المرتكزات الإيمانية للسياسة الشرعية عند المعتزلة (6)

[10] الختم

وردت مادة (خ / ت / م) في الكتاب في ثمانية مواضع. وأصل “الخَتْم” الإستيثاق من أن لا يدخله شيئ ولا يخرج منه شيئ فقول الله تعالى:

(مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) (الأحزاب : 40)

يدل على أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي وثَّق ما فعله النبيُّون من قبله وصدَّق عليه ومن ثم لن يدخل إلى زمرة النبيين بعده نبي لاحق ـ وفي هذا رد على من ادعى النبوة بعده ـ ولن يخرج من زمرتهم نبي سابق ـ وفي هذا رد على من ادعى مجيئ المسيح للدنيا ثانية ـ أي أنه هو الذي أعطى لهم “التوثيق” الرسمي من خلال رسالته الغراء وشريعته السمحاء. وجدير بالذكر هنا أن “التوثيق” أمر “معنوي” وليس “ماديا” فالرسول الخاتم قد أعطى “التوثيق” و “التصديق” أي شهد لهم بالصدق فيما تنبئوا به وليس المقصود أنه “أوثقهم” أي شدهم بالحبال أو المادة. أذكر هذا كي نتمكن من فهم قول الله تعالى:

(أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ) (الجاثية : 23)

فالآية الشريفة تتحدث عن إنسان كافر بالله بدلا من أن يتخذ الله تعالى إلهاً إذا به يتخذ هواه إلهاً، ويغتر بعلمه فيضله الله أي يضيعه ويشتته ثم يختم على قلبه أي “يوثق” و “يشهد” بأن قلبه ضال. التوثيق هنا ليس معناه “الحيلولة” بينه وبين الإيمان وإنما بمثابة شهادة “ضمان” بأن قلبه كافر بالله وأن على بصره غشاء فلا يرى، وقد تم كل هذا كنتيجة للكفر وليس سببا له. ومثال ذلك حينما نقول “عدَّلَ” فلان فلانا ليس بمعنى جعله عدلا ولكن بمعنى “شهد” له بالعدالة كنيجة لكونه فعلا عدلا وليس كسبب. ومثل ذلك قوله تعالى:

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ. خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (البقرة : 6 – 7)

فالحديث يدور حول “الذين كفروا” وليس حول “الذين آمنوا”. هم كفروا بإظهار ذلك وإبطانه فوثق الله حالهم وصدق عليه بالختم على قلوبهم أي الشهادة لهم بالكفر كنتيجة وليس كسبب. وبقية آيات “الختم” يقال فيها ما قيل في أخواتها.

 

[11] الطبع

الطبع والطباع والتطبع والتطبيع والطبيعة وغيرها كلمات تشترك في جذر واحد هو (ط / ب /ع) والذي يوحي بأن هناك شيئ “طبيعي” أي معهود ومألوف يتم. المقصود بـ “الطبع” في بحثنا هو “شهادة” الله على الكفار والمنافين والأشرار وغيرهم بأن سلوكهم ذلك الخبيث قد ترسخ وتجذر لديهم فأصبح طبعا لهم وكما قيل الطبع يغلب التطبع. ما قيل عند الحديث عن “الختم” أعلاه يقال كذلك عند الحديث عن “الطبع” بأن المقصود هو “الشهادة” و “الضمان” بأنهم أصبحوا ذوي طبع خبيث وليس المقصود أبدا أن الله يحجزهم عن الإيمان فهذا ينافي التكليف:

(تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىَ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ) (الأعراف : 101)

قال أنه يطبع على قلوب “الكافرين” وليس على قلوب “المؤمنين” فشهادة الله لطباعهم بالدونية والسفالة نتيجة مستحقة لهم على كفرهم وليست سببا بإدخالهم في الكفر عنوة. يقول الحق تعالى:

(فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقًّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً) (النساء : 155)

فالباء في قوله تعالى “بكفرهم” باء السبب أي بسبب كفرهم يعطيهم الله “صكا” معنويا بأنهم كفار فإن فعلوا الإيمان أي آمنوا زالت عنهم تلك الوصمة وحلت محلها وسمة الإيمان. هل يفهم من كون “الختم” على قلوب الكافرين والظالمين والمعتدين و”الطبع” عليها “شهادة” من الله لهم بذلك أن المفهومين مترادفان؟ المفهومان في الواقع وإن كانا قريبين إلا أنهما متباينان فالطبع ـ ماديا ـ هو استخدام “أداة” ما أما “الناتج” عن عملية الطبع يسمى ختما. فالطبع يمثل “العام” والختم يمثل “الخاص” وقد يكون هناك فارق آخر كما نراه في عالم المادة وهو أن الختم ـ الذي يتم بالأحبار والأصباغ ـ قد يزول أما الطبع والذي يتم إما بأصباغ أكثر ثباتا أو بوسيلة “الضغط” على المطبوع يكون أكثر تماسكا وبقاءا ولذا يمكن القول بأن “الطبع” أقوى في تأشيره من “الختم”. ومن ثم فالكلمتان متفارقتان معنويا وكلاهما يدل على “تأشيرة” أو “سمة” لدخول عالم الأشرار وسببها استحقاقهم لتلك “التأشيرة” بأفعالهم.

 

[12] الإذن

الإذن هو “إعلام” بفعل شيئ هذا الإعلام ينطوي على “تصريح” بالفعل. الإذن يرتبط بالعلم بالشيئ والتصريح به تكليفا أو تخفيفا أو اختبارا. يقول الله تعالى في محكم التنزيل:

(وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ..) (النساء : 25)

فقوله تعالى “بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ” أي بعلم أهلهن أي بعد إعلام مباشر وصريح “تصريح” من أهلهن لكم بالموافقة فالإذن هو أشبه بجواز المرور بعلم السلطات.

(وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (التوبة : 3)

قوله تعالى “أذان” أي إعلام وإعلان وإخطار وتصريح رسمي من الله ورسوله ببراءتهما من المشركين. المجبرة لا تكتفي بهذا المعنى الواضح ولا تعيد الفرع لأصله فتسئل عن قوله تعالى:

(وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ) (يونس : 100)

وتقول أن الإيمان مترتب على الإذن فنقول صدق الله وكذب المجبرة الذين يزعمون أن الله “يخلق” الإيمان في المؤمنين و”يخلق” الكفر في الكافرين. هل كان لنفس أن تؤمن لولا هداية الله لها بالعقل والكتاب والرسول؟ الإجابة لا فبالعقل والكتاب والرسول هدانا الله إليه أي أعطانا جوازا للسلوك إليه جل شأنه وهذا هو الإذن. ليس المعنى هو أن الله “ركَّبَ” الفعل في الفاعل ولكن المعنى أن الله “منح” الفاعل جوازا وإذنا للذهاب إلي عالم الإيمان به.

 

الختم والطبع والإذن والسياسة الشرعية

كل الطرق تؤدي للهدف وكل “المفاهيم” السابقة تؤدي لحقيقة واحدة هي أن الإنسان مسؤل مسؤلية مطلقة عن أفعاله “التكليفية” وأن الله هو “المراقب” لنا وليس “الفاعل” لنا وهو لا يتدخل بالفعل في التكليف لا لعجز ولا لعلة ولكن لكلمة سبقت وحكمة مضت هي “التكليف”. ولما كانت السياسة الشرعية من جملة أفعالنا فلنعلم أننا قادرين على تشكيلها وفق المبادئ التي شرعها الله فمن حاف من الحكام وظلم فليعطه شعبه “شهادة” بحيفه وليختموا عليها ويطبعوا من خلال عملهم المؤسسي من أجل إزاحة الظالم وتعيين المقسط وليعلموا أن كل ذلك بإذن الله أي أن الله أعلمهم بضرورة فعل ذلك وهو مراقب لسلوكهم عالم بأفعالهم.

أكتفي بهذا القدر من الحديث حول المفاهيم الإيمانية المؤسسة والمؤصلة للسياسة الشرعية وأستسمح في تأجيل شرح مفهوم “الحاكمية” لحين البدء في سلسلة جديدة حول “مفاهيم” السياسة الشرعية قريبا ان شاء الله

والسلام.

الحسيني

Published in: on أغسطس 7, 2007 at 4:00 م  اكتب تعليقُا  

The URI to TrackBack this entry is: https://alhousseiny.wordpress.com/2007/08/07/%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b1%d8%aa%d9%83%d8%b2%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%8a%d9%85%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b1%d8%b9%d9%8a%d8%a9/trackback/

RSS feed for comments on this post.

أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: