ضد العلمانية

[1]

يخطئ من يرادف بين العلمانية والإلحاد أو بينها وبين الكفر فالعلمانيون المؤمنون بالحل العلماني متباينون فيما بينهم أي أنهم heterogen وليسوا homogen ولذا فهناك العلماني الديني والعلماني اللاديني، والعلماني الديني قد يكون مسلما أو مسيحيا أو يهوديا أو بوذيا وهكذا. الحل العلماني هو حل يهدف للفصل بين الدين والدنيا، بين الإيمان النظري والتفعيل العملي للإيمان، بين الشريعة وبين القانون وهكذا. من هذا المنطلق اختلف مع الدكتور فرج فودة. في نفس الوقت استنكر قتله فهو وإن كان علمانيا فقد كان مسلما وبفرض أنه لم يكن مسلما ولا دينيا أصلا ـ فرضا جدليا بحتا ـ فلا يجوز قتله كذلك لأن القتل حد شرعي لمن سبق وقتل وفرج فودة لم يقتل إنسانا حتى يستحق القتل وقاتله آثم ويجب قتله حدا قصاصا. أقدم بهذا بين يدي التأكيد على اختلافي مع الدكتور فرج فودة فكريا بصورة تامة فهو من أنصار الحل العلماني وأنا من أنصار الحل الإسلامي، الحل الإسلامي القائم على منهج العدل والتوحيد. على المستوى السلوكي كان دائم البسمة لطيف الكلمة مع الآخرين بعكس كثير من الإسلاميين للأسف الشديد الذين يلقون الناس بوجه عابس وكلم منفر علما بأن البر شيئ هين: وجه طلق ولسان لين. وقد كان فرج فودة ذا وجه مستدير طلق ولسان لين ولا شك. على المستوى الفكري كان الرجل صاحب فكر أتفق أو أختلف معه ومع غيره فيه كالأساتذة محمد خلف الله ونوال السعداوي وعاطف العراقي وفؤاد زكريا ومراد وهبة وغيرهم. الفكر يجب أن يواجه بالفكر ويجب أن تبرز قوة الحجة وليس حجة القوة في مواجهة الفكر. كان لي نقاش بالأمس مع أحد المسلمين حول قضية علم الله وبدلا من تقديمه للحجج التي تؤيد طروحاته التقليدية إذا به وقد تعصب وانتفخت أوداجه علما بأنه من المتفتحين عقلا فما بالك بأهل الإنغلاق؟ لقد سبق لي وتعرضت للقتل مرتين مرة على أيدي السنة بسبب تفضيل أمير المؤمنين عليه السلام ومرة على أيدي الشيعة بسبب نفي فكرة المهدي المنتظر. لقد كاد هؤلاء المغفلون الذين يزعمون الإنفتاح الفكري أن يقضوا على حياتي لولا لطف الله تعالى وأنا لست بالعلماني ولا الملحد فما بالك بما قد يفعله أولئك وغيرهم مع هؤلاء؟

[2]

العلمانية ليست اللا دينية فهناك العلماني الديني وهناك العلماني اللاديني. إننا حينما نتحدث بلغتنا العربية عن مصطلح “العِلْمَانية / العَلْمَانية / العَلَمَانية” فإن مقابل ذلك في اللغة الإنجليزية مثلا مصطلحان الأول هو اللائكية (laicity) والذي يعني: نظرية سياسية ترمي لفصل السياسة والدين بهدف الترويج للحرية الدينية والثاني هو السيكيولاريزم (secularism) والذي يعني: تقليل أهمية الإيمان الديني في الحياة اليومية للأفراد. هذا هو التقسيم الذي يبين الفارق الدقيق جدا بين مفهوم laicity ومفهوم secularism كما هو سائد في الوعي الفكر ـ ثقافي الغربي. ماذا عن “العلمانيين” المصريين مثلا: هل يتسع مفهوم “العلمانية” عندهم ليشمل المفهومين السابقين معا دون مراعاة للفارق اللغوي ذي الدلالة المعنوية الدقيقة أم أنهم يقصرونه ـ مفهوم العلمانية ـ على أحد المفهومين السابقين دون الآخر وما هو في هذه الحالة؟ أم أن المفهوم عندهم له دلالات أخرى غير دلالات المفهومين السابقين؟من منظوري الإسلامي أرفض المفهومين الغربيين معا. بالنسبة لللائكية فإن “الحرية الدينية” أمر مطلوب عقلا وقد جاء النقل بتقرير ذلك من خلال قول الله تعالى (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) (البقرة : 256) وهو الأصل السادس من أصول المعتزلة عندي إضافة للأصول الخمسة التاريخية. الحرية الدينية وحرية المعتقد أمر مطلوب لصحة التكليف. لكن هل لابد من “فصل” السياسة عن الدين لتحقيق الحرية الدينية؟ اللائكيون يجيبون بنعم وأنا أجيب بالنفي. وسيكون لي مع هذه النقطة تحديدا وقفة عند الحديث بشأنها في مجال السياسة الشرعية والأقليات الدينية. أما بالنسبة للسيكيولاريزم فإنها تقوم على تقليل أهمية الإيمان الديني في الحياة اليومية للأفراد. لا أقبل ذلك الهدف أيضا بل أدعو أولا لإقامة صرح شامخ من الإيمان القويم على أساس التوحيد والعدل العقليين ثم تفعيل ذلك الإيمان وتنزيله إلى الحياة اليومية للأفراد من خلال المسالك المؤسسية لتتحقق ثمرة الإيمان في المعاملات الأكمل والسلوك الأرقى. أختلف إذن معى “مفهومي” أو “شقي” العلمانية لأنني أجد من خلال المنهج الإسلامي المتكامل “الإيمان / الشريعة / السلوك” ما يحقق إنسجاما تاما بين “الروح” و “المادة”.

من هنا يأتي إختلافي ـ الفكري بطبيعة الحال ـ مع الدكتور فرج فوده  من ناحية والمنظومة الفكرية للعلمانية من ناحية أخرى. ذلك الإختلاف الفكري لا يعني الرضاء بما وقع للدكتور فودة بل على العكس الإستنكار التام لما وقع. في مجال الفكر يجب أن يسود سلاح واحد وواحد فقط هذا السلاح هو العقل وليس الإرجاف المادي أو المعنوي.

 [3]

الفريق الذي يمثل التيار الإسلامي يطمح للحكم وهذا حقه

صدق الدكتور فودة فالحكم ليس إقطاعية يتوارثها أفراد بأعينهم وإنما هو تكليف عام من حق كل فرد من أفراد الأمة الإضطلاع به والأمل معقود أن يتم تداول هذا الحق بالطرق المؤسسية الشرعية. إن قيام الحاكم بحجز الحكم عنده وعدم تمريره للباقين هو العمل الذي يفرز التنظيمات السرية والعنف والإرجاف Terrorism. أما لو كان تداول السلطة متاحا فإن ثمرة ذلك سيكون السلام ومن ثم التقدم والإزدهار.

ماذا يفعلون لو حكمونا غداً؟ شغل الدولة وإدارتها يحتاج لنظام حكم.

الرؤية الأولية واضحة ويلزم التمييز بين النظام السياسي من ناحية وشكل الدولة من ملكية لجمهورية. الإسلاميون يرفضون النظام السياسي الذي يقوم على الملكية ويصبون لنظام سياسي جمهوري فعلي وليس جمهوريا في الظاهر وملكيا في الباطن. أما نظام الحكم فهناك النظام الرئاسي كما هو الحال في أمريكا وهناك النظام البرلماني كما هو الحال في بريطانيا. أما النظام الثالث فهو الشبه رئاسي والذي نجد له تطبيقا في فرنسا مثلا. كما نرى أثبتت الأنظمة الثلاثة نجاحا تاما في الدول الثلاث مما يجعل إختيار نظام واحد منهم أمرا عسيرا. المهم إذا ليس “شكل” النظام ولكن فعاليته.

هل لديهم نظام حكم معين محدد التفاصيل؟

لقد ذكر النظام السياسي الجمهوري ونظام الحكم البرلماني ـ مثلا ـ أما الباقي فيأتي من خلال العمل المؤسسي كلجنة اعداد الدستور والتي تتولى اعداده بما يتفق والقرآن الكريم ثم يتم عرض بنوده على الشعب بند بند. هناك محكمة دستورية عليا للنظر في مدى دستورية القوانين و هناك برلمان يقوم بالتشريع العام وفق الدستور وهناك مجالس محلية وهناك هيئات تنفيذية. المهم هو اتاحة الفرصة للعمل والذي يرغب في الإصلاح فحتما سيجد طريقا للإصلاح. إن مطالبة الإسلاميين بتشريعات جاهزة كقانون عام دستوري وإداري ومالي ودولي وكقانون خاص كمدني وتجاري وغير ذلك إنما يتم من خلال العمل المؤسسي الجمعوي الشوري أي من خلال البرلمان وليس من خلال فرد أو مجموعة أفراد. إن الدكتور فرج فودة نفسه لم يكن لديه تلك التفصيلات وكان لديه فقط “برنامج” حزب المستقبل والذي قد يصلح مثلا ليكون نواة “مشروع” دستور جديد. كل فصيل سياسي لديه برنامج مماثل فلا ميزة لأحدهم إذن على الآخر ماداموا في “العموميات” سواء.أكتفي بهذا القدر

والسلام

الحسيني

Published in: on أغسطس 5, 2007 at 10:24 ص  اكتب تعليقُا  

The URI to TrackBack this entry is: https://alhousseiny.wordpress.com/2007/08/05/%d8%b6%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d9%85%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a9/trackback/

RSS feed for comments on this post.

أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: