حكم المشاركة السياسية في نظام سياسي جائر (1)

علمنا فيما سبق من بحوث بوجود ثلاثة مناهج للعمل السياسي في ظل وجود نظام سياسي جائر سواء كان نظام حكمه برلمانيا أم رئاسيا أم شبه رئاسي: (الأول) هو تيار العنف السياسي والذي تم رصده من خلال جماعات مختلفة في دول مسلمة مختلفة كجماعة الجهاد في مصر أو جبهة الإنقاذ في الجزائر أو حركة النهضة في تونس. (الثاني) هو تيار المشاركة السياسية التشريعية أو التنفيذية أو المحلية والذي تم رصده من خلال جماعات مختلفة في دول مسلمة مختلفة كجماعة الإخوان المسلمين في مصر والأردن وحزب العدالة والتنمية في المغرب وحزب الفضيلة في تركيا وغير ذلك. (الثالث) هو التيار المعتزل للعنف السياسي والمشاركة السياسية على حد سواء، إعتزالا غير سلبي كالإنسحاب من الحياة السياسية ولكنه إعتزال إيجابي من خلال المعارضة السياسية المدنية. أفضل نموذج لهذا التيار على مستوى الإتساع الشعبي نجده في جماعة العدل والإحسان في المغرب وهي جماعة ذات أصول أشعرية صوفية يتبع أفرادها المذهب الفقهي المالكي كسائر أفراد أهل المغرب العربي. وقد علمنا في رسالة سابقة الحكم الشرعي للتيار الأول وهو التحريم وسوف يدور بحثنا الشرعي اليوم حول تأصيل الحكم الشرعي للتيار الثاني، ذلك التيار القابل لمبدأ المشاركة العامة السياسية تحت إمرة مؤسسات حكم جائرة وذلك من خلال النظر في أدلة العقل والكتاب والرسول.

أولا: دليل العقل

إنطلاقا من مبدأ التحسين والتقبيح العقليين يحكم العقل الصريح بقبح الظلم وحسن العدل والقسط. وإذا كان الظلم الفردي قبيحا قطعا فالظلم الجماعي أقبح لما فيه من قبح ذاتي ولما فيه من إضرار بعموم الأفراد. إن ما يرتكبه النظام السياسي الجائر من موالاة لأعداء الأمة وقمع للأبرياء من أبناء الأمة وتعطيل القانون الجنائي الشرعي ونهب ثروات الأمة من ناحية وإهدار ما تبقى من موارد منهوبة بسوء التخطيط وسوء الإدارة من ناحية أخرى وإخلال ميزان الأولويات والسماح بإنتشار المجون من فنون خليعة وزنا وخمور وإهدار طاقات المجتمع والتعسير على المواطنين في الإجراءات وعدم العدل في الرعية وعدم القسمة بينهم بالسوية وتفضيل ذوي المصالح على عموم المواطنين من خلال المحسوبية وعدم تدويل العمل العام بل تخصيصه وتجميده عند أفراد بأعينهم والشمولية في الحكم والزج بالأبرياء في غياهب السجون وتعذيبهم وصفعهم على وجوههم وركلهم بالأقدام وضربهم بالعصي وكي ظهورهم بالنار وإستباحة أعراضهم وكرامتهم الإنسانية والإعتداء على مملوكاتهم بالمصادرة والحجز والتخريب والنهب وهذا كله مع الأبرياء وصفوة المجتمع في الوقت الذي لا يلاحق فيه المجرمون فتتفشى الجرائم الإجتماعية كالسرقة والنهب والتزوير والرشاوى وغير ذلك والجرائم الأخلاقية والجنائية كالقتل والبلطجة والعهر واللواط ومعاقرة الخمور والمسكرات والمخدرات وهذا كله قليل من كثير وغيض من فيض لهو دليل على المظالم التي يقبحها العقل المطلق ويقبح فاعلها ومن والاه ويرتب لهم حكما شرعيا تكليفيا هو التحريم والإثم والذم. إن أي نظام سياسي مهما كان شكله وأي نظام حكم مهما كان اسمه يسمح بالقليل مما مضى أو حتى بأمر واحد منه لهو نظام جائر ظالم يحكم بغير ما أنزل الله فالله أنزل الميزان ليقوم الناس بالقسط:

(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ…) (الحديد : 25)

ولكن ذلك النظام عطل الميزان وقهر الأنام وأطلق اللئام وقضى في المجتمع على الوئام وبدد في رؤوس الناس الأمال والأحلام فياله من نظام ظالم غارق في الآثام. إننا حينما نطلق من العقل المطلق المجرد نجده يقضي بأن الظلم قبيح وأن معاونة الظالم أو مشاركته أو معاونته أو الإئتمار بأمره أو الولاية السياسية من قبله لمما يحرم شرعا أولا بدلالة العقل ثم بعد ذلك بدلالة النقل كما نرى فيما يأتي من نصوص.

ثانيا: دليل الكتاب

القرآن الكريم هو كتاب الله الكريم وهو الذكر الحكيم والصراط المستقيم، فيه نبأ من خلفنا وخبر من بعدنا وحكم ما بيننا، من تركه من جبار قصمه الله ومن طلب الهدى في غيره أضله الله. القرآن الكريم يؤكد ما حكم به العقل القطعي من قبح الظلم والظالمين وتحريمهما من خلال آيات كثيرة عديدة يعرفها العام والخاص والسائرون والركبان والقاصي والداني، ولذلك أكتفي بعرض آيتين شريفتين تكيفان الحكم الشرعي تجاه الحاكم الجائر ـ بدخوله في جملة الظالمين ـ لما نحن بصدده من الحديث في فقه السياسة الشرعية. يقول الله عز وجل:

(وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ) (هود : 113)

القاعدة الأصولية تنص على أن (النهي المطلق يفيد التحريم) وقد اشتمل قوله تعالى (لاَ تَرْكَنُواْ) على نهي مطلق بأداة النهي “لا” والتي تعرف في اللسان بـ “لا الناهية”. وإذا كانت الآية تقضي بحكم شرعي تكليفي هو “تحريم” الركون إلى الذين ظلموا فما بالنا بما هو أسوأ من “الركون” مثل الخضوع والموالاة والإئتمار بأمرهم والإنتهاء بنهيهم وغير ذلك؟ كل ذلك وغيره يحرم من باب أولى. ومن ناحية أخرى نجد التوصيف القرآني “الذين ظلموا” أي الذين فعلوا ظلما مرة أو بعض مرة فما بالنا بـ “الظالمين”؟ ألا يحرم الركون إليهم من باب الأولى كذلك؟

(… وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ) (الكهف : 28)

وإذا كان البعض يجادل بأن النهي عن الركون إلى الذين ظلموا لا يدل بالضرورة على النهي عن طاعتهم، وكان الإنسان أكثر شيئ جدلا، فتأتي الآية الكريمة التي نحن بصددها لتنهى مباشرة وبصورة قطعية عن “طاعة” الظالمين من خلال النهي القرآني “لا تطع” المتفق مع حكم العقل. تحدد الآية أوصافا معينة من قبيل: أصحاب القلوب الغافلة عن ذكر الله فهل يوجد جائر لا يغفل قلبه عن ذكر الله؟ المتبع هواه فهل يوجد جائر لا يتبع هواه؟ من كان أمره فرطا فهل يوجد جائر ليس أمره فرطا؟ إن “مفهوم” الدلالات المعنوية لألفاظ الآية ليدل بوضوح تام على دخول الجائرين في مقصودية الآية الكريمة.

ثالثا: دليل الرسول

حكم الأصل التشريعي الأول “العقل” بقبح الظلم ومن ثم بتحريمه وحكم الأصل التشريعي الثاني “الكتاب” بقبح الظلم ومن ثم بتحريمه فبماذا يحكم الأصل التشريعي الثالث “الرسول”؟ هل يملك رسول من رسل الله أن يخالف حكم العقل وحكم الكتاب؟ إن كل ما نسبه الكذابون والوضاعون لرسول الله ورسول الله منه بريء لواجب طرحه في أقرب سلة مهملات. إن الحكم الرسولي الذي تضوع منه رياحين النبوة وعرفها الشذي هو الحكم المتفق مع العقل والكتاب من حيث ـ في بحثنا هذا ـ تقبيح وتحريم الظلم عموما والظلم العام / السياسي خصوصا ولنأخذ الطائفة التالية من الآثار:

[1] (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه ، فقتله) (صحيح / المنذري / الألباني)

[2] (إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه) (صحيح / الترمذي / الألباني)

[3] ( إذا رأيت أمتي تهاب الظالم أن تقول له “إنك ظالم” فقد تودع منهم) (صحيح / أحمد / السيوطي / الهيثمي)

[4] (أربعة يبغضهم الله عز وجل: البياع الحلاف و الفقير المختال و الشيخ الزاني و الإمام الجائر) (إسناده صحيح على شرط مسلم / الألباني)

[5] (أي الجهاد أفضل قال: كلمة حق عند السلطان الجائر) (إسناده صحيح / المنذري)

[6] (وما ازداد أحد من السلطان قرباً إلا ازداد من الله بعداً) (إسناده صحيح / العجلوني)

[7] (ستة لعنهم الله وكل نبي مجاب الدعوة: الزائد في كتاب الله عز وجل … والمستحل حرمة الله …) (صحيح / الهيثمي)

من خلال تجميع تلك الطرق وغيرها مما صح إسناده ومتنه من الآثار المروية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نجد الإنسجام التام والتلازم بين “وجود الظلم” من ناحية و “تقبيحه” من ناحية ثانية و “تحريمه” من ناحية ثالثة و”توعد” الظالمين والساكتين عليهم من ناحية رابعة. هذا عن الأدلة الشرعية أما من أراد معرفة “تطبيق” أئمة أهل العدل والتوحيد لتلك المبادئ فيمكنه دراسة سير الأئمة الأعلام والقادة العظام من بعد رسول الله عليه السلام كأمير المؤمنين والإمام الحسين والإمام زيد والإمام النفس الزكية والإمام إبراهيم إبني عبد الله بن الحسن والأئة يحيى بن زيد والقاسم بن إبراهيم والهادي يحيى بن الحسين وغيرهم والفضلاء الأشمام من أصحابهم والتابعين كسعيد بن جبير العالم الهمام وكغيلان الدمشقي المخبت ذي الصيت والمقام وآخرين من المستحيل حصرهم عليهم من الله الرحمة والرضوان والسلام. انظروا كيف كانت آثارهم وكيف بدا سلوكهم وكيف قبحوا الظلم والظالمين وكيف وقف الظالمون لهم بالمرصاد فأرسلوا عليهم الأجناد يرمونهم بالنبل والعتاد ومازال الحال كما كان باد فلا حول ولا قوة إلا بالمستعان الله تعالى رب العباد.

تبرير

يطرح أنصار مبدأ المشاركة السياسية تبريرا يريدون به تعليل المشاركة السياسية في نظام الحكم الجائر بأن الهدف هو تحقيق بعض المكاسب وتكوين خبرة في كيفية الإدارة العامة فأقول لهم ولغيرهم:

أوردها سعد وسعد مشتمل ***** ما هكذا تورد يا سعد الإبل

هل ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وضع يده قبل الهجرة أو بعدها في يد أحد الجائرين من أهل الحكم في قريش أو غيرهم كي تعلم كيفية الإدارة العامة؟ ما بالنا إذا وقد أدار الرسول الكريم أعظم دولة على مر التاريخ وواصل إدارتها من بعده الخلفاء العظام والسادة الأعلام ولم يسبق لأي منهم تلقي أي ولاية سياسية عامة قبل ذلك؟ إنني أخشى أن تكون تلك التبريرات ـ على أحسن تقدير ـ من تلبيس إبليس عليهم وعلى أتباعهم. إن المسلم لا يقف ولا يتحرك إلا وفق منظومة كاملة من الأدلة الشرعية بدءا بالعقل مرورا بالكتاب انتهاءا بالرسول، هذه المنظومة تخالف بشدة ـ كما سبق ـ تلك التبريرات التي يطرحها براجماتيون مسلمون بحسن نية أو ظنا ولذا أذكرهم بقول الله تعالى (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ) (يونس : 36)

الخلاصة

من خلال استنطاق الأدلة الشرعية التي احتج الله تعالى بها على العباد وهي العقل فالكتاب فالرسول نرى تحريم المشاركة العامة السياسية تحت إمرة النظام السياسي الجائر مثل تولي المناصب الحكومية بدءا من منصب “وزير” فما فوقه أو المناصب التشريعية كالعضوية النيابية في المجالس التشريعية أو المناصب المحلية كمنصب محافظ أو رئيس مجلس مدينة أو مختار أو العضوية النيابية بالمجالس المحلية أو غير ذلك من المناصب العامة السياسية. أما المناصب العامة الغير سياسية كالقضاء والإدارة والتعليم والصحة ووكلاء الوزارة ومديري العموم ورؤساء القطاعات أو أي منصب إداري وليس سياسي مما لابد منه لقضاء مصالح المواطنين فحكمه الشرعي هو الإباحة والوجوب في موارد معينة كالقطاعات الإستراتيجية كالخدمات الصحية والتموينية والتعليمية والكهرباء والمرور وغير ذلك فجميع ذلك مما يتوجب القيام به.

الحسيني

Published in: on أغسطس 5, 2007 at 10:57 ص  اكتب تعليقُا  

The URI to TrackBack this entry is: https://alhousseiny.wordpress.com/2007/08/05/%d8%ad%d9%83%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b4%d8%a7%d8%b1%d9%83%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d9%8a%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d9%86%d8%b8%d8%a7%d9%85-%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d9%8a-%d8%ac%d8%a7/trackback/

RSS feed for comments on this post.

أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: