رسالة في أنواع الآلام ووجوه حسنها وقبحها (1)

كلمة (آلام) جمع تكسير لكلمة (ألم) وأصلها الثلاثي هو الهمزة واللام والميم. الألم كلمة تطلق على الوجع المادي ـ الجسدي ـ والغير مادي ـ النفسي أو الروحي ـ وما يصاحب ذلك الوجع من مرارة وعذاب وشعور بعدم السعادة. وقد وردت مادة ( ء / ل / م) في الكتاب في مواضع كثيرة منها ثلاثة مواضع في قول الله تعالى:

(وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) (النساء : 104)

تختلف نظرة الناس للآلام من محسن لها بشروط ومن مقبح لها بغير شروط. في هذا المقال سأوجز عرض رؤية أهل التوحيد والعدل لمبحث الآلام بتوفيق الله. اعلم أن الآلام قد تتولد من أفعال العباد وقد تتولد من أفعال الله، ويندرج تحت كل قسم منهما أنواع مختلفة تحسن جميعها وذلك على النحو التالي:

أولا: الآلام المتولدة من أفعال العباد

[1] الإستحقاق
الوجه الأول من وجوه حسن الآلام البشرية المتولدة من أفعال العباد هو الإستحقاق أي استحقاق الإنسان للألم على سبيل العقوبة والغرامة والجزاء بسبب خرق قاعدة قانونية شرعية أو وضعية كالسارق مثلا تقطع يده لارتكابه جريمة السرقة فينتج عند ذلك ألم. هذا الألم يحسن لكونه مستحقا وذلك بعكس قطع يد البريء فيقبح ذلك الألم لعدم استحقاق المتألم له. وكذلك الحال بالنسبة للعقوبات الأخرى كالسجن أو الفصل من العمل أو الغرامة فكل الآلام الناتجة هنا تحسن بسبب استحقاق المتألمين لها وتقبح إن لم يستحقوها.

[2] جلب المنفعة
الوجه الثاني من وجوه حسن الآلام البشرية هو تحمل الإنسان للألم في أثناء سعي الإنسان لجلب المنفعة كالرزق مثلا، فحتى يكسب الإنسان رزقه عليه أن يتحمل آلاما مختلفة ومن الناس من قد يتعرض للإصابة أو فقد أحد أعضائه أثناء العمل كحدوث إنهيار في أحد المناجم مثلا ينتج عنه بتر يد أو قدم أحد عمال المناجم فيحسن تحمل تلك الآلام لما كان الغرض الأساسي هو الكسب وذلك بعكس من يبتر يده بلا سبب مثل ما يفعله بعض المهووسين فإن الألم هنا يقبح لعدم تولده عن جلب لمنفعة حقيقية.

[3] دفع المضرة
الوجه الثالث من وجوه حسن الآلام البشرية هو تحمل الإنسان للألم في أثناء سعي الإنسان لدفع ضرر وقع به كتحمل المريض لآلام التخدير والجراحة والعلاج دفعا للمرض والعلل والعاهات وجلبا للصحة والعافية والشفاء، إذ يحسن العدو على الشوك هربا من السبع. على عكس ذلك الألم الناتج عن جراحة لا فائدة من وراءها أو ألم غير مرتبط بدفع ضرر ولا جلب منفعة فيقبح الألم في هذه الحالة.

ثانيا: الآلام المتولدة من أفعال الله

[1] الإستحقاق
الوجه الأول من وجوه حسن الآلام البشرية المتولدة من أفعال الله تعالى هو الإستحقاق أي استحقاق الإنسان للألم على سبيل العقوبة والغرامة والجزاء بسبب عدم الإيمان بالله تعالى أو عدم اتباع تعاليمه، وهذا ينطبق على عذاب الله للذين كذبوا رسلهم مثلا وفي هذا يقول الحق تعالى:

(وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (الأعراف : 73)

وينطبق كذلك على الذين يخالفون أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي هذا يقول الحق تعالى:

(لا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (النور : 63)

وينطبق كذلك على الذين لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر وفي هذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده) (حسن صحيح)

[2] الإعتبار والمصلحة
الوجه الثاني من وجوه حسن الآلام البشرية المتولدة من أفعال الله تعالى هو الإعتبار والمصلحة مع ارتباط ذلك بالعوض. أما (الاعتبار) فإنه يكون للمكلف نفسه حتى يرى قدرة الله ويشكره على نعمه التي لم يسلبها منه ويكون للآخرين حتى يرون فضل الله عليهم بما أغدق به عليهم من نعم ظاهرة وباطنة فتلهج قلوبهم وألسنتهم بحمد الله قائلة “الحمد الله الذي عافنا وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلا”. أما (المصلحة) فهي اللطف الخفي في الآلام فإن حل مرض بعاص مثلا قد يكون ذلك لطفا به فإن أحسن استثماره والإنتفاع به يكون ذلك بمثابة حافز له للإصلاح الذاتي. شرطا الإعتبار والمصلحة يخرجان بالآلام عن كونها ظلما وشرط العوض يخرج بها عن كونها عبثا. أما (العوض) فهو يختلف عن الثواب، فالثواب هو أجر الطاعة والعوض هو أجر الألم، وقد اختلف فيه العلماء ما بين قائل أنه يتحقق في الدنيا وقائل في الآخرة وقائل فيهما جميعا. مما قد يرجح احتمال تحقق العوض في الآخرة هو ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(يود أهل العافية يوم القيامة حين يعطى أهل البلاء الثواب، لو أن جلودهم كانت قرضت فى الدنيا بالمقاريض) (صحيح).

فـ (أهل البلاء) هم أهل الآلام، و(الثواب) هنا يقصد به ثواب الآلام أي العوض وليس ثواب الطاعات. وليس ببعيد على الله الكريم أن يعوض المبتلى في الدارين. واختلف العلماء كذلك في العوض: واجب على الله أم فضل منه إلى قولين، أولهما أنه واجب وثانيهما أنه فضل.

[3] الإختبار
الوجه الثالث من وجوه حسن الآلام البشرية المتولدة من أفعال الله تعالى هو الإختبار وهو لثلاثة أسباب، أولهما: تمحيص الإيمان أي فحصه واختباره إذ ليس القول كالفعل، وليست النائحة كالثكلى. ثانيهما: رفع الدرجات وذلك لمن علا كعبه وطمحت همته واجتهد في الطاعة. ثالثهما: حط السيئات وذلك لكل من لم يبلغ الدرجة السابقة. ويمكن التمثيل لذلك بالإمتحان الدراسي حيث ينقسم الممتحنون ـ بفتح الحاء ـ إلى ثلاثة أقسام: الناجحون والراسبون. ثم ينقسم الناجحون إلى قسمين: المتفوقون والعاديون. تكون الآلام هنا لتمحيص الإيمان أي لتقسيمهم لناجحين وراسبين، ثم تكون زيادة الحسنات للناجحين بمثابة امتحان رفيع المستوى للمتفوقين، ويكون حط السيئات للناجحين بمثابة امتحان تحسين المستوى للعاديين. أما الراسبون فقد تكون هناك آلام لهم لانتشالهم من التردي في الرسوب للقاع ورفعهم لدرجة أعلى لتخفيف العذاب عليهم وهذا كله من رحمة الله وكرمه بعباده.

ثالثا: الآلام المتولدة من مخالفة السنن الكونية والتكوينية

خاصية الإحراق في النار مثلا سنة من سنن الله الكونية المضطردة والتي لا تتعطل إلا آية لنبي كما حدث مع نبينا إبراهيم عليه الصلاة والسلام، أما فيما عد ذلك فخاصية النار هي الإحراق. مخالفة السنن الكونية ينقسم إلى الأقسام الآتية:

[1] مخالفة من المكلف مقصودة
هب أن إنسانا وضع يده داخل النار ـ بدون سبب ـ فستحرق النار يده. الألم المتولد في هذه الحالة هو من الله لكن باكتساب بشري. ولما كان مبرر وضع اليد في النار منعدما فلا عوض عن الألم المتولد في هذه الحالة إن كان الواضع مكلفا عاقلا قاصدا.

[2] مخالفة من المكلف غير مقصودة
كالمرأة الحامل التي تتعاطى دواءا لم تعلم بخطورته على الحمل فنتج عن ذلك عيب خلقي في وليدها فإن المرأة تتألم عندئذ والوليد يتألم. أما الوليد فغير مكلف ـ بعد ـ ولذلك فله العوض. أما الأم فهي وإن كانت مكلفة وعاقلة ومخالفة للسنن إلا أنها لم تقصد الإضرار بولدها فيكون لها العوض رحمة من الله وتفضلا.

[3] مخالفة من غير المكلف
إن كان المخالف مجنونا أو صغيرا أو غير عاقل كالبهائم يكون هناك عوض للألم في هذه الحالة.

الحسيني

Published in: on أغسطس 17, 2007 at 6:27 م  اكتب تعليقُا  

The URI to TrackBack this entry is: https://alhousseiny.wordpress.com/2007/08/17/%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a3%d9%86%d9%88%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%a2%d9%84%d8%a7%d9%85-%d9%88%d9%88%d8%ac%d9%88%d9%87-%d8%ad%d8%b3%d9%86%d9%87%d8%a7-%d9%88%d9%82%d8%a8%d8%ad-3/trackback/

RSS feed for comments on this post.

أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: