المنزلة بين المنزلتين (3)

 

البعد السياسي لأصل المنزلة بين المنزلتين

يخلط البعض خلطا غير محمود بين قضيتين هما: فعل الكبيرة وارتكاب الكبيرة ويرادفون بينهما مرادفة تطابقية على ما بينهما من بون شاسع أوضحه بإيجاز شديد فيما يلي:

أولا: فعل الكبيرة

لفظ “الكبيرة” هو مفرد كلمة “كبائر” والكبائر بمفهومها الواسع تشمل العظائم والمثقلات مما نهى الله عنه كالقتل بغير حق والإفساد في الأرض والعهر والإجرام وخيانة الأمانة وغير ذلك. المقصود بقولنا “فعل الكبيرة” أي الإتيان بها لمرة أو مرتين مثلا كمن يسرق مرة أو مرتين أو حتى ثلاث مرات. إن فاعل الكبيرة آثم ولا شك ولكن إثمه دون إثم مرتكب الكبيرة.

ثانيا: إرتكاب الكبيرة

لفظ “ارتكاب” يوحي بركوب الشيئ أي أن مرتكب الكبائر ليس من يفعل الكبيرة لمرة أو مرات محدودة ولكنه من يركب الكبائر ويطوعها ويمسك بقيادها فلا يطلق تعبير “مرتكب” الكبيرة إلا على المصر عليها المداوم لفعلها والمستحل لها بوعي منه أو بدون وعي.

ولذلك يجب أن ينتبه المرء إنتباها شديدا إلى أن المعتزلة إذ تبحث في جزاء الكبائر الأخروي والدنيوي فإنها تقصد “مرتكب” الكبائر المصر عليها وليس “فاعل” الكبائر سهوا أو خطأ أو ضعفا لمرة أو مرتين. وإذ يحاول مرتكبو الكبائر وأعوانهم والعوام من أهل الحشو إستثارة الناس ضد المعتزلة بطريق التدليس والخداع بالخلط بين “فعل” و “ارتكاب” الكبائر توضح المعتزلة توضيحا لا لبس فيه ولا غموض أن الخصم الذي رتب القرآن الكريم له الخلود في النار إن مات دون توبة هو “مرتكب” الكبائر المصر على فعلها المداوم على القيام بها أما من ألم بفعل كبيرة ما لمرة أو مرتين ثم أفاق من غفلته وندم واستغفر فعسى أن يكون مشمولا بقوله تعالى:

(الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ…) (النجم : 32)

نكون قد وصلنا الآن لتكوين صورة أكثر وضوحا لأصل المنزلة بين المنزلتين هي أن البحث إزاء تلك القضية يدور في المقام الأول والرئيسي حول “مرتكب” الكبيرة وليس مجرد “فاعل” الكبيرة وقد عرفنا الفارق بين مفهوم ارتكاب الكبائر وفعلها. يدور البحث بعد ذلك حول مسألتين متعلقين بمرتكبي الكبائر هما أولا: الإسم الذي يطلق على مرتكب الكبيرة من أهل القبلة في الدنيا هو اسم الفسوق أي أنه ليس مؤمنا وليس كافرا بل هو في منزلة بين الإيمان والكفر هي منزلة الفسق والعصيان. ثانيا: الجزاء الأخروي لمرتكب الكبيرة من أهل القبلة في الآخرة هو الخلود في النار في دركة أخف من دركة الكافر .

الكبائر السياسية

إن الباعث الأكبر للبحث في مسألة مرتكبي الكبائر من حيث وضعهم الدنيوي والأخروي هو ظهور نمط جديد من فعل الكبائر يقوم على “الإستمرار” في إحداثها و “الإصرار” عليها وعلى رأس تلك الكبائر تأتي “الكبائر السياسية”. حينما يسمع المسلم العادي لفظ “كبيرة” ينصرف ذهنه مباشرة وبسرعة شديدة إلى كبائر ما بين الفخدين كالعهر والزنا واللواط والسحاق وغير ذلك من الجرائم الجنسية. وقد يفكر كذلك في كبائر السرقة أو الكذب أو غير ذلك. إن كل الجرائم السابقة تعتبر كبائر ولا شك ولكن حديثنا يدور عن الجرائم المؤسسة على قواعد السياسة وما تسمح به فهناك فارق كبير بين أن يسقط إنسان في كبيرة الزنا في لحظة ضعف وإنسان آخر اتخذ من الزنا منهجا في حياته يمارسه أنى شاء متى شاء وهناك فارق بين هذا الأخير والحاكم الذي يسمح بوجود تنظيم لممارسة العهر والبغاء Prostitution بطرق قانونية ومؤسسية. إذا كان الأول هو مجرد فاعل لكبيرة فإن الثاني هو مرتكب لكبيرة أما الثالث فهو مرتكب لكبيرة أكبر وأشد وهكذا. إذا أضفنا إلى كبيرة العهر كبائر أخرى كتشريع يسمح بحرية بيع وشراء وتعاطي المسكرات والمخدرات علمنا معنى إرتكاب الكبائر. فإذا أضفنا إلى ذلك السجل الأسود قائمة أخرى سوداء تبدأ بالفساد السياسي والمالي وتنتهي بجرائم ضد الإنسانية فهم من لا يريد الفهم مغزى كلام المعتزلة عن حكم مرتكبي الكبائر. إن الحكام الظالمين الذين يرتكبون تلك الكبائر أو يسمحون بإرتكابها لهم فساق وعصاة لا يسمى أي منهم مؤمنا كما لا يسمى كافرا بل هو مسلم فاسق / عاصي هذا في الحكم الدنيوي أما في الآخرة فقد حكم الله عليهم بالخلود الأبدي في النار إن ماتوا على فسقهم دونما توبة جزاءا لهم بما كسبت أيديهم.

الخلاصة
أصل المنزلة بين المنزلتين يبحث المسائل المتعلقة بمرتكبي الكبائر من حيث الحكم الدنيوي والأخروي. أما حكم مرتكب الكبيرة في الدنيا فهو الفسق وأما جزاؤه الأخروي فهو الخلود الأبدي في النار إن مات دون توبة. إن أكبر الكبائر مما يرتكبه الفساق هي الكبائر السياسية نظرا للفارق الكبير بين إمكانات وصلاحيات الحاكم وإمكانات وصلاحيات المحكوم وعلى قدر المكانة يكون العقاب. إن المعتزلة لم تقصد في بحثها هذا فئتين من الناس الأولى: فاعلي الكبائر والثانية: مرتكبي الكبائر التائبين باطنا ـ وهو ما لا يعلمه إلا الله ـ وظاهرا بإعادة الحقوق لأصحابها وبالتكفير عن كبائرهم بالحدود الشرعية التي أنزلها الله في كتابه.

تحياتي القلبية

الحسيني

Published in: on أغسطس 5, 2007 at 10:54 ص  اكتب تعليقُا  

The URI to TrackBack this entry is: https://alhousseiny.wordpress.com/2007/08/05/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d8%b2%d9%84%d8%a9-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d8%b2%d9%84%d8%aa%d9%8a%d9%86-3/trackback/

RSS feed for comments on this post.

أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: