غيث السماء بكشف تهافت روايات صوم عاشوراء (1)

هذه سطور سهلة العبارة وواضحة الإشارة أقدمها للقراء الكرام بمناسبة العاشر من المحرم لعام 1428 هـ وهي مناسبة ذكرى استشهاد الإمام الحسين عليه السلام قبل أكثر من 13 قرن أكشف من خلالها تزييف الحقائق والتلبيس على المسلمين بالكذب على نبي الهدى صلى الله عليه وآله وسلم فعسى أن يجد فيها العقلاء فائدة والله تعالى أسئل أن يجعل الحق بغيتنا والتوحيد والعدل منهجنا إنه نعم المولى ونعم المجيب وقد قسمتها ـ أي السطور ـ إلى مبحثين وختمتهما بالخلاصة.

المبحث الأول: تضارب متون الروايات

روايات صوم عاشوراء كثيرة فأكتفي منها بخمس روايات مما ورد في كتابي البخاري ومسلم وإن رواها غيرهم أيضا. أذكر الروايات في البداية ثم أوضح التضارب في متونها بعد ذلك إظهار العلل في متونها بما يوجب طرحها لتهافتها.

[1] عرض الروايات

الرواية الأولى
عن عبد الله بن عباس قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى. قال: فأنا أحق بموسى منكم. فصامه وأمر بصيامه (البخاري)

الرواية الثانية
عن أبي موسى الأشعري قال: كان يوم عاشوراء يوما تعظمه اليهود، وتتخذه عيدا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صوموه أنتم (مسلم)

الرواية الثالثة
عن عبد الله بن عباس قال: حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإذا كان العام المقبل إن شاء الله، صمنا اليوم التاسع. قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم (مسلم)

الرواية الرابعة
دخل الأشعث بن قيس على ابن مسعود. وهو يأكل، يوم عاشوراء. فقال: يا أبا عبدالرحمن إن اليوم يوم عاشوراء. فقال: قد كان يصام قبل أن ينزل رمضان. فلما نزل رمضان، ترك فإن كنت فطرا فاطعم (مسلم)

الرواية الخامسة
عن عائشة قالت: كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصومه، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما نزل رمضان كان رمضان الفريضه، وترك عاشوراء، فكان من شاء صامه ومن شاء لم يصمه (البخاري)

[2] تحليل الروايات

(1) عاشوراء عيد من: قريش أم اليهود أم اليهود والنصاري؟
ظاهر الرواية الخامسة هو (كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية) وظاهر الروايتبن الأولى والثانية هو (اليهود تصوم يوم عاشوراء) و ( كان يوم عاشوراء يوما تعظمه اليهود وتتخذه عيدا) بينما ظاهر الرواية الثالثة هو أنه (يوم تعظمه اليهود والنصارى). السؤال الأول هو: هل كان عاشوراء يوما قرشيا أم يهوديا أم يهوديا ونصرانيا؟ وكيف أصبح قاسما مشتركا بين الوثنيين أي قريش واليهود والنصارى؟

(2) هل صامه الرسول أم لم يصمه؟
ظاهر الروايات الأولى والثالثة والخامسة هو أن الرسول (صامه وأمر بصيامه) بينما ظاهر الرواية الثانية هو أن الرسول أمر بصيامه ولكنه لم يصمه بدليل قوله (صوموه أنتم).

(3) كم من المرات صامه الرسول أو المسلمون؟
الرواية الرابعة تقول (قد كان يصام قبل أن ينزل رمضان) فدل التعبير بـ ( كان يصام) وتحقيق ذلك بأداة ( قد ) أن صوم عاشوراء تم عدة مرات فهل كان ذلك حقا؟ لقد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة في يوم 12 ربيع الأول سنة 1 للهجرة أي بعد نحو شهرين ويومين من انقضاء العاشر من المحرم لذلك العام. وإذا علمنا أن صوم شهر رمضان قد فرض في سنة 2 هجرية – شهر رمضان هو الشهر التاسع من شهور السنة العربية بينما شهر محرم هو الشهر الأول من شهور السنة العربية – فمعنى ذلك أن الرسول صام عاشوراء لمرة واحدة فقط وكان ذلك في سنة 2 هجرية أي قبل رمضان بثمانية شهور فما معنى قول ابن مسعود (قد كان يصام) وهو لم يصم إلا مرة واحدة فقط بدليل القرائن التاريخية؟

(4) متى علم الرسول بأن عاشوراء يعظمه أهل الكتاب؟
ظاهر الرواية الأولى أن ذلك تم في العام الأول للهجرة بدليل قول ابن عباس (قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء …) أي أن علمه بمكانة ذلك اليوم عند اليهود كان عند قدومه للمدينة أي في 12 ربيع أول سنة 1 هـ بينما ظاهر الرواية الثالثة أن الرسول علم بمكانة ذلك اليوم عند اليهود في قبل وفاته بعام واحد أي في العام الثامن الهجري بدليل (فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع. قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم). انظروا إلى التعارض بين الروايتين الأولى والثالثة: الرواية الأولى تخبر بأن الرسول قدم المدينة فوجد اليهود يصومون ذلك اليوم لنجاة موسى فصامه الرسول وأمر بصيامه بينما تخبر الرواية الثالثة بأن ذلك لم يحدث عند قدوم الرسول للمدينة وإنما قبل وفاة الرسول بعام. وكيف يستقيم مفهوم الرواية الثالثة مع بقية الروايات التي تخبر أن الرسول صام عاشوراء قبل فرض صوم رمضان وهو ما تم في العام الثاني للهجرة وليس للعام الثامن لها؟

[3] خلاصة المبحث الأول

إن التدبر في متون تلك المرويات يدل دلالة قاطعة على وجود تناقضات خطيرة بسبب تداخل الأبعاد الزمنية في المقام الأكبر. فإذا طبقنا منهج أهل الحديث أنفسهم نجد أنهم يشترطون لصحة رواية ما خمسة شروط منها الخلو من “العلة” بينما نجد تلك الروايات وقد ملئت بالعلل القادحة فهل يجوز إعتبارها روايات صحيحة لكونها وردت في “صحيحي” البخاري ومسلم على ما بها من العلل؟ لله در أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لما قال: الحق لا يعرف بالرجال ولكن الرجال يعرفون بالحق.

المبحث الثاني: التناقض مع القرائن التاريخية والفلكية

هل صام اليهود العاشر من المحرم حقا؟ وهل شهر المحرم من الشهور العربية أم من الشهور العبرية؟ وإذا كان لليهود تقويمهم العبري الخاص فكيف يصومون وفقا لتقويم آخر؟ هل يمكن للمسلمين مثلا أن يجعلوا يوم النحر في يوم خاضع للتقويم الميلادي بدلا من يوم العاشر من ذي الحجة؟ إذا رفض المسلمون اتباع التقويم الميلادي فهل يظنون أن اليهود تقبل إتباع تقويم آخر غير تقويمهم العبري؟ بعد أن قال أهل الحديث كلمتهم المليئة بالعلل والتناقضات في الموضوع لندع أهل العلوم الطبيعية ولا سيما علماء الفلك يقولون بدورهم كلمتهم فماذا يقولون؟

شهادة علم الفلك على بطلان صوم اليهود للعاشر من محرم
دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة في يوم الخميس الموافق 12 ربيع الأول لسنة 1 هجرية المصادف 23 سبتمبر لسنة 623 ميلادية والمصادف يوم 10 تشرين لسنة 4383 عبرية. اليهود إذن صاموا حقا اليوم العاشر ولكن أي عاشر؟ العاشر من المحرم أم العاشر من تشرين؟ العاشر من التقويم العبري أي العاشر من تشرين. أما العاشر من محرم فهو لم يوافق العاشر من تشرين إلا بعد 18 سنة من وفاة الرسول !!!

التحويل من الميلادي إلى العبري
سأقدم معادلة رياضية بسيطة للتحويل من التقويم الميلادي للتقويم الهجري بعد حذف الإشتقاقات الرياضية التي لا تهم القارئ الغير متخصص في العلوم الرياضية والفلكية. نحن الآن في العام 2007 وحتى نعرف التاريخ العبري في أول تسعة أشهر من التاريخ الميلادي نقوم بإضافة (3760) إلى العام 2007 أي (2007 + 3760) = (5767) أما الثلاثة أشهر الأخيرة من التاريخ الميلادي فنضيف (3761) إلى العام 2007 أي (2007 + 3761) = (5768). أما الشهور وفقا للتقويم العبري ومناظرها الميلادي فهي كالتالي:

Nissan 1 30 days March-April
Iyar 2 29 days April-May
Sivan 3 30 days May-June
Tammuz 4 29 days June-July
Av 5 30 days July-August
Elul 6 29 days August-September
Tishri 7 30 days September-October
Cheshvan 8 29 or 30 days October-November
Kislev 9 30 or 29 days November-December
Tevet 10 29 days December-January
Shevat 11 30 days January-February
Adar 12 29 or 30 days February-March
Adar II 13 29 days March

نلاحظ أن شهر تشرين هو الشهر السابع في التقويم العبري وطوله 30 يوم من منتصف سبتمبر حتى منتصف أكتوبر بالتقويم الميلادي. لما كان تاريخ 12 ربيع أول 1 هـ يصادف 23 سبتمبر 623 ميلادي فإذا أضفنا العدد 3760 إلى 623 نتج عن ذلك العام بالتقويم العبري وهو 4383 وهي السنة التي دخل فيها الرسول الأكرم إلى المدينة.

الخلاصة العامة

الزعم بأن اليهود صاموا العاشر من محرم زعم باطل وقد ظهر بطلانه من طريقين أولهما: تهافت الروايات المأثورة بسبب العلل الكثيرة في متونها وثانيهما: تعارض الروايات مع القرائن التاريخية المحفوفة بالحسابات الفلكية. يبدو أن الدافع وراء نشر أبطولة تعظيم يوم العاشر من محرم هو الرغبة في تعمية الأمويين ـ مختلقي تلك الروايات المتهافته ـ على اليوم الذي قتل فيه إمام المسلمين الحسين بن علي عليهما السلام وهو الدافع الوحيد من وراء ذلك: لم يرتبط يوم العاشر من المحرم بشيئ إلا إرتباطه بإرهاب وإجرام يزيد بن معاوية والمتمثل في سفك دماء الحسين وصحبه رضوان الله عليهم. ومن أجل العمل على محو تلك الذكرى المأساوية من وعي المسلمين ـ هكذا سولت لهم أنفسهم وشياطينهم ـ اختلق رواة جهنم روايات كاذبة فيها تعظيم من شأن العاشر من محرم وربطه بحادثة وقعت في العاشر من تشرين وهي نجاة موسى وصحبه بدلا من الحادثة الحقيقية التي وقعت في العاشر من محرم وهي قتل الحسين وصحبه ثم حز رؤوسهم ونسبوا ذلك زورا وبهتانا لنبي الهدى صلى الله عليه وآله

(يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (الصف : 8)

الحسيني

Published in: on أغسطس 4, 2007 at 10:36 ص  اكتب تعليقُا  

The URI to TrackBack this entry is: https://alhousseiny.wordpress.com/2007/08/04/%d8%ba%d9%8a%d8%ab-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%85%d8%a7%d8%a1-%d8%a8%d9%83%d8%b4%d9%81-%d8%aa%d9%87%d8%a7%d9%81%d8%aa-%d8%b1%d9%88%d8%a7%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d8%b5%d9%88%d9%85-%d8%b9%d8%a7%d8%b4%d9%88%d8%b1/trackback/

RSS feed for comments on this post.

أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: