المرتكزات الإيمانية للسياسة الشرعية عند المعتزلة (5)

[9] العلم

يقصد بالعلم في هذا الجزء من بحثنا علم الله تعالى بالحوادث من أفعال غيره. ينسب الصفاتيون للمولى جل وعلى صفات “أزلية” يطلقون عليها لفظ “معاني” ويزعمون أن تلك المعاني / الصفات قامت لله تعالى منذ “الأزل” وأنها ليست هي الله وفي نفس الوقت ليست غيره!!! إضافة للغيبوبة اللامنطقية في “الإثبات” و “النفي” في نفس الوقت أشير إلى أن القول بتلك المعاني / الصفات “الزائدة” عن الذات تؤدي للقول بإفتقار الله تعالى لـ “شيئ” سوى ذاته سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا. وإضافة للتناقض والإفتقار فإن ذلك الإدعاء من الصفاتية يؤدي للقول بـ “تعدد” القدماء. من تلك المعاني / الصفات التي قامت لله منذ الأزل ـ في زعمهم ـ صفة “العلم” أي علم الله السابق والأزلي بما كان ويكون وسيكون وما لم يكن كيف يكون لو أنه كان. لم يكتف الصفاتيون بالقول بالعلم “السابق” بل أنهم حددوا حال ذلك العلم السابق بأنه “أزلي” أي قديم. ومع مفهوم “الأزل” لنا وقفة فيما يلي:

العلم “الأزلي”
كلمات مثل [ زال / يزول / زوالا / زائل / …] تعود لجذر واحد هو ( ز / و / ل ) الدال على إنتقال الشيئ عن موضعه وعدم استمراره. يقول الله تعالى:

(وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ) (إبراهيم : 36)

قوله تعالى (لِتَزُولَ) أي لتتحرك و تنتقل. هذا اللفظ إذا لا يدل على الغرض الذي نحتوه من أجل وهو الدلالة على “القدم”. وحتى يدل ذلك اللفظ على “الديمومة” والإستمرارية لابد أن يكون مسبوقا بـ “لا” أو “ما” النافية. يقول الله تعالى:

(فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (المائدة : 13)

وحتى التركيب المنفي “لا تزال” أو “لا يزال” أو “ما زال” أو غير ذلك من الإشتقاقات اللفظية المنفية لمادة “زول” لا يدل على “القدم” بل يدل على الديمومة لفترة محددة. كلمات مثل [ الأزل / أزلي / أزلية / …] وغيرها من الكلمات “المنحوته” من فعل “لا يزال” هي مصطلحات بشرية لا علاقة للقرآن الكريم بها. وهي تدل ـ إن لم تكن منفية ـ على “الإنقطاع” ولذا نجد القرآن الحكيم يخلو منها تماما فلا نجد فيه إشارة لـ “الأزل” ولا لعلم “أزلي”. الصفاتيون ابتدعوا مصطلح العلم “الأزلي” ليدل على عدم الإنقطاع فإذا بمصطلحهم ونحتهم الفاسد له يدل على عكس المقصود أي يدل على الإنقطاع. حينما يصف الحق سبحانه وتعالى ذاته فإنه لا يستخدم مصطلح “أزلي” ولا مصطلح “قديم” ولا غير ذلك من “مصطلحات” البشر وإنما يستخدم مفهوما رائعا هو مفهوم “الأول” فيقول سبحانه وتعالى:

(هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (الحديد : 3)

خلاصة هذه الفقرة هي خلو الكتاب الحكيم من كلمة (أزل) ومشتقاتها في سياق “توصيف” علم الله سبحانه وتعالى. من يأتي ليجادل بعد ذلك في إثبات “أزلية” علم الله نقول له أننا لا نطالب القرآن بحل مشاكل غير قرآنية وأن ذلك اللفظ هو “اصطلاح” بشري منحوت وليس “مفهوما” قرآنيا ملزما.

العلم “السابق”
وردت مادة ( س / ب / ق ) في الكتاب في 36 موضعا لا إشارة فيها إطلاقا إلى موضوع العلم. ولعل أقوى الآيات التي يستدل بها الصفاتيون وأهل الجبر العقدي والسياسي قوله تعالى:

(لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (الأنفال : 68)

حيث فسروا ـ بأهوائهم ـ كلمة “كتاب” على أنها “العلم”. أو قوله تعالى:

(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ) (هود : 110)

حيث فسروا ـ بأهوائهم ـ لفظ “كلمة” على أنها “العلم”. أقول بداية أن كلمة “سبق” ومشتقاتها غير مقترنة بالأزلية / القدم هذا أولا و غير مقترنة بلفظ “العلم” ومشتقاته ثانيا. إن تلك الآيات الشريفات لا تدل وتتحدث أصلا عن “العلم” بل تتحدث عن عدم معاجلة الله المذنبين بذنبهم لوجود يوم للفصل في ذلك ولذلك يقول الحق جل وعلا:

(وَمَا تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ) (الشورى : 14)

أي لولا وجود أجل مسمى للعذاب ـ إن يوم الفصل كان ميقاتا ـ لقضي بين هؤلاء في الدنيا ـ إلا من استثناه الله بالعقوبة العاجلة ـ فأين العلم الأزلي وأين العلم السابق المزعوم؟

العلم “الإحصائي”
يذكر الله “الإحصاء” في غير آية من آي الذكر الحكيم مثل قوله تعالى:

(إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا. لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا) (مريم : 93 – 94)

(يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (المجادلة : 6)

والملاحظ هو عدم إرتباط “الإحصاء” بالعلم ـ مباشرة ـ ولكن بعدِّ الأعمال والعاملين وهذا يعني إرتباطه بالعلم ضمنيا. الملاحظة الأخرى أن الإحصاء لا يستلزم بالضرورة مفهوم “السبق” بل الإحصاء هو “حصر” دقيق للعباد وأعمالهم. أي المقصود هو أن العليم جل وعلا يحيط علما بالعباد وأعمالهم وأنه يحصيهم ويحصيها بحصر شامل دقيق. لا إشارة هنا كذلك لا لعلم أزلي ولا لعلم سابق.

العلم “الإحاطي”
إذا كان لفظا العلم “الأزلي” و العلم “السابق” غير قرآنيين لعدم اقتران “العلم” بأي من الصفتين السابقتين إلا أننا نجد على عكس ذلك أن لفظ العلم “الإحاطي” أو “المحيط” ذو مستند قرآني أصيل حيث يقول الحق تعالى:

(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) (الطلاق : 12)

فذكر العلاقة الصريحة بين “العلم” و “الإحاطة” بمعنى إحاطة الله تعالى بكل شيئ علما. ما نستفيده إذا هو أنه إذا استند الصفاتيون على ما يسمى بالعلم الأزلي / السابق نعلم حينئذ أنهم مفترون ويدخلون في كتاب الله ما ليس فيه. أما أهل العدل فهم يقولون بالعلم الإحاطي أي المنزه عن المكان والزمان. الله ـ عند أهل العدل ـ هو العليم وهو محيط بكل شيئ علما.

لننتقل الآن للوقوف على مفاهيم بعض كلمات القرآن مما لها علاقة بالعلم وهي بالتحديد الكلمات الآتية: عالم / علام / عليم / العليم.

عالم
ورد ذلك اللفظ في الكتاب في ثلاثة عشر موضعا مقترنة جميعها ـ إلا موضعا واحدا ـ بـ “الغيب …” مثل قوله تعالى:

(هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) (الحشر : 22)

أما الموضع المستثنى فوردت فيه هذه الكلمة مقترنة بـ “غيب …” بدون الألف واللام في قوله تعالى:

(إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) (فاطر : 38)

فيما عدا ذلك لم ترد كلمة “عالم” في الكتاب ككلمة مستقلة بل ترد دائما مضافة إلى “غيب” في موضع واحد وإلى “الغيب” في بقية المواضع. كلمة “العالم” بأداة التعريف لم ترد مطلقا في الكتاب. لا يصح إذا ـ إنطلاقا من لسان القرآن ـ أن نقول: الله هو “العالم” ولا الله هو “عالم” بل نقول أن الله هو عالم “الغيب …” أو عالم “غيب …”.

علاَّم
ورد ذلك اللفظ في الكتاب ـ فيما له علاقة بموضوعنا ـ في أربعة مواضع فقط جميعها مقترنة بكلمة “الغيوب”. لم تأتي إذن ككلمة مستقلة بل مضافة للغيوب مثل قوله تعالى:

(أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ) (التوبة : 78)

وهنا فائدة بلاغية هي إستخدام “التكثير” مع “التكثير” أو “المبالغة” مع “المبالغة”. عندما يكون الحديث حول “الغيب” تضاف إليه كلمة “عالم” وحينما يكون الحديث حول “الغيوب” تضاف إليه كلمة “علام”. لم تأتي كلمة “العلام” بالألف واللام في الكتاب كذلك.

عليم
وردت كلمة “عليم” في الكتاب بدون أداة التعريف في 106 موضعا منها قوله تعالى:

((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (الحجرات : 1)

ولما كانت الكلمة بدون أداة التعريف ـ تنكير اللفظ ـ تدل على العموم، لذلك وردت كلمة “عليم” للإشارة لغير الله كقوله تعالى:

(قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ. يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ) (الشعراء : 36 – 37)

ومن ثم فإطلاق لفظ “عليم” في الكتاب قد ينصرف إلى الله وهو الأمر الغالب ولكنه قد ينصرف كذلك لغير الله. كلمة “عليم” على عكس كلمتي “عالم” و “علاَّم” ترد في الكتاب معرفة بالألف واللام وهي في هذه الحالة لا تنصرف إلا لله تعالى.

العليم
وردت كلمة “العليم” في الكتاب بدون أداة التعريف في اثنين وثلاثين موضعا منها قوله تعالى:

(فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) (فصلت : 12)

وكلمة “العليم” هي إسم من أسماء الله الحسنى التي يقول عنها:

(وَلِلَّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) (الأعراف : 180)

واسم “العليم” هو الإسم الذي يتم استخدامه في هذا البحث فيما له علاقة بالعلم.

بيان “لساني”
يذكر النحاة في كتبهم ـ وجميعها قد صنف بعد نزول القرآن وليس قبل ذلك ومن زعم غير ذلك فعليه أن يأتنا بكتاب واحد في النحو صنف قبل نزول القرآن ـ مصطلحا يسمى “اسم” الفاعل ليدل على من قام بالفعل مثل كلمة “عالم” للدلالة على من قام بالعلم أي للدلالة على من “عَلِمَ”. ويذكرون خمس صيغ من اسم الفاعل اصطلحوا على تسميتها بـ “صيغ المبالغة” منها صيغة “فعَّال” مثل “علاَّم” وصيغة “فعيل” مثل “عليم”. إن ذلك الدرس النحوي يقودنا إلى النظر إلى علم الله من زاويتين: العلم كصفة ذات والعلم كصفة فعل.

العلم كصفة ذات والعلم كصفة فعل
ما الفرق بين قولنا أن الله تعالى هو “عالم” أو “علام” أو “عليم” وبين قولنا أن الله تعالى هو “العليم”؟ حينما نذكر اسم الفاعل أو إحدى صيغ مبالغته يكون متعلقنا هو “الفعل” نفسه أي “علم / يعلم / علما / عالم / علام / عليم” وحينما نذكر إسم الذات يكون متعلقنا هو الذات نفسه وليس الفعل. ولذلك نقول أن هناك صفة “ذات” متعلقة بعلم الله وهي كون الله هو “العليم” وهناك صفة “فعل” و “فاعلية” متعلقة بعلم الله وهي كون الله هو “عليم”. يمكن القول “تجوزا” ـ لتقريب الفكرة للأذهان وليس لتقريرها ـ أن صفة “العليم” صفة ثبوتية ذاتية أي أن الله و “قدرته” على العلم غير منفكين بل متلازمين بينما صفة “عليم” صفة ثبوتية فعلية أي أن الله تعالى يعلم المعلوم أي يعلم ما يصح أن يعلم فلا يوجد “معلوم” إلا ويعلمه الله.

السميع والبصير والعليم
وصف الله تعالى ذاته بأنه “السميع البصير” في الكتاب في أربعة مواضع تم في كل منها تقديم “السميع” على “البصير” والله تعالى هو السميع البصير بذاته لا بمعنى زائد على الذات تعالى الله عما يقوله أهل التجسيم والصفاتيون علوا كبيرا. يقول الله تعالى في الكتاب المجيد:

(وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (غافر : 20)

الله هو “السميع” أي يسمع كل مسموع أم يسمع وليس هناك مسموع؟ والله هو “البصير” أي يبصر كل مُبصَر أم يبصر وليس هناك مُبصَر؟ معنى “السميع” أن الله يسمع كل ما يصح أن يسمع فإن لم يوجد المسموع فالله تعالى يبقى سميعا أي قادرا على سماع المسموع متى وجد. ومعنى “البصير” أن الله يبصر كل ما يصح أن يبصَر فإن لم يوجد المُبصَر فالله تعالى يبقى بصيرا أي قادرا على إبصار المُبصَر متى وجد. وكذلك معنى “العليم” أن الله يعلم كل ما يصح أن يُعلَم فإن لم يوجد المعلوم فالله تعالى يبقى عليما أي قادرا على العلم بالمعلوم متى وجد. فكما أن كونه سميعا لا يستلزم أن يسمع ولا مسموع أو كونه بصيرا لا يستلزم أن يبصر ولا مُبصَر فكذلك كونه عليما لا يستلزم أن يعلم ولا معلم. قال الله تعالى في الكتاب:

(قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) (المجادلة : 1)

الله هو “السميع” فهل معنى ذلك أن سمع المرأة المجادلة منذ الأزل أو حتى قبل أن تولد أو حتى قبل أن تتكلم؟ بالطبع لا ولكنه السميع أي لا يعزب عنه “مسموع”.

ولتوضيح الفكرة أضرب مثالا للتقريب وليس للتطابق فأقول: عداد جيجر هو جهاز لقياس النشاط الإشعاعي الفيزيائي. هب أن لدينا جهازا مؤكدة كفاءته. في لحظة رصد ما لم يتحرك مؤشر الجهاز ولم يسجل أي قياس فما معنى ذلك؟ معنى ذلك ـ في ظل التأكد التام من كفاءة الجهاز ـ أنه لا يوجد نشاط إشعاعي ومن ثم لم يسجل الجهاز أي قياس. وجود الجهاز الكفء لا يستلزم ضرورة تسجيل دائم بل يستلزم تسجيلا مؤكدا متى وجد الإشعاع. ما ينطبق على عداد جيجر ينطبق كذلك على مقياس ريشتر لقياس الزلازل: متى وجد نشاطا جيولوجيا ناتج عن زلزال ولو بمقدار ضئيل فإن الجهاز يرصده فإن لم يتم رصد شيئ فمعنى ذلك ـ في ظل التأكد التام من كفاءة الجهاز ـ أنه لا يوجد نشاط زلزالي حتى يرصد. أقول ـ ولله المثل الأعلى ـ أننا متيقنون بأن الله هو “العليم” فهذا جزء من ايماننا ولكن كونه العليم لا يستلزم العلم بـ “اللا معلوم” بل كونه العليم يستلزم العلم بالمعلوم متى وجد المعلوم. يقول العليم جل وعلا:

(وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) (الأنعام : 59)

الغيب، ما في البر، ما في البحر، الورقة، الحبة، الظلمات، الأرض، الرطب، اليابس كل ذلك “معلومات” كائنة يعلمها العليم. لم يقل الحكيم العليم أنه علمها “أزلا” ولا “مسبقا” ولا قبل أن توجد.

المعدوم و الكائن / المعلوم والمجهول
المعدوم هو ما “لا” وجود له سواء في الأعيان أو في الأذهان أو غير ذلك. أما الكائن فهو ما له وجود فهو يقابل المعدوم. المعدوم هو “اللا شيئ” ومن ثم فلا متعلق له بعلم ولا بجهل إذ العلم والجهل يتعلقان بالكائن وليس بالمعدوم فمثلا “الطب” يمثل كائنا ولا يمثل معدوما ولذلك يصح السؤال عما إذا كان فلان عالما بالطب أم جاهلا به، فإن كان دارسا لعلم الطب خبيرا به وصف بأنه عالم به وإن لم يكن دارسا له ولا خبيرا به وصف بأنه جاهل بالطب. أما لو إنتقلنا إلى “الخحتجلاض” مثلا وسألنا هل فلان عالم به أم جاهل لم يصح السؤال لعدم كينونة “الخحتجلاض” هذا ومن ثم عدم تعلق علم ولا جهل به. العلم والجهل ومشتقاتهما مفاهيم تتعلق بالكائن وليس بالمعدوم.

هل الله لا يعلم المستقبل؟
سؤال يطرحه أهل الجبر حينما يواجههم أهل الإختيار بمفهوم “العليم” كما يصوره الكتاب، والسؤال بالصيغة المذكورة لا يصح لأنه يجعل من “المستقبل” شيئا كائنا في حين أن “المستقبل” معدوم. ذكرت في الفقرة السابقة أن “علم / يعلم / علما / عالم / عليم / …” و “جهل / يجهل / جهلا / جاهل / جهول / …” مفاهيم تتعلق بـ “الشيئ” الكائن ولا تتعلق أبدا بـ “المعدوم”. ولما كان “المستقبل” معدوما فلا يصح أن يتعلق به علم ولا جهل. متى يمكن القول بأن الله “لا” يعلم؟ الإجابة هي أنه لا يمكن القول بهذا أبدا لأن هذا السؤال يفترض وجود “المعلوم” والله لا يعلمه وهذا محال. ولما كان “النفي” لمعلومية معلوم ما موجب للجهل وأن ذلك لا يصح مع العليم جل وعلا بطل السؤال من وجه مقابل للوجه الأول وكما يقال كل الطرق تؤدي للهدف ومن ثم فكل الإستدلالات تؤدي لليقين بأن الله تعالى هو العليم الذي يعلم كل معلوم.

مفاهيم الزمن في القرآن
من اللافت للنظر خلو القرآن من مادة “ز / م / ن” ومن ثم فكلمة “زمن” أو “زمان” هي اصطلاح بشري وليست مفهوما قرآنيا. ولكن هناك مفهوم “الدهر” والذي ورد في القرآن في موضعين اثنين مثل قول الله تعالى:

(وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ) (الجاثية : 24)

فإذا كان الحديث عن “فترة” من الدهر يتم فيها الفعل سميت تلك الفترة “حينا” والتي قد وردت في القرآن في 33 موضعا مثل قوله تعالى:

(فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ) (الروم : 17)

ولذلك فإن المفهوم من قوله تعالى:

(هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا) (الإنسان : 1)

هو ليس “كل” الدهر ولا “نقطة” فيه وإنما “فترة” أي “مقطع” من الدهر. إضافة لمفهومي “الدهر” و “حين” هناك مفهوم “الوقت” والذي ورد ومشتقاته في 13 موضعا للدلالة على نقطة محددة في الدهر مثل قوله تعالى:

(فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ) (الشعراء : 38)

ما نسميه “زمانا” يسميه الكتاب “دهرا”، فإذا كان الفعل يحدد له” نقطة” معلومة لبدايته سميت تلك النقطة “وقتا” أما لو استغرق الفعل “فترة” من الدهر سميت تلك الفترة “حينا”.

الماضي والسالف
وردت مادة “م / ض / ى” في الكتاب في خمسة مواضع منها:

(قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينِ) (الأنفال : 38)

فعل “مضى” يشتق منه فعل مضارع هو “يمضي” والذي يدل على العزم والإصرار في طلب الشيئ. ما نسميه حدثا “ماضيا” يطلق عليه القرآن لفظا آخر هو (سالفا) ومن الجدير بالذكر أن فعل “سلف” المجرد الثلاثي ليس له صيغة مضارع وأن تلك المادة وردت في الكتاب في 13 موضعا منها قوله تعالى:

(وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلاً) (النساء : 22)

المضارع والحاضر
لا يوجد وقت يسمى المضارع ومادة “ض / ر / ع” وردت في القرآن في خمسة مواضع ليس بينها موضع واحد يدل على “الوقت” ومن هذه المواضع قوله تعالى:

(ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (الأعراف : 55)

أما الحدث الذي يقع الآن فهو “حاضر” وقد وردت مادة “ح / ض / ر” في الكتاب في 25 موضعا منها قوله تعالى:

(وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ. وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ) (المؤمنون : 97 – 98)

لا يوجد فعل ماض ولكن يوجد فعل “سالف” ولا يوجد فعل مضارع إنما يوجد فعل “حاضر” وكلاهما يعبر عن “وقت” أو “حين” من “الدهر” إذ لا نعرف شيئا يسمى زمنا ولا زمانا ولا أزمنة. كلمات “الزمن” و الفعل “الماضي” و “المضارع” و “المستقبل” اصطلاحات بشرية وليست مفاهيما قرآنية.

المستقبل والآتي
لم ترد كلمة “مُسْتَقْبَل” بفتح الباء في القرآن أبدا ولكن جاءت كلمة “مُسْتَقْبِل” بكسر الباء للدلالة على “قبالة” الشيئ أي للدلالة المكانية وليس للدلالة الوقتية” مثل قوله تعالى:

(فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ) (الأحقاف : 24)

فتلك الغمامة السوداء العارضة “استقبلت” ماذا؟ وقتهم أم أوديتهم؟ استقبلت أوديتهم مما يدل على “المكان” فقط. أما كلمة “مستقبل” الدالة على الوقت “الآتي” فلم ترد في الكتاب.

أحداث القيامة والمستقبل
هل نؤمن بيوم القيامة؟ نعم نؤمن بيوم القيامة وهو يوم البعث وما يصاحبه من تغير كوني وما يعقبه من وقوف وسؤال وحساب وثواب وعقاب جعلنا الله من أهل الثواب آمين. هل نؤمن بأن يوم القيامة كائن “الآن” أم “معدوم”؟ ليس يوم القيامة من الأفعال “السالفة” وليس من الأفعال “الحاضرة” فيلزم أن يكون يوم القيامة من الأحداث “الآتية” وهي أحداث “معدومة” وليست “قائمة” الآن وسيخلقها الله الخالق متى شاء فلا راد لمشيئته الكونية. حينما يسمع أهل الجبر هذا الكلام تنتفخ أوداجهم ولذا فكل من تنتفخ أوداجه عند سماع هذا الكلام فليعلم أنه من أهل الجبر. تنتفخ أوداجهم ثم يسوقون بعض الآيات الكريمات في غير محلها ظنا منهم أنهم سينقضون بنيان أهل القرآن ولكن هيهات هيهات. من تلك الآيات قوله تعالى:

(إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا. يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا. وَفُتِحَتِ السَّمَاء فَكَانَتْ أَبْوَابًا. وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا. إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا. لِلطَّاغِينَ مَآبًا. لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا. لّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا. إِلاَّ حَمِيمًا وَغَسَّاقًا. جَزَاء وِفَاقًا) (النبأ : 17 – 26)

وآيات كثيرة غير تلك عن يوم القيامة “المستقبلي”. الخطأ الذي يقع فيه أهل الجبر قاطبة هو عدم تفريقهم بين أفعال “الله” و أفعال “العباد” ولذلك يصحح لهم أهل الإختيار أفهامهم ويحيطونهم علما مؤكدا بأن “أحداث” القيامة من “أفعال” الله تعالى وليست من أفعال العباد. أفعال الله حادثة وليست قديمة فالكون بكل مكوناته “فعل” من أفعال الله تعالى وهذا الكون مخلوق أي حادث وله بداية قدرها العلماء تقريبا وله نهاية لا يعلمها إلا الله جل شأنه. يوم القيامة كذلك فعل من أفعال الله يقدره الله تقديرا فيأتي تقديره أي فعله على وفق إرادته وهو يعلم “الصورة” التي يكون عليها ذلك اليوم قبل خلقها. فالرسام مثلا يتخيل صورة ذهنية للوحة يريد أن يرسمها. ولكن لكونه إنسان غير معصوم من الخطأ وناقص القدرة قد تأتي الصورة النهائية الحقيقية للوحته على غير الصورة الأولية الذهنية التي إنطلق منها. أما الله تعالى ـ وله المثل الأعلى والأكمل والأوفى ـ فقادر بذاته لا يعجزه شيئ ولذلك فإن “الحقيقة” من أفعاله تأتي مطابقة تماما للصورة التي أرادها وهذا هو “القدر” الكامل أي التطابق الكامل. ولما كانت القيامة “فعلا” من أفعال الله حق لله أن يخبر عنها وهي “معدومة” لأنها في “حقيقتها” التي سيخلقها عليها ستكون مطابقة تماما لما يخبرنا به في حاضرنا.

وماذا عن أفعال العباد يوم القيامة؟
إذا كان يوم القيامة بمكوناته “الكونية” فعل من أفعال الله تعالى فماذا عن أفعال “العباد” في ذلك اليوم “المعدوم” وقد أخبرنا الله عن بعضها كقوله تعالى:

(وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاء عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ) (إبراهيم : 21)

أفلا يدل على علم الله “المسبق” بأفعال العباد؟ أقول أن للقضية شقين الأول: علم الله تعالى بأفعاله وأهوال ذلك اليوم وكل ذلك من خلقه وهو عليم بما يخلق. الثاني: علم الله بنفوس الناس من أهل “الدنيا” وما يحدث بداخلهم من انفعالات وما يبطنونه من خبايا. فلو ضممنا الشقين لبعضهما البعض نتج عنه “فهم” تلك الآية في إطارها الصحيح. فلنضرب مثلا تقريبيا لا تطابقيا بالمعلم الذي يضع إمتحانا وهو يعلم بمدى صعوبته وفي نفس الوقت هو يعلم بمستوى تلاميذه فيقول لن يجتاز ذلك الإمتحان إلا زيد وعمرو مثلا لعلمه الحاضر بمستوى كل منهما. أقول ولله المثل الأوفى أن تلك الآية تفهم في ضوء علم الله تعالى بأفعاله من ناحية وعلمه بـ “المعلوم” الكائن من نفوس وطبائع البشر فيأتي الخبر “توقعا” لما سيحدث وليس “تقديرا” له.

الغيب
الغيب هو “ما” يغيب عن الإنسان وليس مرادفا للمعدوم بالضرورة فقد يكون الشيئ قد وجد ولكنه حجب بحجاب الوقت السالف وقد يكون موجودا الآن ولكنه محجوب بحجاب المكان أو حجب النفس أو أي حجب أخرى. وقد يكون معدوما ولكنه مرتبط بأفعال الله تعالى. هل الله يعلم الغيب؟ لنترك الإجابة عن ذلك السؤال لله تعالى حيث يقول في الكتاب في أكثر من موضع منها الموضع التالي:

(هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) (الحشر : 22)

والإيمان بالغيب الذي أخبرنا به القرآن كالجنة والنار والملائكة والكتب والرسل وغير ذلك فريضة واجبة:

(الم. ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ…) (البقرة : 1 – 3)

ولكن هل “الغيب” هو العلم بـ “المستقبل”؟ ذكرت أن المستقبل “معدوم” والمعدوم ـ عينا ـ إن ذكره الله في كتابه ـ خبرا ـ وكان من “أفعال” الله فهو من الغيب الذي يجب الإيمان به كيوم الجزاء. أما إن كان متعلق المعدوم هو أفعال “العباد” في الدنيا فهي ليست غيبا. أما ما سلف وما حضر من أفعال العباد مما حجبه الله عنا كالأقوام البائدة وغيرهم فهذا كله من الغيب الواجب الإيمان به.

الخلاصة

الله هو العليم وهو العليم بذاته وليس بأي معنى زائد عن الذات. وهو يعلم المعلوم بالإحاطة والشمول فإن كان المعلوم “فعلا” من أفعال العباد فإن الله يعلمه ليس أزلا ولا مسبقا ولا لاحقا وإنما يعلم بالإحاطة كل ما يصح أن يعلم متى وجد المعلوم. الله عليم بذاته والله عليم بأفعاله الحادثة قبل حدوثها. لا يوجد في القرآن ما يدل على علم “أزلي” ولا علم “سابق” بأفعال المخلوقين ولا “الزمان”، ولا يوجد فعل مضى وآخر يمضي وإنما هناك فعل سلف وآخر حاضر وأن المستقبل معدوم والقيامة مستقبل فهي معدومة ولكن يعلمها الله لكونها فعلا من أفعاله وأن الله هو عالم الغيب والشهادة وهو علام الغيوب وأن الغيب إن ارتبط بأفعال العباد فهو ينصرف للكائن أو ما كان منها ولا يرتبط الغيب بمعدوم إلا ما كان فعلا من أفعال الله أو ملحقا به كالتوقع بفعل ما وهذا التوقع ليس قدرا فالقدر هو مطابقة الفعل من الله لإرادته وأن كل من جادل ويجادل مرتكزا على علم الله لتبرير أفعال العباد فهو من أهل الجبر من اتباع ابليس لعنه الله.

العليم والسياسة الشرعية

السياسة الشرعية من أفعال “العباد” وهي من مسؤلية الحاكم والمحكوم. حكام الجبر السياسي ـ الوجه الآخر للجبر العقدي ـ حينما يريدون الترويج لفساد سياستهم ينفثون في المحكومين أن الله علم ذلك أزلا وأنه أراده ومن ثم يجب على المحكومين الصبر بل الرضا بذلك لأنه رضاء بالقضاء والقدر. كل ذلك كذب وافتراء فالقضاء والقدر والإرادة من المفاهيم المرتبطة بأفعال الله فما علاقة ذلك بالسياسة الشرعية وهي من أفعال العباد. إضافة إلى ذلك أثبت البحث عدم قرآنية وجدوائية القول بالعلم الأزلي والعلم السابق، فعلم الله يرتبط من ناحية بكينونة المعلوم ومن ناحية أخرى بالإحاطة المجردة عن مفاهيم الزمان، الزمان … ذلك الإصطلاح البشري الذي يبرأ منه القرآن. فليعلم المحكومون إذا أن تعليق الحكام فساد سياستهم على علاقة “العلم” إنما هو تمويه وخداع وتستر أولئك الجبرية بالكتاب لإخفاء فسادهم وضلالاهم والكتاب منهم بريء.انتهى مبحث العلم و سيكون لقاؤنا قريبا ان شاء الله مع مبحث الإذن والختم وأخيرا مبحث الحاكمية إن كان في العمر بقيةوالسلام

الحسيني

Published in: on أغسطس 7, 2007 at 4:05 م  اكتب تعليقُا  

The URI to TrackBack this entry is: https://alhousseiny.wordpress.com/2007/08/07/%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b1%d8%aa%d9%83%d8%b2%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%8a%d9%85%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b1%d8%b9%d9%8a%d8%a9-2/trackback/

RSS feed for comments on this post.

أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: