المرتكزات الإيمانية للسياسة الشرعية عند المعتزلة (1)

علاقة “الإيمان” و “السياسة” علاقة وطيدة وطردية، فإن نحا الإيمان إلى الرقي نحت السياسة نحوه. كثيرا ما تستخدم بعض مفاهيم الإيمان ـ العقيدة ـ في السياسة الشرعية إما بطريق مباشر أو غير مباشر ولذلك سأقوم من خلال هذا الشريط بتوفيق الله وعونه بشرح مبسط لبعض المفاهيم العقدية ذات الأثر السياسي مثل المفاهيم التالية:

الهدى، الضلال، القضاء، القدر، المشيئة، الإرادة

وغير ذلك من المفاهيم التي سأقوم بعرضها تباعا كنوع من “التأصيل” الإيماني للسياسة الشرعية.

 

[1] الهدى

مفهوم “الهدى” في الكتاب يدل على “التوجيه” و “الإرشاد”. والهدى ـ هندسيا ـ حركة في خط مستقيم تجاه هدف محدد، وعكسه “الضلال” والذي يعتبر حركة معوجة وتشتت لا هدف له. الهدى في كتاب الله نوعان: هدى “البداءة” وهدى “المكافأة”.

هدى البداءة
ابتدأ الله جل وعلا المكلفين من خلقه بالهداية العامة. وهذا النوع من نوعي الهداية الإلهية له ثلاث مناهج / مسالك. أولا: خلقهم عقلاء قادرين على ربط المدخلات بالمخرجات والأسباب بمسبباتها ولم يخلقهم بهائما ولا جمادا ولا غير ذلك. ثانيا: أنزل عليهم كتبا فيها ذكرهم وكان القرآن الكريم آخر تلك الكتب المنزله، وعن هدايته يقول:

(ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) (البقرة : 2)

ثالثا: بعث فيهم رسلا مبشرين ومنذرين:

(رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) (النساء : 165)

وكان محمد صلى الله عليه وآله خاتم النبيين ومن ثم خاتم المرسلين. وكما تنير الشمس لسائر الناس النهار ولا يستثنى من إشعاعها أحد منهم فكذلك هداية “البداءة” بمناهجها الثلاثة العقول والكتب والرسل تنير للناس طريقهم في الحياة الدنيا وتهديهم بفضل الله سبلهم.

هدى المكافأة
لئن كان هدى “البداءة” عام لجميع المكلفين، فإن هدى “المكافأة” خاص للمؤمنين فقط، استحقوه لإيمانهم و لفضل من الله عليهم بسبب ذلك الإيمان:

(وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ) (محمد : 17)

فقوله تعالى (الَّذِينَ اهْتَدَوْا) إشارة إلى الذين إتبعوا الهدى الأول وهو هدى البداءة، وقوله تعالى (زَادَهُمْ هُدًى) إشارة إلى المؤمنين الذين يزيدهم الله في الهداية بهدى المكافأة بسبب استجابتهم لهدى البداءة. تتعدد الألفاظ الدالة على نوعي الهدى إلا أن المفهوم واحد: هدى عام لجميع المكلفين وهدى خاص بالمؤمنين.

عبارة “الله يهدي”
من أكثر العبارات التي تجري على ألسنة الناس سوءً و قلةً في الأدب مع الله تعالى هي قول الناس “ربنا يهدي فلان” حينما يروا فلانا الضال وكأن الله “قصَّر” في هدايته. الله تعالى تفضل علينا أولا بالخلق وثانيا بالهداية فمن زعم أن الله لم يهد فلانا الضال فهو مفتر على الله وله عذاب أليم إن لم يتب. نعم يجوز أن ندعو للمهتد بمزيد من الهداية فنقول مثلا “اللهم زد فلانا من هدايتك” لكن لا يحق لنا أن ندعو للضال بالهداية لأن الله قد هداه حقا بل لابد في هذه الحالة أن ننصح الضال بإتباع هدى الله. الدعوة بهداية الضال يجب أن نتوجه بها إلى الضال بذاته وليس إلى الله تعالى الذي أتم هداية البشر جميعا بإرساله محمدا صلوات الله عليه. إذا رأينا “المهتدي” دعونا الله له بمزيد من الهدى وإن رأينا “الضال” نصحناه بالهدى ولكن لا نطلب من الله أن يهديه لأن الله قيوم قام بهدايته فعلا.

 

[2] الضلال

إذا كان مفهوم “الهدى” في الكتاب يدل على “التوجيه” فإن مفهوم “الضلال” يدل على العكس أي على “اللا توجيه” أي “التشتت”. وإذا كان الهدى ـ هندسيا ـ يمثل حركة منتظمة في خط مستقيم صوب “هدف” محدد فإن الضلال على العكس من ذلك يمثل حركة فوضوية لا تسعى لهدف محدد أي “بعثرة” و “ضياع” وهكذا.

معنى “الضلال” في الكتاب
ذكرت للتو أن مفهوم “الضلال” في الكتاب يدل على “التشتت” و “البعثرة” في كل إتجاه، هذا ما نفهمه من خلال قوله تعالى:

(مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ) (إبراهيم : 18)

ماذا يحدث لـ “الرماد” ـ مثل لأعمال الذين كفروا ـ الذي اشتدت به “الريح” في يوم “عاصف”؟ الجواب: يتشتت، يتبعثر ويذهب في كل مكان. وصف الله تعالى هذا المعنى وحدد أن (ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ).
ظلام أهل الجبر و نور أهل العدل
يخالف أهل الجبر هداية العقول ويفترون على الله كذبا بتمسكهم بالمتشابه وطرحهم المحكم وراء ظهورهم فينسبون “الإضلال” إلى الله مستندين على فهمهم السقيم لآيات كريمة مثل:

(وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (إبراهيم : 4)

فيعتقدون أن الله تعالى يضل من يشاء بعشوائية. أما أهل العدل فيتصدون بنور علمهم لظلام جهل أهل الجبر فيوضحون أن أولئك المجبرة يغفلون أولا عن معنى كلمة الضلال الواردة في نفس السورة، ويغفلون ثانيا عن الفئات التي يقع عليها الضلال مثل:

(يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ) (غافر : 34)

(يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ) (غافر : 74)

(وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ) (إبراهيم : 27)

يضل أي يبعثر الأعمال. أعمال من؟ أعمال الكافرين والظالمين والمسرفين وسائر العصاة. الإضلال ـ البعثرة والتشتيت ـ لا تتم هكذا بطريقة فوضوية ولكنها تتم للإستحقاق إما لكفر أو لظلم وهكذا.

 

خلاصة مفهومي الهدى والضلال

(1) الله تعالى تفضل على سائر المكلفين بخلقهم.

(2) تفضل الله علي سائر المكلفين بعد ذلك بعدله واحسانه ورحمته فهداهم جميعا أي وجههم للصراط المستقيم هداية بداءة، بالعقول والكتب والرسل.

(3) هناك من استجاب لهداية البداءة بأن أعمل عقله واتبع الكتاب وأطاع الرسول فكافأة الله بهداية إضافية تشجيعا وتثبيتا.

(4) وهناك من رفض الإستجابة لهداية البداءة فلا يمنحه الله أي هداية إضافية ويمنع عنه توفيقه ولطفه عقوبة له فيضيع وتتبعثر جهوده وتشتت فيشقى والجزاء من جنس العمل.

 

الهدى والضلال والسياسة الشرعية

يجب على المسلمين أن يعوا أن الله تعالى هدى الناس جميعا هداية متساوية في البداية ثم خص المؤمنين فقط بالهداية الزائدة. ويجب عليهم أن يعوا أن “الضلال” ليس مفروضا على العصاة حتى لا يقوم أحد المغرضين بخداع الناس بهذا بل الضلال باب مؤصد على الذين فعلوا الظلم والفساد والإثم وأن أعمالهم هباء منثور وجهودهم كرماد وأن مفتاح ذلك الباب بأيدييهم إن تابوا إلى الله وعملوا صالحا ينتفى عنهم إسم الضلال ويستحقون بالتالي هدى المكافأة. السياسة التي تقوم على مبدأ “الجبر” وأنه من فعل الله سياسة شيطانية أما السياسة الشرعية فتخاطب رعاياها قائلة لهم بحق بأنهم هم الذين يختارون لأنفسهم فإما أن ينالوا هدى الزيادة بعملهم الصالح وإما تتشتت أعمالهم ويفقدون تأييد الله فيلحقهم إسم الضلال. السياسة الشرعية في تدبير حوائج الرعية تقوم على مبدأ الإختيار “السياسي” المتولد من رحم الإختيار “الإيماني”.

أكتفي الآن بهذا القدر حول مفهومي “الهدى” و “الضلال” وإلى مفهومي “القضاء” و “القدر” قريبا بمشيئة الله.

الحسيني

Published in: on أغسطس 7, 2007 at 4:16 م  اكتب تعليقُا  

The URI to TrackBack this entry is: https://alhousseiny.wordpress.com/2007/08/07/%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b1%d8%aa%d9%83%d8%b2%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%8a%d9%85%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b1%d8%b9%d9%8a%d8%a9-6/trackback/

RSS feed for comments on this post.

أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: