تدوين القرآن … المغالطات والحقائق

[1] القرآن الكريم

كلام الله تعالى الذي نزل به الروح الأمين على قلب محمد بن عبد الله رسول رب العالمين ليكون من المنذرين بلسان عربي (واضح) مبين (بليغ) يختلف اسمه حسب الصورة التي يأخذها أو الأثر المراد احداثه، على النحو التالي مثالا لا حصرا:

– الكتاب لأنه كلمات مكتوبة

– القرآن لأنه كلمات مقرؤة

– المصحف لأنه كلمات محفوظة في صحف

– الفرقان لأنه يفرق بين الحق والباطل

– التبيان لأنه يبين كل شيئ

– الذكر لأن فيه ذكرنا.

وهكذا نجد أن هذه الأسماء وان دلت جميعها على (كلام الله المنزل على محمد بن عبد الله) الا أنها ليست مترادفة بل بينها فروق دقيقة في المعاني بحيث يختص كل اسم منها بمعنى محدد ومختلف عن المعنى الذي يشير اليه اسم آخر وهكذا. وتسهيلا على القارئ أود الاشارة الى أنني سوف استخدم لفظ (القرآن) في السطور التالية دون الألفاظ الأخرى باعتباره أكثرها شيوعا وجريانا على الألسنة.

[2] مغالطات تاريخية حول تدوين القرآن

ذكر المؤرخون وكتاب علوم القرآن قصصا وروايات مغلوطة حول جمع القرآن. وزعموا أن جمع القرآن مر بثلاث مراحل:

(1) الجمع الأول للقرآن كان أثناء حياة الرسول صلى الله عليه. وقد تم تدوين القرآن على الأكتاف واللخاف والعسيب. وكان متفرقا في مواضع عدة بسبب طبيعة أدوات الكتابة ووسائل التدوين البدائية التي ذكروها. وعلى زعمهم هذا نتصور أن وسائل التدوين تلك كانت تحتاج الى حاوية كبيرة Container كي تحفظ بداخلها من الضياع ولكن لم يذكر المؤرخون أي شيئ عن وجود تلك الحاوية.

(2) الجمع الثاني للقرآن كان في عهد خلافة أبي بكر بناءا على توصية من عمر بن الخطاب أثر مقتل القراء في موقعة اليمامة. وفي هذا الجمع تم نقل (الكتاب) من الأكتاف واللخاف والعسيب الى صحف منتظمه اطلق عليها لفظ (المحف). وزعموا أن هذا المصحف ظل عند أبي بكر ثم انتقل بعد وفاته الى الخليفة الثاني عمر ثم انتقل بعد وفاته الى ابنته حفصة بنت عمر زوج رسول الله (وفي رواية طليقته) وكأن المصحف أضحى عهدة يتوارثها المولود عن والده. والعجيب في الآمر هو أنهم برروا استخدام وسائل تدوين بدائية على عهد الرسول بحجة أنه لم توجد أوراق في ذلك الوقت ولكنهم أباحوا لأنفسهم القول بأن تلك الأوراق وجدت ـ ربما فجأة ـ بعد وفاة الرسول بعدة أشهر فتم تدوين القرآن فيها.

(3) الجمع الثالث للقرآن كان في عهد خلافة عثمان بن عفان بناءا على توصية من بعض الصحابة أثر فتوح البلدان وعجمة اللسان وتخليط الأذهان فتمت الاستعانة بالمصحف ـ وقد أبت حفصة في بادئ الأمر تسليم المصحف للخليفة الا بعد أن وعد برده اليها ـ وتم استنساخة في مدونة رسمية عرفت باسم (مصحف عثمان) ثم تم استنساخ نسخ عديدة منه وارسالها للأمصار واحراق كل النسخ الأخرى ـ ماعدا نسخة حفصة ـ وأضحت النسخ العثمانية هي المعتمدة. وقد قيل أن (المصحف العثماني الامام) محفوظ بأحد متاحف بلاد الترك (تركيا).

هذه هي القصة التي زعمها المؤرخون والكتاب وأصبحت الألسنة تتداولها في كل مكان، وأترك للقارئ الكريم الحكم عليها، بعد الاطلاع على الرؤية القرآنية لجمع القرآن.

[3] البيان القرآني حول جمع القرآن

(1) نزل (الروح الأمين) جبريل عليه السلام بالقرآن الكريم على قلب محمد عليه السلام:

(وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ. بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ) (الشعراء : 192 – 195)

(2) القرآن الكريم يشير الى أنه كان مجموعا في صحف مطهرة متلوه:

(لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ. رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً. فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ) (البينة : 1 – 3)

رسول من الله (الروح الأمين) يتلوا صحفا (جمع صحيفة) مطهرة (اسم مفعول بمعنى طاهرة) فيها كتب (مواضيع جامعة لقضايا متعددة) قيمة. لفظ (صحف) يدل بوضوح على وجود أوراق مكتوب فيها القرآن الكريم. ولفظ (مطهرة) توحي بأنها ليست صحف أرضية وكنها صحف نزلت من الملأ الأعلى، وهي بهذا المعنى تمثل (الكتاب المكنون) الذي قال الله تعالى عنه:

(إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ. فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ. لّا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ. تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ) (الواقعة : 77 – 80)

المطهرون هم السفرة (سفراء الوحي)، الكرام البررة:

(كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ. فَمَن شَاء ذَكَرَهُ. فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ. مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ. بِأَيْدِي سَفَرَةٍ. كِرَامٍ بَرَرَةٍ) (عبس : 11 – 16)

(3) الروح الأمين كان يتلوا تلك الصحف المطهرة على محمد صلى الله عليه فيرددها فتجمع في صدره الشريف فورا:

(لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ. فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) القيامة : 16 – 19)

هذه الآية تدل بوضوح أن الجمع (الوحيد) للقرآن تم في حياة رسول الله، وفي قلبه، وأن فاعل الجمع هو الله تعالى. و بعد هذا الجمع في الصدر، وقبل وفاته صلى الله عليه، قام رسول الله بكتابة المحفوظ في صدره على ورق ليسهل على الناس حفظه، وقد خطه بيمينه:

(وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلاء مَن يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الْكَافِرُونَ. وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ. بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الظَّالِمُونَ) (العنكبوت : 47 – 49)

[4] تعلم الرسول الكريم للكتابة

أقدم في البداية ملحوظتين:

(1) لا يضير الاسلام أبدا أن يكون رسوله كاتبا وقارئا فالأعجاز القرآني نابع من داخله بما يشهد بأنه من الله وليس من البشر.

(2) اللسان القرآني واضح في اختيار الألفاظ: (يقرأ) غير (يتلوا) غير (يقول) غير (يتكلم) غير (ينطق) غير (يردد) وهكذا. فحين يتنزل أمر الهي يقول (اقرأ) نكون بصدد الحديث عن كلام (يقرأ) وليس (يتلى). ويصعب أن يتصور الانسان دينا يأمر بالقرءة والكتابة والحساب ثم لا يمتثل رسوله لهذه الأوامر.

اذا فرغنا من هذا فلنقراء قول الله تعالى:

(وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلاء مَن يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الْكَافِرُونَ. وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ. بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الظَّالِمُونَ) (العنكبوت : 47 – 49)

وبالتحديد الآية التالية::

(وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ)

هل هذه الآية تقول أن الرسول ظل طيلة حياته أميا؟ لا، أبدا، وكنها تخبر عن حقيقة كونه أميا قبل نزول القرآن فقط. فتقول: لو لم تكن أميا لشك في القرآن المبطلون. أما وقد نزل القرآن حال أميتك فهذا أدعى لهم للايمان، ولكن حسبك من الأمية ما قد مضى، وآن وقت تعلم القراءة والكتابة. الآية اذا تصف (حال) مضى وانتهى ولا تتحدث اطلاقا عن (استصحاب) ذلك الحال. ولاحظوا دلالات الألفاظ من فوق الخط الأحمر للدلالة على واقع حدث في زمن قبل نزول القرآن. هذا وقد وردت بعض الأخبار الدالة على قدرة الرسول على الكتابة مثل أخبار صلح الحديبية حين مسح النبي تركيب (محمد رسول الله) وكتب بدلا من ذلك (محمد بن عبد الله).

[5] الخلاصة

[1] روايات جمع القرآن مليئة بالمغاطات والعلل العقلية والتاريخية ومن ثم لا يمكن التعويل عليها أبدا. الرواية الوحيدة التي توجب اليقين هي الرواية القرآنية.

[2] القرآن الكريم يبين أنه من عند الله، نزل به الروح الأمين، على قلب محمد ليكون من المنذرين. وأنه نزل مكتوبا في صحف مطهرة بيد الروح الأمين يتوها على مسمع رسول رب العالمين ليبلغها للناس أجمعين.

[3] هذه التلاوة يسمعها الرسول فيرددها فيجمعها الله في صدره فيتلوها على مسامع الناس.

[4] الرسول الذي كان أميا تعلم القراءة والكتابة لما جاءه الأمر (اقرأ) ثم دون القرآن بيمينه الشريف في صحف حفظت في عصره وعصور تلته وقد وصلتنا نسخة منها من النسخ التي أرسلها رسول الله في الأمصار ولعل الزمن يكشف عن مخطوطتها في يوم ما ان شاء الله.

أكتفي بهذا القدر والسلام

الحسيني

Published in: on أغسطس 17, 2007 at 6:41 م  Comments (1)  

The URI to TrackBack this entry is: https://alhousseiny.wordpress.com/2007/08/17/%d8%aa%d8%af%d9%88%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ba%d8%a7%d9%84%d8%b7%d8%a7%d8%aa-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%82%d8%a7%d8%a6%d9%82/trackback/

RSS feed for comments on this post.

One Commentأضف تعليقاً

  1. الأستاذُ الفاضل معتز الحسيني, السلامُ عليكمْ ورحمة الله وبركاته, وبعد:

    لقد استفدتُ أيما استفادةٍ وأنا أقرأ في مدونتك ” مدرسة التجديد في الفكر الاعتزالي” , فقد وجدتك رجلاً ذو علمٍ واطّلاعٍ قل نظيرهُ في دنيا المنتدياتِ والمدوناتِ , فأحببتُ أولاً أن أشكركَ لما تبذلهُ من جهدٍ في سبيلِ نشرِ العلمِ وتسهيلِ عمليةِ التفقهِ في الدينِ والعلمِ بالتاريخِ العربيِّ و الإسلاميِّ, وثانياً أن أبديَ إعجابي الشديد بشخصك الكريم وفكرك النيّر .

    وأتمنى إن أسعفكَ الوقتُ أن أطرح عليك بعض الأسئلة حول بعض المواضيعِ التي أَثرتها في مدونتكِ تحت عنوان ” تدوين القرآن المغالطات والحقائق” وما جرى بينكَ وبين الأستاذ (سمير إبراهيم حسن) من نقاشٍ في منتدى (العقلانيين العربْ) تحت عنوان ” تفسير المتشابه متشابه” متمنياً أن أجد الجواب الشافي والكافي لأسئلةٍ عالِقَةٍ في ذهني منذ سنواتٍ خلتْ .

    وأسئلتي هي :

    من كتب القرآن الكريم , الرسول (ص) أم الصحابة ؟

    وهل رسم القرآن الكريم توقيفي أم اجتهاد بشري ؟

    وهل النقط والحركات وبعض الرموز الموجودة في المصحف اجتهاد بشري أم توقيفي ؟

    وما رأيك بالقراءات السبع ؟

    وإذا كان الرسول (ص) هو من كتب القرآن فأين هي نسخة الرسول ؟

    وأخيراً , ما رأيك باجتهادات الأستاذ سمير إبراهيم كموقفه من اللغة العربية , والغريبة والخارجة عن المألوف كفهمه لمسألة الصلاة والزكاة مثلاً ؟

    وكل عام ٍ وأنتَ بألفِ خيرْ , والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته …


أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: