المرتكزات الإيمانية للسياسة الشرعية عند المعتزلة (4)

 

[8] الكتابة

المقصود بـ “الكتابة” في بحثنا هذا هو “تسجيل” أفعال العباد التكليفية. يزعم حكام الجبر والقدريون أن الله تعالى “كتب” على الإنسان أفعاله منذ الأزل، ويروون آثارا باطلة أنه قد جفت الأقلام وطويت الصحف. ويتخذ حكام الجبر من تلك الأباطيل مطية لتخدير الشعوب بأن المكتوب على الجبين حتما تراه العين وغير ذلك من السم الزعاف. حينما يطالب الجبريون بالدليل على تخرصاتهم يعرضون قائمة طويلة من “الآثار” المنحولة المنسوبة لنبي الهدى صلاة الله عليه وسلامه. حينما يطالبون بالدليل من القرآن تراهم يصدرون آيات لم يتدبروها ولم يفقهوا معانيها مثل قوله تعالى:

(قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (التوبة : 51)

وغير ذلك من الآيات فيخلطون بين “أفعال” الله الكونية والتكوينية و”أفعال” العباد التكليفية. إن الله تعالى قدر قوانين الكون وضبطها بإتقان تام لكنه لم يقدر الكفر ولا الظلم ولا العهر ولا الفساد ولا الرذيلة ولا نهب الحقوق ولا سرقة ثروات الشعوب و اهدار المال العام ولا الإفساد في الأرض ولا غير ذلك من الكبائر. جميع ما سلف من “أفعال” العباد التكليفية المنهي عنها والتي خالفوا فيها مشيئة الله التخيرية، هذه الأفعال لم يكتبها الله أزلا ولا مسبقا ولكنه يحيط بها علما حين يفعلونها ويحصيها عليهم وتسجلها رسله الكرام حين فعلها وآيات الكتاب “تنطق” بهذا:

(وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ) (يونس : 21)

(أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) (الزخرف : 80)

(لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ) (آل عمران : 181)

(كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا) (مريم : 79)

(إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ. مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (ق : 17 – 18)

لننظر إلى الأفعال من فوق الخطوط [يكتبون / سنكتب / يلفظ] لنرى أن جميعها يدل على “تسجيل” الأعمال حين الفعل وبعده وليس قبله بوقت سابق بله بوقت أزلي. وهكذا تنطق هذه الآيات الكريمات وغيرها بفساد وبطلان ما يتخرص به حكام الجبر وفقهاؤهم ومفسروهم من فهم سقيم للذكر الحكيم ومن افتراء غشيم على رسولنا العظيم. فلتعلم الشعوب إذن وليعلم المستضعفون في الأرض أن الحق جل وعلا أمر بالفضيلة ونهى عن الرذيلة، وأننا قادرين على فعل الفضائل وأن الله تعالى لم يكتب علينا الرذائل وأننا مخيرون في الفعل والترك وأن أعمالنا “تكتب” بدءا من اتياننا بالأفعال وليس قبل الأفعال لا بزمن طويل ولا بزمن قصير وصدق الله العليم الحكيم وليخسأ أعداء الله وأولياء ابليس اللعين

والسلام

الحسيني

Published in: on أغسطس 7, 2007 at 4:09 م  اكتب تعليقُا  

The URI to TrackBack this entry is: https://alhousseiny.wordpress.com/2007/08/07/%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b1%d8%aa%d9%83%d8%b2%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%8a%d9%85%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b1%d8%b9%d9%8a%d8%a9-3/trackback/

RSS feed for comments on this post.

أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: