المعتزلة المعاصرة والسياسة الشرعية

في الوقت الذي ترفض فيه المعتزلة المعاصرة مبدأ العنف السياسي لما يخلفه من فوضى تشمل الأخضر واليابس وترى أنه يحرم شرعا فإنها في الوقت نفسه ترفض مبدأ المشاركة السياسية في النظام السياسي الجائر وترى أنه كذلك يحرم شرعا . هذا التوجه الفكري للمعتزلة المعاصرة يؤدي إلى حيرة المهتمين بالعمل السياسي بصفة عامة ويجعل التساؤلات تثور في أذهانهم عن البديل الشرعي وهذا ما سأحاول الإجابة عليه في هذه السطور بتوفيق الله.أولا: ماهيَّة العمل السياسي المَعنِي؟
العمل السياسي جزء من العمل العام. العمل العام يشمل أنشطة متعددة منها العمل العام الرسمي أي التابع للنظام والعمل العام غير الرسمي أي الغير تابع للدولة. أما العمل العام الرسمي فهو ينقسم بدوره إلى أقسام: عمل عام رسمي سياسي أو قضائي أو إداري أو غير ذلك. العمل العام الرسمي في بعده السياسي قد يكون تنفيذيا الوزراء: نائب وزير / وزير / وزير دولة / … إلخ أو العضوية في السلك الدبلوماسي (وليس القنصلي). وقد يكون تشريعيا مثل العضوية في المجلس النيابي القطري (البرلمان) أو الإقليمي أو المحلي. إن المعتزلة المعاصرة حينما تتحدث عن العمل السياسي فإنها تقصد هذا الجانب. ويخرج من العمل السياسي ما يلي: الأعمال الإدارية مثل الموظفين الإداريين بمؤسسات النظام والأعمال الخدمية كالموظفين القنصليين وغيرهم والأعمال القانونية كالقضاة ـ عدا المناصب القضائية ذات الصبغة السياسية كوزير العدل وغيره ـ والأعمال الجمعوية كالنقابات المهنية والعمالية والإتحادات الطلابية وغير ذلك فهذا مما تجيز المعتزلة المعاصرة التنافس فيه بقدر مساحة الحرية المتاحة والضرورة تقدر بقدرها.

ثانيا: لماذا عدم المشاركة؟
نظرا لقبح مشاركة الظالمين في مؤسساتهم أولا ولحرمة ذلك في نفس الوقت بأدلة العقل والنقل. علاوة على ذلك رأينا من خلال التطبيق العملي أن العصفور لن ينتزع شيئا من بين فكي الضبع وأن الضبع لن يمنح العصفور إلا ما يريد منحه بالقدر الذي يراه ـ هذا إن منحه شيئا أصلا ـ ومن ثم فإن ضرر المشاركة شرعيا وماديا ومعنويا أكبر بكثير من نفع المشاركة ـ إن كان لها نفع يذكر ـ علاوة على إسباغ صفة الشرعية على السلطان الجائر داخليا وخارجيا وهي فرصة كبيرة له ليقوم بتلميع وجهه في الخارج متشدقا بنجاح تجربة الديموقراطية في سلطنته وهكذا. إن العمل السياسي بحد ذاته ليس حراما بل هو أوجب الواجبات بل هو أوجب شيئ بعد الإيمان بالله تعالى وإنما الحرام هو العمل السياسي في ظل مؤسسات السلطان الجائر المحل ما حرم الله والمحرم ما أحل الله فيلزم الإنتباه جيدا لهذا الفارق.

ثالثا: هل يعني عدمُ المشاركة السلبيَّةَ السياسية؟
هناك تيارات إسلامية لا تهتم أصلا بالعمل السياسي كالصوفية الطرقية وبعض السلفية. إنني حينما أذكر الصوفية في هذا المقام فإني أقصد الصوفية الطرقية أو صوفية الزوايا المعاصرة من شاذلية ورفاعية وأحمدية وأكبرية ودسوقية وقادرية وبوتشيشية وتيجانية ونقشبندية وغير ذلك من طرق تخدير الوعي ولا أقصد بطبيعة الحال علماء الصوفية أنفسهم فها هو السيد أبو الحسن الشاذلي يلحق بعسكر المسلمين في المنصورة لحثهم على استفراغ الوسع في حرب الصليبيين. وها هو الشيخ عز الدين بن عبد السلام الشافعي يشرف على تجهيز الجيش الذي خرج لملاقاة التتار في عين جالوت. وها هو الشيخ الأمير عبد القادر الجائري يحارب جند الفرنسيين الغزاة لأكثر من عقد ونصف من الزمان وها هم غيرهم كانوا حقا رهبانا بالليل فرسانا بالنهار. وحينما أتكلم عن السلفية فإنني أقصد أتباع الشيخ أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني الدمشقي الذي صنف كتاب السياسة الشرعية وخرج بنفسه لملاقاة التتار مع جند المسلمين فلا أقصده هو بل أقصد الأتباع والأذيال الذين خالفوا نهج الأبطال فأمسوا من الأرذال. هذه الفئات نجدها لا تهتم بالحياة السياسية أصلا ولربما كانت ترى في السياسة رجسا من عمل الشيطان وليس عبادة يتقرب بها إلى الرحمن. إذا تخطينا صوفية الزوايا وسلفية التكايا وجئنا إلى الأشاعرة نجدهم يجيزون العمل السياسي خلف البر والفاجر فلا يفرقون بين الغث والسمين ولا يميزون الشمال عن اليمين، بل أن منهم من كان عميلا للسلطان الجائر مثل أبي حامد الغزالي الطوسي المتصوف الأشعري الشافعي صاحب كتاب “إحياء علوم الدين” والذي كانت صلته بسلاطين السلاجقة أشهر من أن تذكر. فإذا تركنا هؤلاء وجئنا لأسلاف المعتزلة وجدنا فيهم كما في غيرهم أهل الإباء والشمم ووجدنا أيضا أهل البلاء واللمم فها هو الجاحظ يدافع عن سلاطين بني أمية في كتاب “العثمانية” وها هو العلاف وابن أخته النظام يؤمان أبواب السلاطين وهكذا نجد رموز الرذيلة السياسية كما نجد رموز الفضيلة السياسية فها هو بشر بن المعتمر المعتزلي رحمه الله يفضل أن يزج به في غياهب السجن على أن يوالي السلطان الجائر. إن أهل الفضل السياسي من كافة الإتجاهات الإسلامية مما تقدمت أسماؤهم وغيرهم ما انسحب أحد منهم من الحياة السياسية أبدا ولكنهم أخذوا مواقعهم في صفوف المعارضة المدنية وفضلوا هذا الموقع على موقع موالاة السلطان الجائر.

رابعا: ما هو الحل؟
ثلاثة مبادئ ترفضها المعتزلة المعاصرة: مبدأ العنف السياسي ومبدأ المشاركة السياسية ومبدأ الغيبوبة السياسية أما المبدأ الوحيد المقبول هو مبدأ المعارضة السياسية المدنية السلمية من خلال متابعة النشاط السياسي بالكامل دونما مشاركة هذا من ناحية وممارسة العمل العام الغير سياسي إداريا كان أم خدميا أم قضائيا من ناحية أخرى وتشجيع العمل الجمعوي ضمن المؤسسات المدنية الأهلية من ناحية ثالثة والتفرغ للبناء الفكري والتربية والتقرب من الله من ناحية رابعة. فالمعتزلة المعاصرة لا تمثل جماعة ولكنها تيار كائن في الأمة وهو تيار فكري في المقام الأول لدية الرؤية السياسية ـ على المستوى الفكري كذلك ـ المبينة أعلاه وهدفه إعادة بناء وعي الأمة من جديد على نهج مبدأي العدل والتوحيد العقليين.

الحسيني

Published in: on أغسطس 7, 2007 at 3:57 م  اكتب تعليقُا  

The URI to TrackBack this entry is: https://alhousseiny.wordpress.com/2007/08/07/%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%aa%d8%b2%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d8%b5%d8%b1%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b1%d8%b9%d9%8a%d8%a9/trackback/

RSS feed for comments on this post.

أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: