مراتب الإعتقاد وطرقه (1)

تنقسم مراتب الإعتقاد ـ في تصوري ـ لثلاث درجات تصاعدية هي:

– الظن البسيط

– الظن الغالب

– اليقين

أولا: درجة الظن البسيط

وردت مادة ( ظ / ن / ن ) في الكتاب في مواضع كثيرة مثل قول الله تعالى: (… فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (البقرة : 230). يرتبط الظن البسيط (اختصارا أقول: الظن) في الشريعة الإسلامية بقضايا الفروع كالشعائر التعبدية والمعاملات في تفاصيلها الدقيقة ولا يرتبط أبدا بقضايا الإيمان. الطريق الأشهر لنقل الشرائع “المظنونة” ظنا بسيطا هو ما يعرف بأخبار الآحاد. يقسم المشتغلون بعلوم الحديث الأخبار ـ حسب طرقها ـ الى متواترة وآحاد، ويقسمون أخبار الآحاد إلى ثلاثة أقسام ـ عادة ـ هي الغريب والعزيز والمشهور. الخبر الغريب هو ما انفرد بروايته راو واحد فقط في طبقة واحدة على الأقل من طبقات السند، فإن كان المنفرد بروايته هو الصحابي يسمى غريبا غرابة مطلقة وإن كان المنفرد هو من دون الصحابي يسمى غريبا غرابة نسبية. أما الخبر العزيز فهو ما رواه راويان اثنان في طبقة واحدة على الأقل من طبقات السند. والخبر المشهور هو ما رواه ثلاثة رواة في طبقة واحدة على الأقل من طبقات السند. إضافة لهذه الأنواع الثلاثة أضيف نوعا رابعا أسميه “المنتشر” ـ وهو غير “المستفيض” عند المحدثين ـ وأعرفه على شرطي بأنه ما رواة أكثر من ثلاثة رواة في طبقة واحدة على الأقل من طبقات السند. هذا النوع الذي أسميته “منتشرا” يسميه علماء الحديث “متواترا” وهذا خطأ منهم لأن من شروط المتواتر ألا يكون محددا بعدد معين، فإن حددنا حده الأدنى بأربعة فأكثر فقد خرج عن شرط التواتر.

الخلاصة: نصوص الآحاد أربعة أقسام هي الغريب والعزيز والمشهور والمنتشر وجميعها تفيد الظن البسيط ويعمل بها في مجال فروع العبادات والمعاملات ولا يعمل بها في مجال أصول العبادات والمعاملات.

ثانيا: درجة الظن الغالب

ربما يكون هذا الظن الغالب هو المقصود بقول الله تعالى: (وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ. الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (البقرة : 54 – 46)، ومن ثم تدل مادة ( ظ / ن / ن ) في الكتاب على نوعي الظن: الظن البسيط والظن الغالب. الظن الغالب وإن كان أعلى من الظن البسيط إلا أنه أدنى من اليقين، وإذا كانت نصوص “الآحاد” طريقا مفضيا للظن فإن “التواتر” طريق يفضي للظن الغالب ـ وليس اليقين كما يعتقد العوام ـ وإذا كان حد الآحاد “الأدنى” هو “واحد” وحده “الأقصى” غير معرف nicht definiert فإن الحدين الأدنى والأعلى للمتواتر غير معرفين، فالتواتر هو “التتابع” وهو مأخوذ من تواتر المطر أي تتابع بغزارة ولذلك فإن التواتر له شروط هي:

(1) حداه الأدنى والأقصى غير معرفين

(2) التتابع الطولي

(3) التتابع العرضي

(4) التتابع الرأسي أي: الغزارة.

هذا وقد دل القرآن على التواتر من خلال قول الله تعالى: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِّقَوْمٍ لّا يُؤْمِنُونَ) (المؤمنون : 44)، وطبيعي أن عدد “الرسل” لم يحدده القرآن لنتعلم من ذلك أحكام التواتر: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ…) (غافر : 78). هناك علاقة بين “التواتر” و “الوتر” فالمتواتر هو عبارة عن “أوتار” أي “آحاد” متتابعة تتابعا طوليا وعرضيا بغزارة غير معدودة. يعتقد العوام وكثير من الخاصة ـ للأسف الشديد ـ أن التواتر يؤدي لليقين وهذا خطأ فاحش. الصواب هو أن التواتر يؤدي إلى الظن الغالب وليس إلى اليقين. مثال: هناك خبر متواتر يقول أن رائد فضاء أمريكي يدعى نيل أرمسترونج هبط عام 1969 على سطح القمر فهل يؤدي هذا التواتر إلى اليقين بحدوث ذلك؟ إننا متيقنون من وجود “القمر” ومن وجود “أمريكان” لكن لا يمكن أن نتيقن أن “أمريكان” هبط على سطح “القمر” ولكن يغلب ذلك على ظننا فقط. إذا بحثنا في النصوص والأفعال عن المتواتر ـ بناءا على شروطه ومعاييره ـ وجدناه ـ في ديننا ـ محصورا في أولا: القرآن الكريم. ثانيا: السنن العملية كالصلاة والحج وغيرهما. أما القرآن فيدل على شيئين أولهما: فروع الإيمان، ثانيهما: أصول الشرائع. وأما السنن المتواترة فتدلنا فقط على “التطبيق العملي” للشرائع.

الخلاصة: المتواتر لا يفيد “الظن” كما أنه لا يفيد “اليقين” ولكنه يفيد شيئا وسطا بينهما هو “الظن الغالب”. المتواتر قسمان هما القرآن الكريم والسنن العملية. أما القرآن فيحتوي على “أصول” العبادات والمعاملات و”فروع” الإيمان وأما السنن العملية فتدل على ” التطبيق العملي” للعبادات والمعاملات.

الحسيني

Published in: on أغسطس 5, 2007 at 9:40 ص  اكتب تعليقُا  

The URI to TrackBack this entry is: https://alhousseiny.wordpress.com/2007/08/05/%d9%85%d8%b1%d8%a7%d8%aa%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b9%d8%aa%d9%82%d8%a7%d8%af-%d9%88%d8%b7%d8%b1%d9%82%d9%87-1/trackback/

RSS feed for comments on this post.

أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: