بعض المفاهيم الكلامية عند المعتزلة (1)

فيما يلي شروح مبسطة لبعض مفاهيم اختلف فيها المتكمون على شتى مشاربهم أقدمها من خلال وجهة نظر اعتزالية مع بعض الاضافات المستقاه من معطيات العلوم الطبيعية. جمعت هذه المادة من ثنايا بعض اسهاماتي المنشورة على صفحات المنتدى لتكون في موضع واحد ليسهل على القارئ الرجوع اليها في موضع واحد بدلا من البحث عنها في مواضع شتى. وسأضيف المزيد من المفاهيم لهذه القائمة تباعا ان شاء الله.

[1] اللطف

عالج القاضي عبد الجبار رحمه الله مسألة اللطف بتوسع في المجلد الثالث عشر من موسوعته الرائعة (المغني في أبواب التوحيد والعدل)، وقد قسم ذلك المجلد الي موضوعين مرتبطين ببعضهما:

(1) الكلام في اللطف

(2) والكلام في الآلام.

تبسيط مفهوم اللطف

اللطيف هو ما يقابل الكثيف، وهذا اللفظ يوحي بعدة أمور مثل: الخفاء، السرعة، الانتشار، … الى غير ذلك من المعاني. واللطف الالهي هو كل ما فيه (مصلحة) للعبد، وقد يكون بالـ (منفعة) أو بالـ (مضرة) الكونية أو التكوينية.

واللطف ـ لخفائه ـ يخاله بعض الدارسين فعلا من الأفعال الالزامية، وما هو بذاك، وحتى أقرب الفكرة الى الأذهان أسوق مثلا:

مبارة في كرة القدم بين فريقين يلعب أحدهما على ملعبه ووسط جمهوره، بينما الفريق الآخر ضيف. نقسم الفاعلين في هذه المقابلة الي قسمين:

– اللاعبون الذين يتقاذفون الكرة بين أرجلهم بغية احراز هدف (أو بيت كما يقول الاخوة المغاربة)

– والجمهور الذي يشجع فريقه بحماسة وحرارة.

ان الذي يحرز الهدف هم اللاعبون، أما الجمهور فلا يحرزون أهدافا، ولكن يقومون بفعل آخر هو التشجيع الذي يمثل تأييدا وتعضيضا وحافزا للاعبين لاحراز هدف، يمكننا أن نشبه هتافات الجماهير للاعبين باللطف ـ ولله المثل الأعلى:

– قد يكون الهتاف ايجابيا اذا استحسن الجمهور طريقة لعب فريقهم

– وقد يكون الهتاف سلبيا ـ يهتفون ضد فريقهم ـ لتأديبهم اذا ما رأوا تخاذلا أو تكاسلا في لعبهم.

كذلك اللطف، له العناصر نفسها:

– هدفه التحفيز والتشجيع والتأييد،

– وتارة يكون بالمنفعة (ايجابي)

– وتارة يكون بالمضرة (سلبي)

وكلاهما فيه مصلحة الملطوف.

الا أن الفعل في النهاية لم يتحقق بسبب اللطف ولكن تحقق بفعل الفاعلين، وكان اللطف مجرد زيادة مادة ومكافأة، اذ من الممكن أن ينتصر الفريق الضيف وينهزم المضيف على ملعبه ووسط هتافات جمهوره.

هذه الرؤية هامة جدا في تجفيف بقايا الفكر الجبري حتى لا تعلق الأمور والمصائر على شماعة اللطف، بعد أن كانت تعلق على شماعة القدر، فأقول لهم: لا هذا ولا ذاك، بل هو التشجيع من الله، والفعل من البشر، وقد يكون الانسان دون المستوى، فلا يستفد من لطف نزل، ولا قدر ستر.

[2] التولد

نظرية الأفعال المتولدة (التوليد أو التولد)

أمثلة لتوضيح معنى المتولدات:

[1] كوب من عصير الليمون: أحضرنا الليمون (أي الحامض) والماء والسكر وقلبنا الخليط جيدا فتولد عن ذلك طعم حلو المذاق.

[2] رمي الحجر لأعلى: قام شخص ما بقذف حجرا الي أعلى، فطار الحجر الى أعلى بسرعة متناقصة الى ارتفاع محدد ثم بدأ يشق طريق السقوط الحر بعجلة الجاذبية الأرضية.

التعليق:

[1] الليمون له طعم خاص، والماء لا طعم له ـ أو هكذا ينبغي !!! ـ والسكر له مذاق حلو. هذه الطعوم والألوان والروائح من فعل من؟ من فعل الله بطبيعة الحال. فما هو دور الانسان؟ دوره يتمثل في حركة التقليب والخلط، فيتولد بهذا الفعل خليط جديد ذو طعم ورائحة ولون مميز. ماذا لو فاوت الانسان في النسب؟ بمعنى أنه أزاد من الحامض كثيرا وأنقصى من السكر أو العكس؟ بالتأكيد يتولد خليط بلون وطعم ورائحة مختلفة عن الخليط الأول، فعن أي فعل تولد؟ عن الفعل البشري المتمثل في تفاوت النسب أم عن الفعل الالهي المتمثل في الطعوم والروائح؟

[2] ارتفع الحجر بفعل طاقة الحركة المودعة فيه تكوينيا والناتجة عن الدفع لأعلى، ثم أخذت السرعة تتناقص بفعل القانون الطبيعي للجذب العام الى أن تحولت طاقة الحركة الى طاقة وضع ثم أخذ الجسم يهوي بالتسارع الطبيعي. القانون العام للجذب من خلق الله فهل الحركة المتولدة لأسفل تخلو من الدور الانساني؟ ماذا لو رمى الانسان الحجر بقوة أكبر؟ يتولد عن ذلك سرعة أكبر ومسافة أطول ومن ثم تسارع لفترة أطول.

المخترعات والمباشرات والمتولدات:

(1) المخترعات هي الأفعال التي تحدث لا في محل، وهي فعل لله وحده.

(2) المباشرات هي الأفعال التي تحدث بسبب القدرة في محل القدرة، وهي عند المعتزلة من أفعال العباد بينما عند الجبرية من أفعال الله.

(3) المتولدات هي الأفعال الغير مباشرة والتي تحدث بسبب فعل آخر اذا كان الفعل من الله فالمتولد من أفعال الله واذا كان الفعل من الانسان فالمتولد من أفعال الانسان:

– الألوان والاكوان والطعوم والروائح من أفعال الله

– والقيام والقعود والسكون والحركة من أفعال العباد.

سبب اهتمام المعتزلة بنظرية التولد:

تحديد نطاق المسؤلية الانسانية، فمثلا:

[1] انسان حفر حفرة ولم يحطها بعوامل السلامة والأمان فمر شخص فسقط فيها فتولد عن هذا السقوط ألم أو كسر أو موت، فمن المسؤل؟

[2] امرأة لم تأخذ عوامل السلامة أثناء حملها فولدت رضيعا مشوها، فمن المسؤل؟

[3] طبيب أهمل ولم يحتط أثناء سحب عينة دم من مريض فسقطت بعض قطرات من الدماء على جزء مفتوح في يده فتولد عن ذلك اصابته بمرض ما، فمن المسؤل؟

وهكذا نرى أن البحث في المتولدات ـ وان كانت هذه النظرية غاية في التعقيد ـ له عند بعده الحضاري لا الفلسفي اذ يرتبط عندهم بقضية العدل وتحديد نطاق المسؤلية الفردية. البحث في التولد متولد عن العدل وليس متولدا عن الفلسفة ـ عند المعتزلة على الأقل.

[3] الحال

يقول بعض المتكلمين أن عجائب علم الكلام ثلاثة:

(1) الكسب عند الأشعري

(2) والحال عند البهشمي

(3) وطفرة النظام.

ما هو (حال) البهشمي؟

بداية كلمة (البهشمي) لفظ منحوت من الكنية (أبو هاشم) لصاحبها عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبائي (277 – 321 هـ). أما (الأحوال) فهي ـ فيما ينسب لأبي هاشم ـ صفات الله.

فبينما يقول الأشاعرة بأن الصفات ليست الذات وليست غير الذات ـ وهو كلام متناقض وغير مفهوم، يقول المعتزلة بعينية الذات والصفات، ولذلك أطلقوا على أصلهم الأول لفظ (التوحيد) وهو لفظ يختلف في مبناه ومعناه عن لفظ (الوحدانية). فبينما يشير لفظ (الوحدانية) ـ أو الأحدية كما أفضل أن أسميه ـ الى وجود اله واحد وليس آلهة متعددين، يشير لفظ (التوحيد) ـ عند المعتزلة والزيدية ـ الى مفهوم آخر هو عينية الذات والصفات. وقد شذ عن هذا القول الامام أبو هاشم الجبائي رحمه الله ـ فيما نسب اليه ـ حيث يرى أن صفات الله تعالى مغايرة لذاته، وأطلق على هذه الصفات لفظ (أحوال)، وقد ذهب الى أن هذه الأحوال (صفات لا يقول فيها أنها موجودة ولا معدومة ولا قديمة ولا محدثة ولا معلومة ولا مجهولة).

هذا الرأي ـ ان صحت نسبته لأبي هاشم ـ حقا غاية في الغرابه ويفوق غرابة مذهب الأشاعرة والصفاتية بمراحل، ولكني أشك في نسبته لأبي هاشم بالرغم من شهرة هذه النسبة، اذ اننا قد اعتدنا من المخالفين ـ للأسف الشديد ـ التشنيع وتحريف الكلم عن مواضعه لتسجيل نقطة وهمية ضد الخصم. واذ كان من المتعذر الآن التحقق من صحة نسبة هذا القول لقائله، فللمعتزلة رأيهم الواضح في مسألة الصفات هو (التوحيد) أو (عينية) الذات والصفات.

[4] الطفرة

ما هي (طفرة) النظام؟

أصحاب فكرة الطفرة – وفي مقدمتهم أبو اسحاق ابراهيم بن سيار النظام – يقصدون بها و ببساطة الانتقال من النقطة (1) الى النقطة (3) دون مرور على النقطة (2). نسب قوم من المنكلمين الى النظام أنه قال (المار على سطح الجسم يسير من مكان الى مكان بينهما أماكن لم يقطعها ولا مر عليها ولا حاذاها ولا حل فيها).

في القرآن نجد أن الفكرة المستخدمة هي فكرة التطور بمعنى المرور على النقطة (2) وليس فكرة الطفرة، ولعل هذا التطور هو المقصود من قوله تعالى (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا) (نوح : 14).

وان كانت الطفرة تقع في حاسة البصر فقط الا أنها قد تكون مقبولة فلسفيا، كما أنها مقبولة كميائيا (التسامي) و بيولوجيا (الجينات).

[5] الكمون

المعتمد عند علماء الفلك وفيزياء النجوم وعلماء الكونيات أن الكون نشأ نتيجة الانفجار الكبير Big Bang للبيضة الكونية الأولى التي برأها الله تعالى، وأن ما يلاحظه العلماء من تمدد في الكون وكثير من الأصوات الكونية انما يعود لذلك الانفجار الهائل الأول.

هذا الانفجار الأولي للبيضة الكونية (الرتق) لعله المقصود من قوله تعالى:

(أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ) (الأنبياء : 30)

وهذا التمدد الكوني من جراء ذلك الفتق الأول هو المقصود من قوله تعالى:

(وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) (الذاريات : 47)

فلو كان مقصود أصحاب الكمون هو أنه في البيضة الكونية قد “انطوى العالم الأكبر” بمعنى أن كل ذرات ومواد الكون كانت كامنة ومستقرة في تلك القماشة الكونية الأولى ثم خرجت بفعل الانفجار الكوني الى ما هو عليه كما يخرج الأسير من مكمنه فلا بأس حينئذن بقبول فكرة الكمون.

[6] الجواهر

الجواهر هي الأجزاء التي تتألف منها الأجسام. هذه الجواهر لها حيز في الوجود وان دق، وهي لا تخلوا من الأعراض الحالة (بتشديد اللام) فيها (الأكوان).

[7] الأجسام

الأجسام هي (الجواهر المتألفة) طولا وعرضا وعمقا (ارتفاعا) وهي تشغل حيزا من الفراغ. من خلال معطيات العلوم الطبيعية المعاصرة نعلم أن الجسم يتكون من الجزيئات ـ وهي التي سماها المتكلمون جواهر، والجزيئ الواحد يتكون من ذرات، والذرة تتكون من نواة والكترونات (كهارب) وجسيمات دقيقة أخرى، والنواة تتكون من بروتونات ونيوترونات.

[8] الأعراض (الأكوان)

الأعراض هي المعاني المفتقرة في وجودها الى المحل كالحركة والسكون والقرب والبعد والسواد والبياض، اذ تقسم الممكنات الى قسمين: الممكنات القائمة بذاتها (الجواهر) والممكنات القائمة بغيرها (الأعراض). القسم الأول يطلق عليه (المحل) والقسم الثاني يطلق عليه (الحال) بتشديد اللام. هذه الأعراض يسميها بعض المتكلمين (أكوان) لكونها كائنة في كيان أي حالة ـ بتشديد اللام ـ في محل.

[9] الأفلاك

الأفلاك هي المدارات المحيطة بالأجسام والأجرام (الأجسام العظيمة) ويكون الجسم في وسط مداره كالنقطة في وسط الدائرة.

[10] المعدوم

المعدوم هو (المنفي العين) الخارج عن صفة الموجود، وهو لا جسم ولا جوهر ولا عرض ولا شئ على الحقيقة، وان سمي (شيئا) فعلى المجاز وليس على الحقيقة.

مع خالص تحياتي والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحسيني

Published in: on أغسطس 4, 2007 at 10:48 ص  اكتب تعليقُا  

The URI to TrackBack this entry is: https://alhousseiny.wordpress.com/2007/08/04/%d8%a8%d8%b9%d8%b6-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%81%d8%a7%d9%87%d9%8a%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%84%d8%a7%d9%85%d9%8a%d8%a9-%d8%b9%d9%86%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%aa%d8%b2%d9%84%d8%a9/trackback/

RSS feed for comments on this post.

أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: