مراتب الإعتقاد وطرقه (2)

الإعتقاد كلمة مشتقة من فعل “عقد” أي: ربط، فالإعتقاد هو الشيئ المعقود أو المربوط بما يدل على الثبات والمنعة، وهو درجات أدناها هو الظن بمعناه الإيجابي وأوسطها هو الظن الغالب وأعلاها هو اليقين. رأينا فيما مضى أن نصوص الآحاد بأقسامها الأربعة ـ وجميعها اصطلاحات بشرية يجوز التصرف فيها وليست مفاهيما قرآنية ثابتة ـ الغريب والعزيز والمشهور والمنتشر تفيد مجرد الظن أي الحد الأدنى من درجات الإعتقاد ولذلك يعمل بها في مجال فروع الفروع، فالتشريع ـ عبادات ومعاملات وأخلاق ـ مثلا من الفروع وهو ينقسم بدوره إلى قسمين: أصول الشريعة وفروع الشريعة، فيعمل بنصوص الآحاد في فروع الشريعة إن كانت تلك النصوص صحيحة بالشروط التي وضعها علماء التوحيد والعدل، أما أصول الشريعة فلا يعمل فيها إلا بالمتواتر. أما القرآن فهو النص المقروء الذي دل العقل على أنه من عند الله ويحتوي على أصول التشريع وفروع الإيمان، أما أصول الإيمان فلا تدرك إلا بالطرق التي سيأتي ذكرها بعد قليل بإذن الله. وأما السنة فهي القانون وهي ـ هنا ـ ما نقل عن رسول الله صلوات الله عليه بطريق التواتر من مسائل التشريع فعلا كان أم تقريرا، أمرا كان أم نهيا في الجوانب التطبيقية المختلفة. تبقى الدرجة الأعلى وهي درجة اليقين وبحثها كما يلي.

ثالثا: درجة اليقين

اليقين هو أعلى درجات الإعتقاد وأرقاها وأعظمها شأنا وهو الصفة التي تتطلبها أصول الإيمان، إذ الإيمان أصول وفروع، فأصول الإيمان ينبغي أن تكون مبنية على اليقين بأحد طريقيه التي سنتحدث عنها بتوفيق الله. إذا كان “الظن” هو ثمرة نصوص “الآحاد”، و “الظن الغالب” هو ثمرة “المتواتر” فإن اليقين هو ثمرة “العلوم الضرورية” أو “الإستدلال العقلي”. أقدم فيما يلي كلمة موجزة عن العلوم الضرورية ـ والفرق بينها وبين العلوم النظرية ـ من ناحية والإستدلال العقلي من ناحية أخرى.

[1] العلوم الضرورية
تنقسم العلوم / المعارف إلى قسمين العلوم الضرورية والعلوم النظرية. أما العلوم الضرورية فهي العلوم التي لا يختلف بشأنها إثنان فأكثر من العقلاء كالعلم بالموجدات علما حسيا مبنيا على وسائل الإدراك المادي من سمع وبصر ولمس وشم وتذوق كالعلم بوجود الشمس والقمر والليل والنهار، فلا يختلف أحد من العقلاء ـ من أصحاب الأديان أو من الملحدين ـ على أن هناك إنسان وحيوان ونبات وجماد على سبيل المثال. والعلوم الضرورية تنقسم بدورها إلى قسمين: الضروري الكوني والضروري العقلي. أما الضروري الكوني كالعلم باختلاف الليل والنهار وبأن الأسد حيوان بري بينما الحوت حيوان مائي وهكذا. أما الضروري العقلي فهو أقسام منها ما يلي:

(1) العلم بالنفس وأحوالها من حيث الشبع والجوع، الصحة والسقم وهكذا.

(2) العلم بالمشاهد وتمييزه: هذا فلان، وذاك فلان.

(3) العلم بالبديهيات: العشرة أكبر من الخمسة والواحد أقل من الإثنين وهكذا.

(4) العلم بالإحصاء الدائر أو القسمة الدائر مثل إحصاء احتمالات الممكن: زيد إما في الدار وإما في مكان آخر، إما حيا وإما ميتا وهكذا.

(5) العلم بالخبرة والتجربة: الزجاج ينكسر، والبنزين يشتعل.

(6) العلم بتعلق الفعل بفاعله كأن يعلم أن كل فعل له فاعل.

(7) العلم بالأمور الجليلة قريبة العهد كأن يعلم ماذا أكل وشرب ولبس ورأى بالأمس مثلا.

(8) العلم بمقاصد الخطاب وتمييزه فإن أمره أحد بالجلوس مثلا فلا يفهم عكس ذلك.

(9) العلم بحسن الحسن وقبح القبيح وأن يميز بينهما كالعلم بحسن العدل وقبح الظلم.

وهكذا تؤدي العلوم الضرورية ـ كونية كانت أم عقلية ـ إلى درجة اليقين بينما تؤدي العلوم الأخرى ـ انظر النقطة التالية ـ إلى الظن بقسميه: البسيط والغالب. العلوم الضرورية يتساوى العقلاء في إدراكها أيا كان توجههم الديني أو الثقافي بينما العلوم الغير ضرورية ـ مهما كانت دقتها ـ لا يتساوى الناس في إدراكها إلا بالنظر والتحصيل والتفكر ولذلك تسمى علوما نظرية – النظر ليس البصر وليس الرؤية – فالنظر هو إعمال العقل في المنظور لتحصيله في وقت محدد أو غير محدد، ولذلك يختلف البشر في تحصيل العلوم النظرية بإختلاف قدراتهم الذهنية والعصبية والنفسية والبيئية والشخصية وغير ذلك. إن كان العقلاء جميعا متساويين في التمييز بين الشمس والقمر والنمر والعصفور فهم غير متساويين مثلا في التمييز بين الدالة الأسية والدالة اللوغاريتمية في مجال علم الرياضيات ولا التمييز بين مساهمات ماكس بلانك ومساهمات فيرنر هايزنبرج في الميكانيكا الكمية في مجال علم الفيزياء، ولكن فقط الذين حصلوا هذين العلمين هم القادرين على إدراك ذلك وتمييزه. قد تؤدي العلوم النظرية لليقين بناءا على مناهج الإستدلال العقلي السليم ولكنه يبقى يقينا جزئيا أي عند أصحابه فقط وذلك على عكس العلوم الضرورية التي تحدث يقينا راسخا لدى العقلاء.

[2] الإستدلال العقلي
العقل هو الربط وله عناصر هي: المربوط والمربوط به والرابط. إن انطلقنا من الكون المشاهد لنبحث ظاهرة “المذنبات” كمذنب هالي على سبيل المثال فإننا نريد أن نربط تلك الظاهرة الكونية بمسببها أو محدثها ويكون عندنا منهجا ربطيا معتمدا من رياضيات وفيزياء وغير ذلك فإننا نسمي ذلك المنهج الكلي بالمنهج الإستدلالي. الإستدلال مشتق من الدليل والدليل هو الإثبات والبرهنة لفرضية ما فالإستدلال إذا عبارة عن إقامة الدليل على فرضية ما. إذا تركنا مجال العلوم الطبيعية وانتقلنا إلى مجال العلوم الإلهية Theologie فإننا نضع الفرضية الآتية: “هناك إله موجد لهذه الموجودات التي ندركها بالضرورة” ونحاول ـ كمؤمنين ـ إقامة الدليل على “صحة” تلك الفرضية، كما يحاول الماديون مثلا إقامة الدليل على “خطأ” تلك الفرضية وهذا المنهج هو المنهج الإستدلالي. إذا أخذنا مثالا لبحثنا فليكن مثلا الربط بين قضيتين هما “الله” و”الموجودات” والعلاقة ـ الإفتراضية ـ بينهما هي كون الله “بارئ” الموجودات أي: خالقها من العدم. أما “الموجودات” فعلمنا بها ضروري كما علمنا ولكننا لا نعلم بوجود الله بالضرورة وإلا لتساوى جميع العقلاء في ذلك كما تساووا في إدراك الموجودات ضرورة. الله ليس مادة حسية خاضعة للرصد “الضروري” وإلا لأدركه المؤمن والملحد بنفس درجة إدراكهما الشمس مثلا. ولما كان الله “بائنا” عن الكائنات المادية ـ أي مختلفا عنها ـ فإدراكه لن يتم “ضرورة” وإنما “إستدلالا” باستخدام مناهج الإستلال المختلفة من “عقل” أو “كتاب” أو “رسول”. إلا أن الفارق بين “الضروري” و”الإستلالي” يظل قائما كون أن الإدراك الضروري يفيد اليقين الكلي بينما يفيد الإدراك الإستدلالي اليقين الجزئي.

الخلاصة

[1] درجات الإعتقاد ثلاثة وهي ـ وفق الترتيب التصاعدي ـ كالتالي: الظن / الظن الغالب / اليقين. ولما كان اليقين ينقسم إلي قسمين كلي وجزئي فيمكننا إعادة ترتيب درجات الإعتقاد ـ تصاعديا كذلك ـ وفق سلم رباعي الدرجات هو: الظن / الظن الغالب / اليقين الجزئي / اليقين الكلي. كما أنه يمكننا كذلك إعادة ترتيب درجات الإعتقاد ـ تصاعديا ـ وفق سلم خماسي الدرجات هو:- الظن- الظن الغالب الجزئي

– الظن الغالب الكلي

– اليقين الجزئي

– اليقين الكلي.

الإختلاف التبويبي هو اختلاف يسير لزيادة الإيضاح ولإحداث نوع من “الإتصالية” Stetigkeit المعروف في علم الرياضيات وبالتحديد في نظرية الدوال المتصلة والمنفصلة. من ناحية أخرى يظل الباب مفتوحا لتغيير أسماء أو مصطلحات البحث وإن كان استخدام المفردات القرآنية مثل مادة “ظن” أو مادة “أيقن” يبقى الإستخدام الأفضل. أما المصطلحات البشرية مثل “جزئي” و”كلي” فتهدف للإيضاح والتدقيق في التمييز بين المفاهيم.

[2] كما أن “درجات” الإعتقاد ـ وفق تصوري المقترح ـ خمسة، فإن “الطرق” المفضية لتلك الدرجات هي أيضا خمسة وبيانها ـ تصاعديا كذلك ـ كالتالي: نصوص الآحاد / السنة المتواترة العملية / نص الكتاب / الإستدلال العقلي / العلوم الضرورية.

[3] العلوم الضرورية ـ بقسميها الكوني والعقلي ـ تؤدي إلى اليقين. ولما كان كل العقلاء متساويين في تحصيل تلك العلوم الضرورية وما تثمر عنه من يقين لذلك أطلقت على ثمرته تلك اسم “اليقين الكلي”.

[4] الإستدلال العقلي ـ والعلوم النظرية ـ قد يؤدي إلى اليقين كذلك. ونظرا لكون جميع العقلاء غير متساويين في تحصيله لذلك أطلقت عليه مسمى “اليقين الجزئي” أي أن فقط جزءا من العقلاء هو المحصل لذلك اليقين وليس كلهم.

[5] القرآن الكريم هو القسم الأول و الأهم من قسمي المتواتر وهو ـ من الناحية الدلالية وليس من الناحية الثبوتية ـ يؤدي إلى درجة “الظن الغالب الكلي” وقد أطلقت على درجة “الظن الكلي” ذلك الإسم لأنه يتعلق بـ “فروع الإيمان” كما يتعلق علاوة على ذلك بـ “أصول التشريع” تعلقا نظريا.

[6] السنة المتواترة تؤدي إلى درجة “الظن الغالب الجزئي” وقد سميته بذلك الإسم لأنه يتعلق فقط بـ “أصول التشريع” تعلقا عمليا بينما لا يتعلق بـأي من “فروع الإعتقاد” بله أصوله وفق رؤيتي لمنهج التوحيد والعدل المعاصر.

[7] النصوص التي وردت بطريق الآحاد تؤدي فقط للظن البسيط المتعلق بفروع التشريع.

الحسيني

Published in: on أغسطس 5, 2007 at 9:42 ص  اكتب تعليقُا  

The URI to TrackBack this entry is: https://alhousseiny.wordpress.com/2007/08/05/%d9%85%d8%b1%d8%a7%d8%aa%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b9%d8%aa%d9%82%d8%a7%d8%af-%d9%88%d8%b7%d8%b1%d9%82%d9%87-2/trackback/

RSS feed for comments on this post.

أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: