي عن تيار العنف السياسي هو الحاكم بحيفه وجوره أولا وبعدم تسهيله تداول السلطة تداولا حقيقيا ثانيا. إننا نعارض كافة الأفكار التي تعتمد السرية والتسليح والعنف كآلية للتغيير السياسي إلا أننا نعارض وبنفس الدرجة إستئثار الحاكم بالسلطة وعدم تدويرها وتدويلها في الأمة.

رابعا: قضية المشاركة السياسية
وإذ نرفض كافة صور العنف كوسيلة من وسائل التغيير السياسي في المجتمع المدني المعاصر فإننا نرفض كذلك كافة صور المشاركة السياسية التنفيذية والتشريعية المنعقدة تحت لواء السلطان الجائر لكون المشاركة بمثابة إعتراف ضمني بالنظام الظالم ومن ثم تسويغ مزيد من الظلم هذا أولا ولعدم جدوائية المشاركة في هذه الحالة في إحداث إصلاح حقيقي في المجتمع إلا ما يمن به النظام المتسلط من صور لإصلاحات صورية. وإذ نرفض كافة أشكال العمل السياسي إلا أننا نرحب بصور أخرى للعمل العام في الحقول القضائية والإدارية والتعليمية وكذلك كل عمل عام لا يندرج تحت بند السياسة تنفيذيا أو تشريعيا.

إن تيار العدل والتوحيد لا يكفر أحدا من أهل القبلة إلا من كفر هو نفسه بالإعلان الصريح، ومع ذلك فهو لا يرى إقامة أي حد عليه لكون ذلك مما لا يصح عندنا بشهادة القرآن. ولا يفسق أحدا من أهل القبلة إلا مرتكبي الكبائر المصرين عليها وأعظمها الكبائر السياسية كالخيانة العظمى وخيانة العهود والمواثيق ونهب أموال الشعوب وسائر الكبائر السياسية والمالية ، ونرى اسقاطهم سياسيا عن طريق المقاومة السلمية والعصيان المدني وليس بطريق العنف المسلح والعشوائي.

خامسا: القومات التاريخية
وإذ يعتمد تيار العدل والتوحيد المعاصر آلية المقاومة السلمية والعصيان المدني الجزئي أو الكلي في مواجهة الحاكم المسلم الفاسق يثور تساؤل عن مدى مخالفة ذلك لما فعله قادة العدل والتوحيد الأول كالإمام الحسين بن علي والإمام زيد بن علي والإمام محمد ذو النفس الزكية وأخوه إبراهيم بن عبد الله أو غيرهم من قادة العدل والتوحيد التاريخيين رضوان الله عليهم حيث تبنوا وسيلة الخروج المسلح فأجيب قائلا: إن هؤلاء الأئمة العظام كانوا أبناء عصرهم وكانت الثقافة السياسية السائدة في ذلك العصر تعتمد على التغيير العسكري علاوة على ما كانت تمثله قوماتهم من ثورات شعبية كانوا في طليعتها وليس حركات فردية من عمل مسلح. ونحن أبناء عصرنا حيث تسود ثقافة سياسية إن كانت تسمح بالثورات الشعبية التحررية في الحالات الإستثنائية إلا أنها تسمح فقط بالعمل السياسي المؤسسي والمدني ولذا فلا تعارض إطلاقا بين موقفنا في القرن الخامس عشر الهجري وموقف قادتنا في القرون الهجرية الأولى حيث أن المبدأ واحد وهو الوقوف ضد الجور وبناء صرح الحرية والعدل وفق الآلية المتاحة والمعترف بها في العصر المعني.

وحينما نقرأ قول الله تعالى:

(كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) (آل عمران: 110)

نلاحظ العلاقة الوثيقة بين الخيرية من ناحية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من ناحية ثانية والإيمان بالله من ناحية ثالثة إلا أن الآية الشريفة لم تحدد الوسيلة التي يتم بها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أي أنها رسمت المبدأ العام ثم تركت لنا إختيار الوسيلة الملائمة والتي تتغير مكانا وزمانا وحالا وعرفا وغير ذلك. هذه الوسيلة ـ في تصورنا ـ ليست العنف من ناحية ولا المشاركة تحت إمرة الظالم من ناحية أخرى وإنما المقاومة السلمية والعصيان المدني والضرورة تقدر بقدرها.

العدل والتوحيد و تيارات إسلامية أخرى

العدل والتوحيد / العدل والإحسان
يتقارب التياران في موقفيهما سياسيا إذ يرفض كل منهما مبدأ العنف وكذلك المشاركة السياسية بشتى صورها ويلزم كل منهما الوسط الإسلامي إلا أنهما يختلفان فيما عدا ذلك إختلافا جذريا يتمثل في أن هوية جماعة العدل والإحسان (المغرب الأقصى) الفكرية هي الهوية السنية الأشعرية الصوفية بينما تيار العدل والتوحيد هو تيار اعتزالي يرفض الطروحات الفكرية لمن يتسمى بأهل السنة والأشاعرة والمتصوفة.

العدل والتوحيد / الإخوان المسلمون
إضافة لكون جماعة الإخوان المسلمين ذات هوية سنية ـ سلفية حينا وأشعرية حينا ـ فهي جماعة تنتمي سياسيا لتيار اليمين الإسلامي وهو تيار يخالف تصورنا السياسي على النحو الموضح أعلاه بينما تيار العدل والتوحيد إضافة لنزعته الإعتزالية فهو يلتزم سياسيا بمبدأ الوسط الإسلامي على النحو المذكور كذلك.

العدل والتوحيد / حزب الله
حزب الله اللبناني هو أشرف التيارات السياسية الشيعية المعاصرة استمد شرفه من مواقفه المبدأية النبيلة ودفاعه البطولي عن حماه ضد أعداء الإنسانية الصهيوصليبيين وسطر بدماء شهداءه سطورا من نور. خصوصية الوضع في لبنان تحتم عليه فعل ما فعل وما يفعل ولا يؤخذ عليه سوى موقفه الضعيف من زعيم المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق المغتال محمد باقر الحكيم والذي دخل العراق في ظل إحتلال عسكري أمريكي ليس لجهادهم ولكن لمهادنتهم كما يلاحظ ذلك كل من قرأ وسمع خطبه وتصريحاته. قد تغفر الأيادي البيضاء لحزب الله موقفه المتخاذل تجاه إحتلال العراق.

تيار العدل والتوحيد والسياسة في الغرب

بالرغم من إقامة ملايين المسلمين في الغرب إلا أنهم يمثلون أقلية دينية قد لا تزيد عن 4 – 7 % فدول المهجر الغربية يدين أهلها بالمسيحية. إضافة إلى هذا البعد يوجد بعد أخر لابد من الإستناد عليه في التحليل وهو البعد الديموقراطي. بالرغم من كل الإنتقادات التي توجه لدول الغرب إلا أنه لابد من الإقرار بوجود مساحة من الحرية الفكرية والسياسية والعدالة القانونية والإجتماعية تفوق مثيلتها في دول الشرق الإسلامي.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المائدة : 8)

المسلمون كأقلية دينية تعيش في مجتمع مسيحي يفرض عليهم أن ينحوا بسياستهم الشرعية نحو فقه الأقليات وهو الفقه الذي يشكل الإمتداد الطبيعي لفقه الإغتراب بعد ترسخ الوجود المسلم في الغرب. والمناخ القائم على العدل في دول الغرب يجعلهم متعاطين للعمل السياسي طوعا سواء من خلال مؤسسات المجتمع المدني أو الأحزاب السياسية أو العمل البرلماني على مستوى الولايات أو الإتحاد أو حتى العمل التنفيذي. تيار العدل والتوحيد يشجع هذا التوجه ويمارسه فعلا.

لا للمشاركة السياسية في الشرق ونعم للمشاركة السياسية في الغرب؟
دول الشرق الإسلامي محكومة بنظم قمعية شمولية يترعرع فيها الفساد بشتى صوره، والحكام لا نية حقيقية لديهم في التغيير وإلا لغيروا منذ فترة طويلة. أي عمل سياسي في ظل تلك الأوضاع المتردية لن يجلب خيرا للعباد وسيزيد من إحكام الجائرين لقبضتهم على البلاد. العقل المجرد يقطع بأن المستضعف لن يحصل إلا على ما يلقه المتجبر له من فتات، والتجربة العملية تثبت تلك الحقيقة ولذلك فإن تيار العدل والتوحيد يرفض تماما مبدأ العمل السياسي في الدول الظالمة ويدعو الشعوب للمقاومة السلمية والعصيان المدني والتقشف والمقاطعة الإقتصادية والثقافية للمؤسسات التي يسيطر عليها الحاكم الجائر والضرورة تقدر بقدرها. على الناحية الأخرى نجد أن المجتمعات الغربية أقرب فعلا لروح الإسلام على الأقل في جانب المعاملات وصدق الأستاذ الإمام رحمه الله حينما قال “يوجد في الشرق مسلمون بلا إسلام ويوجد في الغرب إسلام بلا مسلمين” وهو كلام صحيح إلى حد كبير. وجود الحكم العادل القائم على المؤسسات لا الشخصنات ووضعية المسلمين كأقلية يقودانهم قودا للنهل من معين العمل السياسي.

جمعية الحوار الإسلامي
جمعية الحوار الإسلامي هي كيان قانوني مؤسسي إسلامي إعتزالي يمثل إلى جوار جمعيات أخرى المسلمين في الغرب ويسعى جاهدا لتحقيق مكاسب للمسلمين المقيمين بالغرب. الحوار الإسلامي تفتح ذراعيها لكل أشكال وصور الحوار البناء مع مؤسسات المجتمع الغربي بدءا من رجل الشارع وانتهاءا بالدولة مرورا على فعاليات المجتمع المدني جميعها. وإذ تعمل الجمعية من أجل الإسلام وتحمل هم الأمة الإسلامية وتسعى جاهدة لحوار حقيقي مع الغرب لتحقيق مكاسب سياسية وثقافية ومادية للمسلمين نجدها تحارب للأسف الشديد من أهل الضلال القديم من المتسننين والمتشيعين على حد سواء بهدف التضييق عليها وما ذاك إلا بسبب توجهها الإعتزالي المخالف للتوجه العام السائد في المجتمعات الإسلامية، ذلك التوجه التقليدي الذي هوى بسفينة الإسلام إلى سواء الجحيم: انظروا لمعتقد أولي الأمر الأشاوس الذين يحكمون الدول الإسلامية ومن شايعهم من مؤسسات الكهنوت ممن ينطبق عليهم قول القائل:

أسد علي وفي الحروب نعامة ***** فتخاء تفر من صفير الصافر

أوليس أولئك من سدنة المعبد السلفي أو الأشعري أو الصوفي؟ ما هو المذهب العقدي السائد في أم القرى والأزهر والقرويين والقيروان وقسنطينة؟ أليس المذهب السلفي أو الأشعري؟ وهل هم يحكمون رقابنا فقط من قريب أم من دهر بعيد؟ هل كان الأمويون الجبريون معتزلة؟ أم كان العباسيون الطغاة من العدلية؟ أم أن العثمانيين المتصوفين من أهل التنزيه؟ من غير السلفية والأشعرية والماتريدية والصوفية ومن غير أهل الجبر والتجسيم وعبدة الشيطان الخصيم قاد الأمة الإسلامية ويقودها فلم يكتفوا بإغراقها في محيط التخلف وإنما لن يهدأ بالهم إلا بعد دفنها في قاعه وتحت ركام طميه وربما أوصلوها لمركز الأرض ليصهروا صهرا أبديا يفنيها حتى تقر أعينهم السملة وتفرح عقولهم الثملة. إن جمعية الحوار الإسلامي تسير قدما للأمام ولا تعنى بأي نابح هنا أو كاشح هناك

لو أن كل نابح ألقمته حجرا ***** لصار الصخر مثقالا بدينار

فإذا كانت الجمعية تتحلى حقا بإخلاص العمل لله فلن يعنيها إلا أن تواصل القافلة سيرها الحثيث.

من مشاكل المسلمين في الغرب
من أهم المشاكل المطروحة على موائد الحوار المشاكل التالية:

– صورة الإسلام السيئة في وسائل الإعلام الموجهة

– الربط التلقائي بين الإسلام والإرهاب

– مشاكل الإندماج اللغوية والثقافية والإجتماعية

– المشاكل التي تواجه المرأة المحجبة التي تبحث عن عمل

– التأخر المدرسي لأبناء المهاجرين وضعف فرص مواصلتهم التعليم

– الشباب المسلم والجريمة المنظمة والعشوائية

– تغسيل ودفن الموتى وعدم وجود مقابر للمسلمين

– التذكية الشرعية (الذبح) للبهائم والأنعام والدواجن

– حصص البيولوجيا و عقيدة التطور والداروينية

– حصص التربية الجنسية وتشريح وظائف الأعضاء الجنسية

– حصص السباحة وقضية الزي الشرعي

– الخداع الذي يمارسه الكثير من المسلمين لتلقي أموال غير شرعية / نظريتا الإحتطاب و الإستحلال

– الأئمة الذين يدعون للعنف في المساجد

– مشكلة خطبة الجمعة والصلاة باللغة العربية

وغير ذلك من المشاكل بل الإشكاليات المطروحة على جدول أعمالنا.

والمشكلة أن كثير من المسلمين يثير مشاكل وهمية هو ونحن في غنى عنها كمشكلة حصة البيولوجي أو التربية الجنسية فالمدرسة لن تتخلى عن برامجها من أجل سواد عيون المسلمين وتواجه المسلمين بالتالي بأحد خيارين: إما إنتظام الأبناء في حضور الحصص وإما الطرد من المدرسة. من أجل العمل لإيجاد حلول ناجعة تقوم الجمعية بالإتصال بالصحافة والمؤسسات السياسية والإدارية والتعليمية لعرض وجهة نظرنا و النقاش حول مطالبنا وهكذا.

جماعات الضغط المسلمة
برغم وجود ملايين المسلمين في الغرب و آلاف الجمعيات العاملة إلا أنهم فشلوا في إيجاد جماعات فوقية على غرار جماعات الضغط من المنتمين لأديان أخرى بسبب إجترار مسلمي الغرب لمشاكل بلدانهم وأنماطهم التربوية التي نشأوا عليها اجترارها إلى مجتمعاتهم الجديدة دونما أدنى محاولة للتكيف مع تلك المجتمعات في الأمور التي لا تتقاطع مع ثوابتنا ولكن للأسف الشديد أسر العادات عند الكثير أقوى من صريح العبادات.

الأمل الوليد
لا نريد أن نحمل المسلمين البسطاء الذين وفدوا إلى الغرب في أوائل الخمسينات مسؤلية ذلك الإنهيار، فماذا يفعل العامل المسكين النصف متعلم أو الأمي مع أفراد المجتمع المتقدمي التعليم؟ إننا نكلفه ما لا طاقة له به فحسبه أن حافظ على دينه ويجاهد لتربية أبناءه: الأمل الوليد. إنهم الأبناء أولادا وبناتا من أفراد الجيل الثاني والثالث الذين يجاهدون أنفسهم واقفين بين ثقافتين مختلفتين فأصبح منهم الأطباء والمهندسون والمحامون والأساتذة والباحثون ورجال الأعمال وهم بفضل الله يرتقون عاما بعد عام فلعل الله تعالى يجري الخير على أيديهم ويجعلهم بلطفه سببا من أسباب التقدم المنشود والخير المحمود والأمل المعقود.

تحياتي للجميع

والسلام

الحسيني

Published in: on ديسمبر 27, 2006 at 8:15 م  اكتب تعليقُا  

The URI to TrackBack this entry is: https://alhousseiny.wordpress.com/2006/12/27/%d9%85%d8%af%d8%b1%d8%b3%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%83%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b9%d8%aa%d8%b2%d8%a7%d9%84%d9%8a/trackback/

RSS feed for comments on this post.

أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: