رسالة في أنواع الآلام ووجوه حسنها وقبحها (3)

 

محاورات حول الآلام

مبدئيا استطيع ان اقول لك انه مهما تنوعت الاسباب والنتائج يبقي الالم هو الالم…

الألم حقا جرعة مرة من الوجع نتجرعها على مضض ولكن تقسيمي الآلام لنوعين: نوع متولد عن أفعال العباد ونوع متولد عن أفعال الله له هدفان أولهما: تحديد نطاق المسؤلية. ثانيهما: الباعث على تخفيف حدة الألم ووطأته. الألم هنا ينتج عن أحد مصدرين: مصدر لنا فيه غريم فيجب في هذه الحالة محاسبة المتسبب فيه، ومصدر ليس لنا فيه غريم فيجب في هذه الحالة الصبر، والصبر هو حبس النفس على ما تكره حتى لا ينعكس الألم على عمل الجوارح فيتسبب ذلك في أذى للنفس أو للآخرين. وطبيعي أن يكون الألم في الحالتين مرا وخانقا فهذه طبيعة الحياة إلا أنه في الحالة الثانية ـ عدم وجود غريم ـ يكون أخف وطأة نسبيا.

لماذا حصرت الالم في نوعه المادي فقط ؟ ماذا عن الالام النفسيه؟

قد أكون فعلا حصرت الأمثلة في الآلام المادية فقط لأن الغرض من ضرب الأمثال هو تقريب الفكرة والأمثلة المادية تكون في هذه الحالة أوضح من غيرها في تقريب المعنى. بيد أنني قصدت بمقالي عن الآلام النوعين معا: الآلام المادية والآلام النفسية ولذلك كتبت في البداية ما يلي: [الألم كلمة تطلق على الوجع المادي ـ الجسدي ـ والغير مادي ـ النفسي أو الروحي ـ وما يصاحب ذلك الوجع من مرارة وعذاب وشعور بعدم السعادة…] إلا أن التمثيل تركز فقط على الآلام المادية للسبب الذي ذكرته آنفا.

… تكلمت حضرتك وكان الناس في تفاعلهم لنوع الالم الذي سميته بالاختبار من الله سبحانه وتعالي …. واحد وهو الصبر والاحتساب. مع ان هناك كثير من الشواهد والحوادث والحكايات عن اناس كان تفاعلهم مع الم الاختبار سلبي للغايه…. فاذا كان الالم غايته تطهيري قد وصل بي الي الجريمه او الحسد والحقد او حتي الكفر؟ فتكون المحصله كالاتي: عذاب والم في الدنيا لا يقاس بعذاب الاخره يعني عذاب في عذاب.

هذه نقطة جد مهمة وتحتاج لبعض التوضيح فأقول: وجود الألم لا يؤدي بالضرورة للتطهير بل هو مجرد “فرصة” للتطهير إن أحسن المتألم استثمارها أما إن أساء استثمارها فقد يؤدي ذلك للنتيجة المؤسفة التي ذكرتيها. هنا لابد أن يكون لدى المتألم “وعي” و “رؤية” لفلسفة الألم وما يحتويه من ألطاف حتى يتعامل مع فورة الألم بعقلانية ولا ينساق وراءها بعاطفية فيتردى. مشكلة أغلب المتألمين ـ لا سيما المثاليين ـ أنهم ينساقون وراء الألم إنسياقيا عاطفيا وجدانيا ولا يحاولون تطويع الألم لعقولهم حتى يصبح العقل هو المتبوع والألم هو التابع. لذلك يحرص الإسلام على ضرورة تنمية ملكة “الصبر” لدى المسلم منذ اللحظة الأولى لمجيئه للدنيا إذ أن تلك الملكة هي الوحيدة التي تجعلنا نعتاد على ترويض الآلام واخضاعها للعقل.

ماذا لو كان نقيض الم الاختبار زي النعمه والجمال والمال الخ الخ الخ هل كانت النتيجه تختلف؟ بمعني هل الانسان ساعتها قد لا يحسد ولا يحقد ولا يكفر وهكذا؟

هذه نقطة كذلك في غاية الأهمية وهي ترتبط بالوجه الإيجابي للطف إذ أن اللطف هو “مصلحة” للعبد أي أنه يؤدي لصلاح حال الإنسان إن أحسن تطويعه وقد يكون بالمضرة كالآلام التي تحدثنا عنها وقد يكون بالمنافع التي تفضلتي بذكرها وغيرها. وكما أن من لطف الله به لطف مضرة ـ أي آلمه ـ قد يحسن استغلاله وقد يسيء، فكذلك من لطف الله به لطف منفعة قد يحسن استغلاله وقد يسيء، فالجميل مثلا قد يعلم أن الجمال اختبار فيعرف حق المنعم عليه به فبقترب مثلا من نموذج الصديق بن يعقوب عليهما السلام، وقد يقوده الجمال للغرور فيورده موارد الهلكة. الخلاصة هنا هي أن المضار ومنها الآلام من ناحية والمنافع من ناحية أخرى وجهان لعملة واحدة هي “اللطف” ويرتبط بدوره بكيفية تعامل العباد معه فقد يلطف الله بنا لطفا من أحد النوعين فيتعامل معه أحدنا بإيجابية بينما يتعامل معه آخر بسلبية وهكذا نرى أن اللطف لا يؤدي بالضرورة للتطهير والخلاص بل يرتبط أخير بأفعال العباد: إما حسن استثمار له وإما اضاعة الفرصة.

هل هناك حديث قدسي يؤدي هذا المعني؟ (ان هناك اناس تصلحهم النعمه فيحسن الله اليهم ويعطيهم وان هناك انس يصلحهم الحرمان فيحرمهم الله؟) ارجو ان نكون جميعا ممن يصلحم العطاء والنعيم.

روي أثر بهذا المعنى ولا أرى صحته فالله ذكر في كتابه أنه يبتلي بالخير أي: المنافع ” و ” الشر أي: المضار، كما في قوله تعالى:

(… وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَ الْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) (الأنبياء : 35)

فقال ” و ” ولم يقل ” أو ” بما يدل على أن كل إنسان يبتلي بالوجهين معا وليس بوجه دون الآخر كما تزعم المجبرة كالأشاعرة وغيرهم.

اخيرا ارجو ان توضح لي موقف غير المؤمنين من الم الاختبار. بمعني ان الالام التي قد نقطع ان الله سبحانه وتعالي قد احدثها اذا حدثت لغير المسلم والمؤمن كالكافر مثلا ماذا يكون الوضع والعوض اذا لم يؤمن هذا الكافر مثلا؟

إذا كان مصدر الألم هو الله تعالى فإنه يعوض المتألم أيا كان نوعه: إنسان أم حيوان أم غير ذلك. ولذلك ذكر علماؤنا رضوان الله عليهم أن الله تعالى يعوض البهائم في الآخرة لما لحقها في الدنيا من آلام كالضرب والجوع والذبح والمرض وغير ذلك وهذا من عدل الله ورحمته واحسانه حتى بغير العاقل فما بالنا بالعاقل؟ إذا لحق الإنسان الكافر ألم في الدنيا وكان ذلك الألم متولدا عن أفعال الله فإن الله تعالى يعوضه في الآخرة عن ذلك الألم بتخفيف عقابه أو افناء النار ـ عند القائلين بفناء الحركات كأبي الهذيل العلاف وغيره ـ أو ما شابه ذلك والله أعلم.

لم اسمع من قبل عن المدرسة المطرفية فيا ليتك تجد الوقت لتحيلني الى اسماء مراجع

المطرفية أحد فرق الزيدية والتي أبادها الإمام المنصور عبدالله بن حمزة الزيدي (توفي عام 614 هـ) لأسباب سياسية. ترى المطرفية أن الله خلق “العناصر” الأساسية لهذا الكون وتركها لتتفاعل ضمن إطار برنامج من السنن الكونية وهذا ما أخبرني به العالم الزيدي والفيلسوف الكبير الأستاذ حسن زيد أثناء حوارنا عن المطرفية على برنامج البالتوك قبل سنتين. أما عن المراجع فأرشح لك كتاب (حوار عن المطرفية: الفكر والمأساة) للكاتب الزيدي الأستاذ / زيد الوزير وآخرين وهو من منشورات مركز التراث والبحوث اليمني.

ومن هم الفلاسفة اصحاب نظرية التفويض المطلق؟

ذكر الإمام المهدي لدين الله أحمد بن يحيى بن المرتضى في كتابه القيم “الملل والنحل” والمنشور ضمن مقدمة موسوعته “البحر الزخار” الدهريين واختلافهم في المؤثر وسمى “أرسطوطاليس” كأحد القائلين بنظرية “العلة القديمة” وكذلك أقوال فلاسفة أخرين شرحها تفصيلا في كتابه “المنية والأمل” فيمكنك الرجوع إليها.

الخلاف بيننا في هذه المسألة ليس كبيرا كما قد يظن، فنحن متفقان على أن الآلام الكونية علتها الأولى هي “أفعال الله تعالى” أما الخلاف بيننا فهو حصرا في السؤال التالي: هل تحدث الآلام الكونية بإرادة حادثة ـ كما أرى ـ أم بأمر مودع فيها ـ كما ترى ـ منذ اللحظة الأولى للخلق؟

تحياتي

والسلام

الحسيني

Published in: on أغسطس 17, 2007 at 6:24 م  اكتب تعليقُا  

The URI to TrackBack this entry is: https://alhousseiny.wordpress.com/2007/08/17/%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a3%d9%86%d9%88%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%a2%d9%84%d8%a7%d9%85-%d9%88%d9%88%d8%ac%d9%88%d9%87-%d8%ad%d8%b3%d9%86%d9%87%d8%a7-%d9%88%d9%82%d8%a8%d8%ad/trackback/

RSS feed for comments on this post.

أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: