غيث السماء بكشف تهافت روايات صوم عاشوراء (2)

نقاش هادئ مع روايتين
الرواية الأولى

عن عبد الله بن عباس قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى. قال: فأنا أحق بموسى منكم. فصامه وأمر بصيامه (البخاري)

[1] ترجمة موجزة لابن عباس
عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولد بشعب بني هاشم بمكة قبل الهجرة بثلاث سنوات أي كان عمره عند الهجرة 3 سنوات وعند وفاة النبي 3 + 9 = 12 سنة. لما كان عمره عند الهجرة 3 سنوات فهو لم يكن شاهد عين ولا شاهد سمع لأنه كان في المهد صبيا فمعنى ذلك أنه يروي عن غيره فعن من إذن روى إبن عباس تلك الواقعة؟ لما كان أهل الحديث يعدلون الصحابة أجمعين كان هذا السؤال بالنسبة لهم غير ذي أهمية أما أهل التوحيد والعدل فيتثبتون فلعل إبن عباس روى عن غير الثقات عدلا أو غير الثقات ضبطا فليس جميع الصحابة عندهم عدول بل هم كسائر البشر فيهم العدل وفيهم غير العدل. وبافتراض تعديلهم أجمعين أكتعين أبصعين يحق لنا أن نسأل: هل تمام العدالة تستلزم بالضرورة تمام الضبط؟ أليس من الممكن أن يكون هناك عدل ولكنه ضعيف العقل أو ضعيف الضبط؟ ولذلك لابد من معرفة “حال” من روى عنه ابن عباس تلك الرواية، هذا بإفتراض تمام العدل والضبط من بداية الإسناد أصلا.

[2] (قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء)
أي عاشوراء يقصد؟ العاشر من المحرم العربي لسنة 1 هـ أم العاشر من تشرين العبري لسنة 4383 عـ ؟ إن قوله “قدم النبي المدينة فرأى اليهود تصوم…” معناه الظاهر أن ذلك حدث في اليوم الذي دخل فيه الرسول الأكرم المدينة أي يوم الخميس 12 ربيع أول لسنة 1 هـ أي بعد مرور نحو 60 يوما على العاشر من المحرم لأن المحرم هو الشهر الأول في التقويم العربي بينما ربيع الأول هو الشهر الثالث في التقويم العربي. معنى ذلك أحد أمرين:

الأول: أن المقصود بعاشوراء هنا هو 10 تشرين لسنة 4383 عـ

الثاني: أن المقصود بعاشوراء هنا هو 10 محرم لسنة 2 هـ

في الحالة الأولى يلزم المسلمين عدم صوم العاشر من محرم أساسا بل العاشر من تشرين وهو يختلف من عام لآخر وفق التقويم العربي. وفي الحالة الثانية نقول كيف صام اليهود 10 محرم لسنة 2 هـ وهو مالم يصادف العاشر من تشرين إلا سنة 27 هجرية؟ وهل يصوم اليهود وفق التقويم العربي أم العبري؟ وهل كان موسى عربيا أم عبريا؟

[3] (هذا يوم صالح : هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم)
الحدث يرتبط إذن بتاريخ بني إسرائيل أي يعتمد على التقويم العبري وهذا تأكيد لما قلته آنفا أن شهر المحرم و التقويم العربي عموما لا علاقة له أصلا بالموضوع المطروح بل تم اقحامه في التفسير من قبل الأمويين جلاوزة ومنتفعين.

[4] (أنا أحق بموسى منكم. فصامه وأمر بصيامه)
لماذا الصوم يوم نجاة موسى من فرعون وعدم الصوم يوم نجاة عيسى مثلا من بني إسرائيل أو يوم نجاة يوسف من أخوته أو يوم نجاة إبراهيم من النمروذ؟ ما هي خصوصية موسى الذي تميزه عن باقي الأنبياء والمرسلين؟ هناك أحد أمرين:

الأول: أن يكون صوم المسلمين لذلك اليوم فرحا حقيقيا وعيدا لنجاة موسى فيلزمهم أن يصوموا سائر الأيام التي نجا فيها الأنبياء جميعا والمرسلون فرحا وعيدا وهو ما لم يحدث.

الثاني: أن يكون صوم المسلمين لذلك اليوم نفاقا وتملقا وتدلفا لبني إسرائيل – جيرانهم في المدينة ـ وحاشا لرسول الله صلى الله عليه وآله أن يفعل ذلك.

الرواية الثانية

عن أبي موسى الأشعري قال: كان يوم عاشوراء يوما تعظمه اليهود، وتتخذه عيدا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صوموه أنتم (مسلم)

[1] (كان يوم عاشوراء يوما تعظمه اليهود وتتخذه عيدا)
سكتت هذه الرواية كذلك عن تحديد عاشوراء: العاشر من المحرم والذي لم يصمه اليهود أبدا أم العاشر من تشرين وهو غير المحرم أم هما معا وهو الإقتران الذي لم يتحقق إلا عام 27 هجري. إن الروايات تتضافر أن اليوم المقصود هو يوم معظم عند اليهود. ولما كان اليهود يكتبون بلغتهم ويتحدثون في معابدهم بلسانهم الخاص يهم فكذلك كان اليهود يعتمدون تقويمهم العبري: أخرج الترمذي عن زيد بن ثابت أنه قال: أمرني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن أتعلم له كلمات من كتاب يهود وقال إني واللّه ما آمن يهود على كتابي، قال فما مر بي نصف شهر حتى تعلمته له، قال فلما تعلمته كان إذا كتب إلى يهود كتبت اليهم، وإذا كتبوا اليه قرأت له كتابهم (حسن صحيح). وهكذا تدل تلك الرواية أن يهود المدينة كانوا متمتعين بممارسة طقوسهم وشعائرهم الخاصة دون فرض الثقافة العربية عليهم مما يدل بوضوح أن عاشوراء المقصود بها العاشر من تشرين وفق التقويم اليهودي.

[2] (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صوموه أنتم)
ما رواه مسلم عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله قال (صوموه أنتم) يدل بوضوح أن الرسول إما أنه كان يخاطب اليهود بقوله “أنتم” أو يخاطب المسلمين بذلك الضمير ولكنه في كلتا الحالتين لم يصم هو وهذا يناقض ما رواه البخاري عن ابن عباس “12 سنة” أن رسول الله قال (أنا أحق بموسى منكم. فصامه وأمر بصيامه). فهل صام الرسول أم لم يصم ولكن أمر بصيامه؟

من خلال القراءة السابقة يتضح أن المتنين المتقدمين حافلان بالعلل القادحة التي توجب نبذهما وطرحهما أرضا. ولما كان شعار أهل التوحيد والعدل هو أن “العواصم من القواصم في الذَّبِّ عن سنة أبي القاسم” كان لزاما علينا التقرب إلى الله تعالى بكشف تلك الأباطيل المكذوبة على أبي القاسم محمد بن عبد الله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

الحسيني

Published in: on أغسطس 4, 2007 at 10:39 ص  اكتب تعليقُا  

The URI to TrackBack this entry is: https://alhousseiny.wordpress.com/2007/08/04/%d8%ba%d9%8a%d8%ab-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%85%d8%a7%d8%a1-%d8%a8%d9%83%d8%b4%d9%81-%d8%aa%d9%87%d8%a7%d9%81%d8%aa-%d8%b1%d9%88%d8%a7%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d8%b5%d9%88%d9%85-%d8%b9%d8%a7%d8%b4%d9%88%d8%b1-2/trackback/

RSS feed for comments on this post.

أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: