بعض المفاهيم الكلامية عند المعتزلة (2)

[11] في الآجال

لفظ “آجال” جمع تكسير ومفرده “أجل” والأجل في كتاب الله يطلق على وقت النهاية لحدث ما فمثلا يقول الله تعالى:

– (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ …) (البقرة : 232). الأجل هنا هو: وقت انتهاء عدة المطلقة.

– (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ…) (البقرة : 282). الأجل هنا هو: وقت استحقاق الدين.

– (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى …) (الرعد : 2). الأجل هنا هو: وقت إنتهاء أحداث الكون.

وهكذا. أما المقصود بـ “الأجل” في هذا المبحث فهو: وقت الموت / وقت إنتهاء الحياة.

سؤال: إذا لم يقتل المقتول فماذا تكون الإحتمالات الممكنة؟

الإجابة:

[1] إذا لم يقتل المقتول فسيموت قطعا وهذا هو رأي أبي الهذيل العلاف المعتزلي وهو رأي المجبرة كذلك.

[2] إذا لم يقتل المقتول فجائز أن يموت وهذا هو رأي أصحاب أبي هاشم الجبائي ـ ومنهم القاضي أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد ـ وأصحاب النظام وأصحاب معمر وأصحاب هشام الفوطي.

[3] إذا لم يقتل المقتول فسيعيش قطعا وهذا هو رأي البغدادية كبشر بن المعتمر وأبي القاسم البلخي وأبي جعفر الإسكافي وهو أيضا رأي بعض الزيدية كالهادي يحيى بن الحسين والمهدي أحمد بن يحيى بن المرتضى وهو الرأي الذي أميل إليه والله سبحانه يقول: (نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ …) (الواقعة : 60). قال: قدرنا “الموت” ولم يقل: “القتل” ولذلك يعاقب القاتل بالقتل لأنه حرم إنسانا ما من حقه في الحياة فيجب أن يحرم بدوره من حقه في الحياة ـ إلا إذا أدى دية القتل وقبلها أولياء المقتول ـ فيتحقق العدل.

سؤال: هل أجل الأنسان “الموت” مكتوب مسبقا أن يموت في اليوم الفلاني أم أن الموت يحدث في هذا اليوم بناء على المعطيات المسبقة من صحة و مرض و غيره فيكتب الموت في وقت حدوث الموت؟

الإجابة:
قول الله تعالى (نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ …) (الواقعة : 60) ليس معناه كتابة الآجال ولكن معناه أن الله تعالى خلقنا بقدرته على صفة تكوينية يتحتم علينا في ظلها الموت وعدم الخلود في الدنيا. أما طول الأجل وقصره فقد يخضع لأفعال العباد، فالله لم يقدر مثلا على الأفارقة أن يكون متوسط أعمارهم 50 عاما للفرد بينما يكون متوسط عمر الأوروبي 70 عاما. إن الإنسان لن يهرب من الموت ولو عاش أحقابا فالموت قدر الله فينا أما طول الأجل وقصره فمن الممكن التحكم به.

سؤال: افهم من ذلك أن عمر الانسان يدخل تحت نطاق علم الله على وجه الاحاطة أو الاحصاء الا في بعض الحالات الاستثنائية مثل هذه الأية الكريمة: “وَأَمَّا ٱلْغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً ” الكهف 80

الإجابة:
عمر الإنسان قد يتحكم به العباد أي قد يدخل تحت قدرة أفعال العباد ومن ثم فهو خاضع ـ كغيره من أفعال العباد ـ لعلم الله تعالى الإحاطي. أما قول الله تعالى على لسان العبد الصالح:

(وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا. فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا) (الكهف : 80 – 81)

ففيه مسائل، منها ما يلي:

(1) لفظ “غلام” يدل على أنه كان بالغا وبالتالي مكلفا، حيث يسمى شدة الشبق في لسان العرب “غلمة”. لم يكن ذلك الغلام طفلا ولكن كان صبيا مميزا ـ بكسر الياء ـ أي مسؤلا عن أفعاله التكليفية بدلالة لفظ “غلم” والتي تدل على بلوغه الحلم.

(2) لفظ “خشينا” لا ينسب إلى الله تعالى ولكنه ينسب لذلك العبد الصالح الذي آتاه الله رحمة من عنده وعلمه من لدنه علما. يوحي ذلك اللفظ بأن العبد الصالح رأى من حال الغلام ـ المكلف ـ ما يدل على فساده وكفره فغلب على ظنه ـ استقراءا للأسباب ـ أنه سيزداد طغيانا وكفرا فيشقي أبويه فعاقبه ـ على فعل موجود ـ بالقتل لأنه ربما كان قاتلا فاستحق القتل.

(3) لو لم يقتل العبد الصالح ذلك الغلام لعاش وهذا هو ما ذهب إليه أصحابنا البغداديون وكذا الإمامان الزيديان الهادي والمهدي عليهما السلام وفي الآيات ما يؤيده: لو لم يقتل الغلام لعاش ولو عاش لازداد طغيانا وكفرا.

(4) قتل الغلام فعل من أفعال العباد ـ العبد الصالح ـ جاء على سبيل الإستحقاق ـ إن كان الغلام قاتلا ـ أو على سبيل اللطف بأن يرحمه الله من مصيره الذي دلت المقدمات السببية أنه كان صائرا اليه وسائرا إن عاش. وكما أن قتله ربما كان لطفا بالغلام فكان كذلك لطفا بأبويه لاحتمال كفرهما مستقبلا ان عاش الغلام.

لا تدل قصة الغلام ـ بناءا على ما تقدم ـ على وجود أي استثناء بل جرت وفق قانون السببية واستقراء النتائج من مقدماتها ومعطياتها الموجودة.

[12] في الأثمان والأسعار والرخص والغلاء

أولا: الفارق بين الثمن والسعر
ثمن السلعة أو الخدمة هو قيمتها الذاتية. هناك نظريتان رئيسيتان في منشأ الثمن أولاهما: الثمن يتولد عن منفعة السلعة أو الخدمة. ثانيهما: الثمن يتولد عن العمل المبذول في السلعة أو الخدمة. أما سعر السلعة أو الخدمة هو قيمتها السوقية. هناك إذن قيمتان: القيمة الذاتية ويطلق عليها “الثمن” والقيمة السوقية ويطلق عليها “السعر”. قد يكون سعر سلعة أو خدمة ما موافقا لثمنها أو مخالفا له سواء بالزيادة أو النقصان فمثلا: سهم شركة ما قيمته الإسمية / ثمنه 100 دولار قد يتم تحديد سعره في سوق الأوراق المالية بمبلغ 110 دولار أي أكثر من ثمنه والعكس.

ثانيا: متعلق الرخص والغلاء
الرخص هو إنخفاض أسعار السلع والخدمات والغلاء هو إرتفاع أسعارها، فالرخص والغلاء يتعلقان بالأسعار وليس بالأثمان فرب سلعة ثمينة القيمة تكون رخيصة السعر والعكس. وكما يحدث ذلك في مجال تقييم السلع والخدمات يحدث في مجال الفكر فرب فكر ثمين يكون سعره المعنوي رخيصا والعكس.

ثالثا: كيف يتحدد السعر السوقي؟
السوق هو ذلك الإطار التنظيمي ـ مكاني أو عبر مكاني ـ الذي تلتقي فيه قوى الطلب “المستهلكين” بقوى العرض “المنتجين” فينشأ نتيجة لالتقائهما السعرُ التوازني. هذا السعر التوازني يمثل دالة رياضية في الكميتين المطلوبة والمعروضة.

رابعا: تأثير أفعال العباد على السعر
ترتفع أسعار السلع والخدمات في حالتين مرتبطتين بأفعال العباد الإختيارية. أولهما: زيادة الكمية المطلوبة من السلع والخدمات وهذه الزيادة في الطلب قد تكون متولدة عن فعل بشري كزيادة النهم أو الإستهلاك أو تغير العادات أو حالات الحرب. ثانيهما: إنخفاض الكمية المعروضة من السلع والخدمات وهذا الإنخفاض في العرض قد يكون متولدا عن فعل بشري كزيادة جشع التجار والإحتكار وغير ذلك من العوامل. إن زاد الطلب على سلعة أو خدمة ما وبقي العرض ثابتا أو انخفض العرض على سلعة أو خدمة ما وبقي الطلب ثابتا يرتفع السعر في الحالتين والعكس صحيح: ينخفض السعر.

خامسا: تأثير أفعال الله على السعر
إن كانت الزيادة في الطلب متولدة عن أمراض أو أوبئة ألمت بالمجتمع أو غير ذلك من العوامل الطبيعية يرتفع السعر إرتفاعا متولدا عن أفعال الله. وإن كان الإنخفاض في العرض متولدا عن جفاف أو قحط أو زلازل أو براكين أو حرائق أو كوارث طبيعية يرتفع السعر إرتفاعا متولدا عن أفعال الله كذلك.

الخلاصة

كما قد يكون الرخص والغلاء في أسعار الأشياء متولدا عن الأفعال الإختيارية التكليفية للعباد فإن الرخص والغلاء في أسعار الأشياء يكون كذلك متولدا عن أفعال الله تعالى. ولعلاج الغلاء في الحالة الأولى تلعب القوانين دورا كبيرا كالتشريعات المجرمة للإحتكار مثلا إضافة لإفساح المجال لآليات السوق وفي الحالة الثانية تلعب برامج مكافحة آثار الكوارث الطبيعية دورا مؤثرا كالبرنامج الذي وضعه يوسف عليه السلام مثلا:

(قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ. ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ. ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ) (يوسف : 47 – 49)

الحسيني

Published in: on أغسطس 4, 2007 at 10:59 ص  اكتب تعليقُا  

The URI to TrackBack this entry is: https://alhousseiny.wordpress.com/2007/08/04/%d8%a8%d8%b9%d8%b6-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%81%d8%a7%d9%87%d9%8a%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%84%d8%a7%d9%85%d9%8a%d8%a9-%d8%b9%d9%86%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%aa%d8%b2%d9%84%d8%a9-2/trackback/

RSS feed for comments on this post.

أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: