غلبت الروم

تدبر في قول الله تعالى
(الم. غُلِبَتِ الرُّومُ. فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ. فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ. بِنَصْرِ اللَّهِ
يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ. وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ. يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) (الروم : 1 – 7)

[1] (غُلِبَتِ الرُّومُ…)
المعنى المقصود هو قهرت الروم أي هزمت وخسرت. غلب فعل ماضي لم يسم فاعله، والتاء للتأنيث، و الروم نائب فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره. ما هو جنس كلمة “الروم”؟ وجود التاء الدالة على التأنيث يدل على أنها إما مفرد مؤنث أو جمع مؤنث. كيف؟ لنأخذ كلمتي (الذكر / الذكور) وكلمتي (الأنثى / الإناث) وندخل عليهم فعلا لم يسم فاعله مثل (شوهد) فنكون إزاء التراكيب الآتية: (1) شوهد الذكر. (2) شوهد (الذكور). (3) شوهدت الأنثى. (4) شوهدت الإناث. أي أن تاء التأنيث لا تتصل بالفعل إلا إذا كان الفاعل أو نائبه يدل على التأنيث وعلى هذا تكون كلمة “الروم” مثل كلمة “العرب” دالة على مؤنث مفرد ـ وهو الأقوى ـ أو مؤنث جمع. ولهذا التحليل اللساني أهميته التي ستتضح بجلاء بعد قليل.

[2] (وَهُم…)
على من يعود هذا الضمير؟ من المعلوم أن هذا الضمير يستخدم مع جمع المذكر الغائب فعلى من يعود؟ إننا اتفقنا على أن كلمة “الروم” تدل على المؤنث المفرد ومن ثم فلا يعود الضمير “هم” على “الروم” ولكن يعود على شيئ آخر سنعرفه بعد قليل.

[3] (مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ…)
نفهم من هذا المقطع أن هؤلاء الغائبين المشار إليهم بالضمير “هم” قد مروا بمرحلة قهر وهزيمة ولذا يقول المولى سبحانه أنهم كما قهروا ـ بكسر الهاء ـ فإنهم سيقهرون خلال سنوات قليلة.

[4] (وَيَوْمَئِذٍ…)
أي يوم الإنتصار الذي سيتغلبون فيه على أعدائهم والذي سيأتي بعد سنوات معدودة.

[5] (يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ…)
هنا يبدأ الغموض أن ينجلي وينكشف الستار عن العائد عليه الضمير “هم”: إنهم المؤمنون أي أتباع محمد صلى الله عليه وسلم.

[6] (يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ …)

أي أن هذا النصر الموعود هو نصر الله أي نصر مضاف الى الله، ليس لأنه فعل لله، بل هو فعل للمؤمنين، ولكنه أضيف لله لما سيحدثه الله من ألطاف وتوفيقات إن أحسن المؤمنون اغتنامها، فسوف ينتصرون، كما أنه أضيف لله لأنه وعد من الله، ولذلك قال بعد ذلك:

[7] (وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ…)
أي أن هذا النصر المضاف إلى الله ما هو إلا وعد من الله أي أن الله تعالى يعد المؤمنين بالألطاف والتوفيقات والمعونة التي من شأنها أن تيسر للمؤمنين فعل النصر.

المعنى الإجمالي

[1] (غُلِبَتِ الرُّومُ…)
بدأت السورة الكريمة ببيان حال الإمبراطورية العظمى ـ آنذاك ـ والتي لا تغيب عنها الشمس وهي الإمبراطورية الرومانية (الروم). لم يكن أحد يتصور أن تلك القوة العظمى تهزم أبدا ولذا تم تصدير السورة بتلك الحقيقة التاريخية وهي هزيمة الروم لتبث الطمأنينة في قلوب المؤمنين والأمل بأنهم سينتصرون وسيهزمون أعدائهم من القبائل العربية كما هزمت الروم التي لم يكن أحد من الناس يتخيل هزيمتهم ومن ثم فإن لسان حال الآية يقول: كما هزمت الروم اليوم فستهزم العرب غدا وما ذلك بعزيز أيها المؤمنون.

[2] (وَهُم…)
هذا الضمير يعود على المؤمنين ويسمى هذا الأسلوب بأسلوب الإلتفات من المفرد المؤنث (الروم) إلى الجمع المذكر (المؤمنون).

[3] (مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ)
أي أن المؤمنين من بعد قهرهم سيقهرون ومن بعد استضعافهم سيستقوون بقوة الله تعالى وسوف يتحقق هذا الإنتصار في المستقبل القريب.

[4] (لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ)
كأن هذا الإنتصار هو من أمر الله فلا تستبعدوا وقوعه أيها المؤمنون، فإن الله سيجري على أيديكم ألطافه الخفية فتنتصرون.

[5] (وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ. بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ)
وحينما يتحقق هذا الأمر المرعي بلطف الله وتوفيقه سيفرح المؤمنون بنصر الله الذي وعدهم من قبل.

[5] (وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)
إذا هناك موعدة وعدها الله المؤمنين أن يستفرغوا الوسع والطاقة ولا يقصرون في شيئ فيكافئهم الله بالمدد من عنده.

نصر الله الموعود

هذه الآيات نزلت في عهد الإستضعاف وهو العهد المكي لتحمل بشارة بنصر الله، عن طريق اللطف والعون الإلهي المستحقين للمؤمنين، وقد حدث ذلك النصر فعلا في بدر، وعلى هذا فالآيات الكريمات تتحدث عن موقعة ستحدث بين المؤمنين والكفار وستكون الغلبة فيها للمؤمنين وهو ما قد حدث فعلا:

(وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُنزَلِينَ. بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ) (آل عمران : 123 125)

تمثل اللطف الإلهي في ذلك المدد الإلهي بالملائكة، ليس للقتال، ولكن لتثبيت المؤمنين وتعزيزهم. ولأن ذلك النصر سبق لله أن بشر به ـ في آيات سورة الروم ـ قال بعد ذكر المدد بالملائكة في بدر:

(وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) (آل عمران : 126)

أي ما جعل الله ذلك الوعد بالنصر أيام استضعافكم سوى بشر لكم وطمأنة لقلوبكم، وهكذا تسير آيات سورة الروم في انسجام تام مع آيات النصر ببدر.

سورة الروم والمجبرة

سورة الروم من السور التي يحلو لمعاشر المجبرة التغني بها فرحين طربين عازفين على وتري العلم الأزلي والقضاء الحتمي. أما العلم الأزلي فلا إشارة إلية في السورة أصلا، فالسورة الكريمة تتحدث عن حدثين أحدهما مضى وانقضى وهو هزيمة الروم والثاني مستقبلي مرتبط بسنة الله تعالى في المؤمنين:

(إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ. أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) (الحج : 38 – 39)

(… وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحج : 40)

فالله تعالى عليم لا يجهل، يعلم حال المؤمنين أمخلصين هم أم لا، وقادر لا يعجز، فيمدهم بلطفه وتوفيقه وعونه وقدرته إن كانوا مخلصين.

مناسبة النزول

قال الطبري في تفسيره: حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن سعيد، أو سعيد الثعلبـي الذي يقال له أبو سعد من أهل طَرَسُوس، قال: ثنا أبو إسحاق الفزاري، عن سفـيان بن سعيد الثوري، عن حبـيب بن أبـي عَمرة، عن سعيد بن جُبَـير، عن ابن عبـاس، قال: كان الـمسلـمون يُحبون أن تغلب الرومُ أهل الكتاب، وكان الـمشركون يحبون أن يغلب أهل فـارس، لأنهم أهل الأوثان، قال: فذكروا ذلك لأبـي بكر، فذكره أبو بكر للنبـيّ صلى الله عليه وسلم فقال: ” أما إنهُمْ سَيُهْزَمُونَ ” ، قال: فذكر ذلك أبو بكر للـمشركين، قال: فقالوا: أفنـجعل بـيننا وبـينكم أجلاً، فإن غلبوا كان لك كذا وكذا، وإن غلبنا كان لنا كذا وكذا قال: فجعلوا بـينهم وبـينه أجلاً خمس سنـين، قال: فمضت فلـم يُغلَبوا قال: فذكر ذلك أبو بكر للنبـيّ صلى الله عليه وسلم، فقال له: ” أفَلا جَعَلْتَهُ دُونَ العَشْرِ “، قال سعيد: والبِضْع ما دون العشر، قال: فَغَلَبَ الروم، ثم غلبت قال: فذلك قوله: { الـم غُلِبَت الرُّومُ فِـي أدْنَى الأرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِـي بِضْعِ سِنِـينَ } قال: البضع: ما دون العشر { لِلّه الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الـمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللّهِ } قال سفـيان: فبلغنـي أنهم غلبوا يوم بدر.

نظرة في رواية مناسبة النزول

يمكن تقسيم رواية مناسبة النزول إلى مقطعين: الأول هو المقطع المتفق مع ظاهر اللفظ القرآني من الحقائق التاريخية الثابتة كهزيمة الروم و إنتصار بدر، وهذا المقطع يمكن قبوله بالتأكيد للإستئناس به فقط. الثاني هو المقطع المخالف لظاهر اللفظ القرآني كصرف الضمير (هم) للإشارة للروم مع مخالفة ذلك للسان العربي، أو الجمل التي تتحدث عن مؤازرة المؤمنين للروم مع علمهم بأنهم لا تقل وثنيتهم عن وثنية الفرس بل أشد بتصديقهم نسبة الولد إلى الله وهكذا، وهذا المقطع لا يمكن قبوله بحال لمخالفته العقل وظاهر الكتاب واللسان العربي المبين.

تحياتي وسلامي

الحسيني

Published in: on ديسمبر 28, 2006 at 10:25 ص  اكتب تعليقُا  

The URI to TrackBack this entry is: https://alhousseiny.wordpress.com/2006/12/28/%d8%ba%d9%84%d8%a8%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%88%d9%85/trackback/

RSS feed for comments on this post.

أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: