المرتكزات الإيمانية للسياسة الشرعية عند المعتزلة (2)

 

[3] القضاء

القضاء في الكتاب الحكيم تأتي على عدة أوجه تعود جميعها لمشترك جذري واحد، وسأعرض أولا بعض تلك المشتركات اللفظية قبل عرض المشترك الجذري لها:

(1) القضاء إشارة إلى الحكم
يقول الله تعالى في التنزيل:

(وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ…) (غافر : 20)

أي يحكم بالحق وسنتعرض لمفهوم “الحكم” بالتفصيل من خلال بحث مفهوم “الحاكمية” بتوفيق الله. أما المفهوم الشائع للحكم بمعنى الفصل في النزاعات والقضايا فهو داخل كذلك في مفهوم الآية الشريفة.

(2) القضاء إشارة إلى الأمر
يقول الله تعالى في التنزيل:

(وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا…) (الإسراء : 23)

أي أمر ألا نعبد إلا إياه وأمر بالإحسان إلى الوالدين.

(3) القضاء إشارة إلى الإخبار
يقول الله تعالى في التنزيل:

(3) ( وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا…) (الإسراء : 4)

نلاحظ أن فعل “قضينا” هنا تعدى بحرف الجر “إلى” أي أخبرنا وأعلمنا وليس معناه حكمنا ولا أمرنا.

(4) القضاء إشارة إلى الخلق
يقول الله تعالى في التنزيل:

(فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) (فصلت : 12)

كما تأتي مادة (ق / ض / ى) لغير ذلك من المعاني الفرعية والتي تعود جميعا لمشترك جذري أي معنى أصلي واحد :

 

المفهوم القرآني لكلمة (ق / ض / ى) هو إتمام إحكام الشيئ بصورة كاملة

فالحكم هو آخر ما يصدر من المحكمة بعد إنتهاء المداولات والمرافعات والإستماعات وغير ذلك فيتم إكمال القضية وإتمامها بالحكم. والأمر هو فعل صدر واكتملت عناصره وتمت. وكذلك الإخبار والخلق. ولذلك يقول الحق جل وعلا على لسان يوسف عليه السلام:

(قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ) (يوسف : 41)

أي تم واكتمل تأويل الرؤيتين بعد إعلام الله تعالى له بما تم اتخاذه من تدابير بشأن صاحبيه في السجن.

[4] القدر

القدر في اللسان
[1] القدر أصله ثلاثة حروف هي: القاف والدال والراء (ق د ر) وأول ما يتبادر الى الذهن من هذه الكلمة هو لفظ (قدرة) والذي يعني الاستطاعة على الفعل والترك. الجين اللغوي الأول لهذه الكلمة اذا يشير الى القدرة أي أن القدر يشير الى قدرة الله.

[2] ثاني ما قد يتبادر الى الذهن من هذه الكلمة هو لفظ (مقدار) والذي يدل على التوافق ـ كمي كان أم نوعي ـ أي توافق وتساوي المقدر مع المقدر له، كما قال الشاعر:

على قدر أهل العزم تأتي العزائم ***** وتأتي على قدر الكرام المكارم

الجين اللغوي الثاني لهذه الكلمة يشير اذا الى التوافق بين أمر الله وفعله أي أن فعل الله ـ الخلق مثلا ـ يأتي موافقا لأمره، لا يحيد عنه ولا يميد، لا يقل عنه ولا يزيد. لو أراد الله أن يخلق كوكبا ـ مثلا ـ فان الكوكب يأتي تماما على الوجه الذي أراده الله، على عكس الانسان الذي قد يريد أن يفعل شيئا معينا ـ يرسم لوحة زيتية مثلا ـ فيأتي العمل في صورته النهائية غير متوافق مع ما أراده ولو بمقدار ضئيل من الانحراف. حينما نقول (قدر)، فنحن اذا نستحضر معاني (القدرة) و (المقدار). هذا عن القدر في اللسان فماذا عن القدر في القرآن؟

القدر في القرآن
لنتدبر بعض الآيات الكريمة التي تتحث عن القدر:
[1] (فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) (الانعام : 96)

[2] (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (يونس : 5)

[3] (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ. وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ. لا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) (يس : 38 – 40)

[4] (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ. وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ. ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ. فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) (فصلت : 9 – 12)

[5] (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ. الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ. وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ. وَالَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ) (الزخرف : 9 – 12)

هذه المواضع الخمسة هي غيض من فيض من آي الذكر الحكيم التي تعالج موضوع (القدر) أوردتها على سبيل المثال لا الحصر ونلاحظ فيها ما يلي:

(1) أنها تدور حول بعض آيات الكتاب الكوني المبين (آيات الله الكونية والتكونية).

(2) أنها وردت في محل الاستلال على قدرة الله واستطاعته وهو ما يتفق مع الجين اللساني الأول.

(3) أنها بينت أن أفعال الله لا تخرج عن مراد الله وأمره بل تأتي هذه الافعال بالمقياس المنضبط الذي يريده الله تعالى وهو ما يتفق مع الجين اللساني الثاني.

تساؤل واستنتاج
وردت أيات القدر في الكتاب اطار الاشارة الى قدرة الله التكوينية فهل لاحظ أحد من السادة القراء ورود آيات القدر في معرض الاشارة الى القتل والظلم والقبح والفساد والاجرام؟ اذا كانت الاجابة على التساؤل السابق بالنفي فاعلم أن كل هذه القبائح الله منها برئ لم يقدرها ـ ليس عجزا ولكن عدلا واحسانا وحكمة ـ ومن ينسبها الى قدر الله فقد أعظم على الله الفرية.

الخلاصة
القدر هو قدرة الله على خلق الفعل باحكام واتقان بحيث يأتي الفعل وفق أمر الله ومراده.

(إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (يس : 82 – 83)

 

القضاء والقدر والسياسة الشرعية

مفهوم القضاء لا يترادف مع مفهوم القدر فكلاهما مختلف: مفهوم القضاء في الكتاب يدل على “الإتمام” و “الإكتمال” بينما مفهوم القدر يدل على “قدرة” الله في الإتيان بالشيئ وفق إردته. فالله قدر القمر منازل أي أنه أراد ذلك فجاء “التنفيذ” مطابقا للإرادة. أما الفعل نفسه بعد إتمامه وإكتماله فهو قضاء أي فعل تم. أما السياسة “الغير” شرعية فهي تربط القضاء والقدر بأفعال العباد التكليفية لتبرير مظالمهم ولتثبيط الناس عن مطالبهم الشرعية. ولذلك يقول أهل العدل وبكل إيمان بالله بأن المظالم التي يرتكبها الجائرون في حق شعوبهم من توريث للحكم وظلم في التوزيع وقمع للعباد وإهدار لموارد البلاد ليست من القضاء والقدر في شيئ وإنما الظلم من الظالمين والجور من الجائرين والعدل والإنصاف من رب العالمين. يروى أن والي العراق الحجاج بن يوسف الثقفي الظالم لما قبض على الإمام معبد بن خالد الجهني وسلسله بالقيود وزج به في غياهب السجن قال له متهكما: إن قضاء الله وقدره هو الذي أدخلك إلى القيد. فأجابه معبد الجهني قائلا: إنما يداك وأيدي سجانيك هي من أدخلني إلى القيد فحل عني قيودي وأخرجني من السجن وأطلق سراحي لنرى هل سيدخلني قضاء الله وقدره إلى القيد أم لا. الحجاج بن يوسف وكل ظالم سبقه أو لحقه يقتل وينكل ويعذب ويسجن ثم يدعي الزور ويفتري على الله ناسبا المظالم إليه جل وعلا بدلا من أن يعترف بذنبه. إن زعماء الثورة الفرنسية الذين رفعوا شعار “اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس” كانوا أكثر فهما للقضاء والقدر من أهل الجبر العقدي وأهل الجبر السياسي.

وإذا كان معبد الجهني دخل السجن ـ بزعم الفاسق الحجاج ـ بقضاء الله وقدره فلماذا يعاقب معبد أصلا وما خرج إلا بقضاء وقدر، ولماذا يقتل الحجاج سعيدا بن جبير وما قد خرج على الحجاج إلا بقضاء وقدر ولماذا يقتل عبد الله بن الزبير وما قد خرج على عبد الملك بن مروان إلا بقضاء وقدر، ولماذا قتل يزيد الفاسق حسينا وما قد خرج إلا بقضاء وقدر ولماذا يتباكى أهل الشام على قتل عثمان وما من قاتل له سوى القضاء و القدر؟

إن الذي يعلق ذنوبه وآثامه على القضاء والقدر أحد رجلين: إما جاهل لم يفهم معنى القضاء والقدر القرآنيين وأنهما مرتبطان بأفعال الله تعالى كما أن للعبد كذلك أفعالا يقدر عليها ويقضيها وإما ظالم يريد قمع السخط الشعبي ضده فيقول لشعبه بخبث: هل يقع في كون الله ما لا يريده الله؟ فيجيبه البلهاء بالنفي فيقول لهم: إن رفضتم ذلك فأنتم تطعنون في الإيمان بالقضاء والقدر وإن قبلتم فليس عليكم إلا الصبر وأجركم على الله.

إن السياسة الشرعية في الإسلام ترفض ذلك الكلام وترده في وجه قائله: الله قدر الليل والنهار وقدر الشمس والقمر وقدر الموت وقدر الرزق وكلها أفعال كونية ذكرها في الكتاب مقترنة بالقدر فهل رأى أحد منكم إقتران القدر في القرآن بالكفر والظلم والفساد وقهر الشعوب ونهب الثروات وتعذيب الأبرياء؟ وإذا كان الله يقضي بالحق فهل إنتشار الخمارات والبارات وأماكن الزنا وأكل مال اليتيم وغير ذلك من “الحق” حتى يقضي الله به؟

لا يجيب على مثل هذه التساؤلات بنعم إلا كافر بما نزل على محمد صلوات الله عليه أما المؤمنون فيقولون الظلم من الظالمين والحيف من الجائرين أما العدل والإنصاف فمن رب العالمين.

أكتفي الآن بهذا القدر حول مفهومي “القضاء” و “القدر” وإلى مفهومي “المشيئة” و “الإرادة” قريبا بتيسير الله.

الحسيني

Published in: on أغسطس 7, 2007 at 4:13 م  اكتب تعليقُا  

The URI to TrackBack this entry is: https://alhousseiny.wordpress.com/2007/08/07/%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b1%d8%aa%d9%83%d8%b2%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%8a%d9%85%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b1%d8%b9%d9%8a%d8%a9-5/trackback/

RSS feed for comments on this post.

أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: