مقدمة في السياسة الشرعية و أصولها

[1] الأصول

الأصل هو ما يبنى عليه غيره والفرع هو ما يبنى على غيره. الأصول هنا يراد بها القواعد المؤسسة لفقه السياسة الشرعية وهي عند المعتزلة المعاصرة ثلاثة أصول لا رابع لها: العقل والكتاب والرسول.

العقل:
يقصد بالعقل عندنا المنهج الإستدلالي للوصول لهدف ما وأصل العقل هو الربط بين شيئين فأكثر. تأخذ المعتزلة المعاصرة بمبدأ التحسين والتقبيح العقليين في الفروع الفقهية. إذا أخذنا قضية “الإمامة” كمثال فإننا نرى أنها واجبة عقلا بمعنى أن العقل يحكم بحسن وجود قائد أعظم للمسلمين ـ فردا كان أو مجموعة أفراد يترأسها أحدهم ـ لجلب المصالح ودرأ المفاسد. الإمام هو الحصن الحصين والركن الركين والذي لا يتحقق أمن ولا سلام ولا صناعة ولا تجارة ولا حضارة بدونه إذ لولا وجود “مؤسسة” الإمامة لعمت الفوضى ربوع البلاد ولقضت المفاسد على حياة العباد. وكذلك مبادئ “العدل” و “القانون” و “المساوة” وغير ذلك تثبت عندنا عقلا أولا ثم دعا الشرع إليها بعد ذلك. أما الفقه المتعلق بالقيادة والإنتخاب والإقتراع والحكم والدستور والتشريع والولاية والأموال وغير ذلك من أبواب السياسة الشرعية فهذا ربما نوع من الفقه المحرم عندهم إما لتحريمه عليهم من قبل أولي الظلم وإما لتحريمهم إياه بأنفسهم فلا يقربونه ولا يتناولونه بحرف.

الكتاب:
القرآن الكريم كتاب هداية إضافية لهداية العقول، وقد أكد في آياته على المبادئ التي حكم العقل بحسنها ومن ثم وجوبها لما في ذلك الإيجاب من تحقيق الخير العام للمجتمع، فأكد الكتاب على أن الحكم لله تعالى وليس لغيره ومعنى أن الحكم لله أي وجوب الحكم بما أنزل الله:

(وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ…) (المائدة : 48)

وأكد الكتاب أن العدل هو أساس الحكم:

(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) (النساء : 58)

وأكد على قيمة الشورى والمشورة والإستشارة والمشاورة:

(وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) (الشورى :38)

وغير ذلك من المبادئ العقلية التي أكد الشرع عليها لتصبح ثابتة عقلا أولا ونصا ثانيا.

الرسول:
الرسول هو المبلغ عن الله وقد بلغ رسولنا الكريم صلى الله عليه وآله رسالته المتمثله في الكتاب المبين، وجاء سلوكه في سياسة الدولة متمشيا مع ما أوجبه العقل الصريح والنص الفصيح من مبادئ، فطبقها من خلال أفعاله وأبدى فيها رأيه المنير وحكمه البصير، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم:

الرسول هو المبلغ عن الله وقد بلغ رسولنا الكريم صلى الله عليه وآله رسالته المتمثله في الكتاب المبين، وجاء سلوكه في سياسة الدولة متمشيا مع ما أوجبه العقل الصريح والنص الفصيح من مبادئ، فطبقها من خلال أفعاله وأبدى فيها رأيه المنير وحكمه البصير، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم في النكير على الظالمين:

(إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه) (صحيح / صحيح الترمذي / 1761 / الألباني)

وغير ذلك مما ورد عنه صلوات الله عليه من المبادئ التنفيذية والتشريعية والقضائية المتفقة مع أصلي العقل والكتاب.

هذه هي “الأصول” التي تعتمدها المعتزلة المعاصرة في بحوثها الفقهية، أما الأصول التي يعتمدها فقهاء الأمصار التاريخيين كالقياس والإستحسان والإجماع والإستصلاح والإستصحاب والعرف وسد الذرائع ووعمل أهل المدينة وغير ذلك فبعضها يندرج تحت أصل العقل والبعض الآخر لا نعتمده. ليس عندنا إذا إلا الأصول الثلاثة العقل فالكتاب فالرسول.

[2] السياسة الشرعية

التعريف
قال ابن منظور في “لسان العرب” تحت مادة “سوس”: [السَّوْسُ: الرِّياسَةُ، يقال ساسوهم سَوْساً، وإِذا رَأَّسُوه قيل: سَوَّسُوه وأَساسوه. وسَاس الأَمرَ سِياسةً: قام به، ورجل ساسٌ من قوم ساسة وسُوَّاس؛ أَنشد ثعلب: سادَة قادة لكل جَـمِـيعٍ *** ساسَة للرجال يومَ القِتالِ وسَوَّسَه القومُ: جَعَلوه يَسُوسُهم. ويقال: سُوِّسَ فلانٌ أَمرَ بني فلان أَي كُلِّف سِياستهم]. السياسة بهذا المعنى هي تدبير أمور الرعية وقيادتهم والإضطلاع بمسؤلياتهم وشئونهم. أما نعت السياسة بلفظ “الشرعية” فلقيامها على الأصول الشرعية المؤسسة لها أي العقل والكتاب والرسول. نحن لا نتحدث إذا عن سياسة المصلحة المكيافيللية ولا سياسة المداهنة الشيطانية ولا سياسة الإستكبار الإبليسسية وإنما نتحدث عن السياسة التي تقوم من وإلى ومع الخير والفضيلة والحق والعدل والإنسانية كما جاءت بها أصولنا الشرعية وكما يقر بها فضلاء الإنسانية.

مدونات في السياسة الشرعية
لا يخلو كتاب فقهي من كتب الفقهاء المعتبرين من باب ـ على الأقل ـ يعالج جانبا أو جوانب من جوانب السياسة الشرعية كالإمامة والعسكرية “الجهاد” والحسبة والأموال العامة وغير ذلك إلا أن هناك مصنفات إشتهرت في مجال السياسة الشرعية مثل “الإمامة” للقاضي عبد الجبار المعتزلي، “الأحكام السلطانية” للقاضي أبي الحسن الماوردي المعتزلي، “السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية” لإبن تيمية الحنبلي، “الطرق الحكمية أو الفراسة المرضية في السياسة الشرعية” لإبن قيم الجوزية الحنبلي وغيرهم ممن سلف. ومن مدونات الخلف في السياسة الشريعة “شريعة الإسلام في الجهاد والعلاقات الدولية” لأبي الأعلى المودودي، “العدالة الإجتماعية في الإسلام” لسيد قطب، “الحكومة الإسلامية” لروح الله الخميني ، “الحكومة الإسلامية” لجعفر السبحاني، “ولاية الفقيه” لمصباح اليزدي، “من فقه الدولة في الإسلام” ليوسف القرضاوي وغير ذلك من المصنفات إضافة لرسائل جامعية عن الفكر السياسي لمفكر هنا أو هناك أو السياسة الشرعية لهذا الإتجاه أو ذاك.

الفقه التقليدي والسياسة الشرعية
يصرف الفقه التقليدي ـ لا سيما المعاصر ـ أدواته البحثية والمنهجية عن معالجة قضايا السياسة الشرعية إما لخوف من النظم السياسية الجائرة وإما لأسباب أخرى أدناها الجهل بفقه السياسة الشرعية وأقصاها معاداة فقهاء السياسة الشرعية حرصا على امتيازاتهم ومكانتهم التي حققوها في ظل السياسات الغير شرعية. إن الواجب على فقهاء السياسة الشرعية نصح الفقهاء التقليديين بالحسنى والموعظة الحسنة وإلا فليعرضوا عنهم وليعتنوا بما هم مقدمون عليه من عمل فكري لتأصيل فقه جديد للسياسة الشرعية قائم على منهج العدل والتوحيد.

المتتبع الجيد لآي الذكر الحكيم يلحظ أن آيات العبادات والمعاملات الفردية ـ آيات الأحكام الفردية ـ لن تزيد بحال عن 500 آية بينما عدد آيات القرآن تبلغ أكثر من 6200 آية أي أن آيات الأحكام تشغل نسبة لا تزيد عن 8 % من آي الكتاب العزيز، بينما لو نظرنا في كثير من كتب الفقهاء نجد أن هم وديدن عدد ليس بالقليل منهم ينحصر في فقه أحكام الإستنجاء و الطهارة والحيض والنفاس وأحكام ما بين الفخدين وغير ذلك من الإهتمام ثم يتوقف علمهم عند هذا الحد. ومن الإنصاف القول أن كثيرا من الفقهاء التاريخيين لم يقعوا فيما يقع فيه أصحاب العمائم من المعاصرين الذين يبدو أنهم عمموا عقولهم بدلا من تعميم رؤسهم. فالناظر في “البحر الزخار” للإمام المهدي أحمد بن يحيى بن المرتضى الزيدي أو “تحرير الأحكام” للحلي الإمامي أو “الحاشية” لإبن عابدين أو “المبسوط” للسرخسي وكلاهما من الأحناف أو “الرسالة” لإبن أبي زيد القيرواني المالكي ـ وهي غير الرسالة الأصولية للشافعي ـ أو “المجوع” للنووي الشافعي أو “المغني” لإبن قدامة الحنبلي أو “المحلى” لإبن حزم الظاهري أو غير ذلك من أمهات كتب مذاهب فقهاء الأمصار فسيجد إهتماما بقضايا السياسة الشرعية لا نجد إهتماما مثله من كثير المعاصرين سواء المكيين “أم القرى” أو أو المصريين “الأزهر” أو التوانسة “القيروان” أو المغاربة “القرويين” أو غيرهم من أرباب التقليد والتسبيح بحمد أولياء نعمهم من دون الرحمن.

المعتزلة المعاصرة والسياسة الشرعية
لحضرة العلامة المغفور له بمشيئة الله أستاذنا الشيخ أمين نايف ذياب رضوان الله عليه كتابات وفصول في السياسة الشرعية يمكن الإطلاع عليها في موقعه، ولكاتب هذه السطور بعض معالم ورؤى في جوانب من جوانب السياسة الشرعية موجودة ضمن بحث حول “مدرسة التجديد في الفكر الإعتزالي” منشور بمنتدى المعتزلة. الخلاصة التي يمكن تقديمها اختصارا هي أننا نرى أن السياسة الشرعية واجبة عقلا أولا ونقلا ثانيا وأن إقامة السياسة على أسس الحكم بما أنزل الله والعدل والشورى والحرية والأمن عمل ينبني على دلالات العقل ثم النقل وأن الواجب على جميع المسلمين القادرين والأكفاء هو السعي لإقامة تلك السياسة الشرعية بالطرق المؤسسية والقانونية والجماهيرية.

عناصر الدراسة
ستتناول هذه المقدمة رؤى المعتزلة المعاصرة حول – فقه الإمامة والرئاسة السياسية / فقه النظم السياسية وأنظمة الحكم / الفقه الدستوري / فقه المجالس النيابية / فقه الأقليات الدينية والإثنية / فقه الأموال العامة / فقه الإدارة العامة والحكم الذاتي / فقه السياسة والمنظمات الدولية / فقه الجهاد وغير ذلك من مواضيع السياسة الشرعية إلا أنه يلزم التنويه بأن زمن معالجة هذه المواضيع قد يطول قبل الفراغ منها لكثرة المشاغل ودقة المسائل وضعف الكاهل، ولعل هذا الزمن لا يزيد عن عام بمشيئة الله وتوفيقه.

أكتفي بهذا القدر الآن

والسلام

الحسيني

Published in: on ديسمبر 28, 2006 at 10:36 ص  Comments (1)  

The URI to TrackBack this entry is: https://alhousseiny.wordpress.com/2006/12/28/%d9%85%d9%82%d8%af%d9%85%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b1%d8%b9%d9%8a%d8%a9-%d9%88-%d8%a3%d8%b5%d9%88%d9%84%d9%87%d8%a7/trackback/

RSS feed for comments on this post.

One Commentأضف تعليقاً

  1. […] مقدمة في السياسة الشرعية و أصولها […]


أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: