المرأة والولاية السياسية العظمى (1)

[1]

من هي المرأة التي حكمت الفرس على عهد النبي ؟

أخرج البخاري في صحيحه عن أبي بكرة نفيع بن الحارث: لقد نفعني الله بكلمة أيام الجمل لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن فارسا ملكوا ابنة كسرى قال: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) (البخاري).

تحقيق الخبر تاريخيا

أولا: ميلاد ووفاة رسول الهدى
وفقا لتحقيق العالم المصري محمود باشا الفلكي ولد رسول الهدى محمد صلى الله عليه وآله وسلم في يوم الإثنين 9 ربيع الأول سنة 53 قبل الهجرة ويوافق الإثنين 20 إبريل سنة 571 ميلادية وتوفي يوم الإثنين 13 ربيع الأول سنة 11 هجرية ويوافق الإثنين 8 يونية سنة 632 ميلادية عن عمر يقدر بـ 63 سنة قمرية وخمسة أيام. وقد ذكر المؤرخون أن رسول الله صلى الله عليه وآله ولد لأربعين عاما لحكم كسرى الأول Khusrau I المعروف باسم آنو شروان حيث بدأ حكمه في 531 وانتهى في 579 ومن ثم يتفق التحقيق الفلكي مع معطيات المؤرخين أن رسول الله ولد عام 571 لميلاد المسيح.ثانيا: ملوك الفرس في تلك الفترة
خضع حكم الفرس في تلك الفترة وغيرها للأسرة الساسانية والذي بدأ في 226 م وانتهى بوفاة يزدجرد الثالث عام 633 م. إذا تتبعنا أسماء الملوك الساسانيين في تلك الفترة نجدهم ـ حصرا ـ كما يلي:

 

Khusrau I (531 – 579)Hormazd IV (579 – 590)

Khusrau II (590 – 590)

Bahram VI (590 – 591)

Khusrau II (591 – 628)

Kobad II (628 – 628)

Ardashir III (628 – 630)

Shahrbaraz (630 – 630)

Khusrau III (630 – 630)

Juvansher (630 – 630)

Purandokht (630 – 631)

Gushnasbandeh (631 – 631)

Azarmedukht (631 – 631)

Hormazd V (631 – 632)

Khusrau IV (632 – 632)

Firuz III (632 – 632)

Khusrau V (632 – 632)

Yazdegerd III (632 – 633)

وبعد الكشف الدقيق عن تاريخ كل فرد في السلسلة السابقة وجدت بينهم امرأتين هما Purandokht وAzarmedokht ابنتي الملك Khusrau II. جدير بالذكر أن هاتين المرأتين كانتا الملكتين الوحيدتين في الأسرة الساسانية كلها.الملكة بوران بنت كسرى الثاني
حكمت تلك المرأة بلاد فارس من عام 630 م حتى عام 631 م. وحيث أن الرسول صلى الله عليه وسلم ولد عام 571 م نستنتج من ذلك أن عمره كان 59 سنة.

النتيجة

يثبت البحث التاريخي صحة الواقعة المذكورة في الحديث وهي (… بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن فارسا ملكوا ابنة كسرى …) حيث تولت امرأة وهي Purandokht حكم الفرس وكانت بالفعل ابنة كسرى الثاني. هذا فيما يتعلق بالبحث التاريخي أما دلالات الألفاظ وتحليل المضمون المحفوف بالقرائن التاريخية ففي الجزء التالي أسفله.

[2]

هل ولاية المرأة السياسية جائزة شرعا؟

العقل
لا يوجد ـ من الناحية العقلية ـ مانع يمنع المرأة من تولي منصب الرئاسة السياسية العظمى للمسلمين مادامت مؤهلة لذلك عقليا ونفسيا وعلميا وجسديا. أي أن العقل لا يحيل تولي المرأة ذلك المنصب الرفيع مادامت الموانع منتفية.

الكتاب
يحتج المعارضون لتولي المرأة الولاية العامة بالآية القرآنية التالية:

(الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ …) (النساء : 34)

وهنا نلاحظ ثلاثة أمور: (أولا) أن الآية الشريفة لم تكيف الولاية السياسية وإنما كيفت قوامة الزواج. (ثانيا) وجود شرط الأفضلية وهو شرط نسبي فإن إنعدمت الأفضلية عن رجل ما وتحققت في امرأة ما فالوضع يختلف. (ثالثا) وجود شرط الإنفاق. لو اختل امر من تلك الأمور يبطل الإستدلال بها علاوة على أننا لا نرى أي نهي تحريمي في الآية عن تولي امرأة بعينها الولاية السياسية. الخلاصة التي نخلص اليها هي خلو الكتاب من أي تحريم قطعي لولاية المرأة سياسيا وأن كل ما ورد في شأن النساء لا يخلو من احتمال تعدد وجوه الدلاله وما يرد بإحتمال يسقط به الإستدلال كما يقول الأصوليون.

الرسول
يحتجون أيضا بما أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي بكرة نفيع بن الحارث: لقد نفعني الله بكلمة أيام الجمل لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن فارسا ملكوا ابنة كسرى قال: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) (البخاري). أقول: هنا يلزم التفرقة بين أمرين: (الأول) الصحة التاريخية للواقعة. (ثانيا) هل يلزم من صحة الواقعة ثبوت نسبة ذلك القول للرسول الأكرم؟ وذلك على النحو التالي:

[1] صحة الواقعة تاريخيا

يثبت البحث التاريخي صحة الواقعة المذكورة في الحديث وهي (… أن فارسا ملكوا ابنة كسرى …) حيث تولت امرأة هي Purandokht حكم الفرس في الفترة من 630 م حتى 631 م أي عندما كان عمر نبي الهدى 59 عاما وكانت ابنة Khusrau II والذي حكم فارس في الفترة من 590 م حتى 628 م على النحو الذي بينته في الجزء الأول أعلاه.

[2] نسبة ذلك القول للنبي
هناك احتمالان:

(الأول) عدم صحة نسبة عبارة “لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة” للرسول فيرتفع الإشكال.

(الثاني) صحة نسبة عبارة “لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة” للرسول فيكون التساؤل التالي: هل عبارة “لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة” وحي إلهي ملزم أم أنه اجتهاد شخصي من الرسول؟

لو أن الوحي الإلهي يقول “لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة” فمعنى ذلك التنبؤ بفشل سياسة الملكة بوران وهو ما لم يحدث حيث يدلنا التاريخ بأن تلك المرأة كانت ناجحة جدا من الناحية السياسية وأنها استطاعت أن تبقى في الحكم لمدة عام في حين عجز الملوك الرجال الذين حكموا فارس في الفترة بين حكم أبيها وحكمها أن يبقوا في سدة الحكم لأكثر من أسابيع معدودة. هذا علاوة على أنها أبرمت اتفاق سلام تاريخي مع امبراطور بيزنطيا / الروم استطاعت به أن تحقن الدماء وتوقف الحروب والفتن الداخلية التي ظهرت بعد وفاة أبيها الملك كسرى الثاني. لقد أفلحت تلك المرأة فلاحا كبيرا في قيادة الأمة الفارسية على عكس ما تنبأت به الرواية مما يؤكد صحة ما ذهبت اليه من أنها ليست وحيا ولا بعض وحي ولا تخرج عن أحد الإحتمالين التاليين:

(1) رأي خاص بمحمد الإنسان ـ وليس محمد النبي ـ ومن ثم فقد يكون رأيه خطأ كما أخطأ مثلا ـ وفق منهج المحدثين ـ في اقتراح تأبير النخل فقد أخرج مسلم ‏عن ‏ ‏موسى بن طلحة ‏ ‏عن ‏ ‏أبيه ‏ ‏قال: ‏مررت مع رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏بقوم على رءوس النخل فقال: ‏ما يصنع هؤلاء؟ فقالوا: يلقحونه يجعلون الذكر في الأنثى فيلقح. فقال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم: ‏ ‏ما أظن يغني ذلك شيئا. قال: فأخبروا بذلك فتركوه. فأخبر رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏بذلك فقال: إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه فإني إنما ظننت ظنا فلا تؤاخذوني بالظن ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به فإني لن أكذب على الله عز وجل (مسلم وأحمد وابن ماجة واللفظ لمسلم)

(2) رواية مختلقة أيام معركة الجمل ـ وهذا هو الأرجح ـ لأسباب سياسية مثلا وتم حشر اسم الرسول فيها حشرا على غرار حشر صوم اليهود في العاشر من محرم بينما كان ذلك اليوم هو العاشر من تشرين وفقا للتقويم اليهودي كما أوضحت في بحثي التالي:

http://www.al-a7rar.net/forum/viewtopic.php?t=1141

الخلاصة

لا يوجد دليل قطعي من أدلة العقل أو الكتاب أو الرسول ينهى عن تولي المرأة الولاية السياسية العظمى للمسلمين إذا ما كانت مؤهلة لذلك مثلها مثل الرجل تماما. ومن ثم تعتبر ولاية المرأة ولاية سياسية عامة جائزة عقلا و شرعا فالأصل في الأحكام الإباحة ما لم يرد دليل يحرم وهو ما ينعدم وجوده في هذا الباب.تحياتي

الحسيني

Published in: on أغسطس 5, 2007 at 10:03 ص  اكتب تعليقُا  

The URI to TrackBack this entry is: https://alhousseiny.wordpress.com/2007/08/05/%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b1%d8%a3%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%88%d9%84%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b8%d9%85%d9%89-1/trackback/

RSS feed for comments on this post.

أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: