ضرب الأبناء على الصلاة

أرسل إلي أخ عزيز فاضل من بلاد الحرم المكي الشريف بالموقف التالي وسؤال متعلق به مستفسرا عن رأيي في هذا الموضوع. ولما كان للسؤال علاقة بمفهوم (الضرب) في الكتاب ومن ثم فهو يعتبر الوجه الآخر لقضية ضرب الزوجات، رأيت وضع السؤال في هذه الساحة ليكون متمما لموضوع آخر بنفس الساحة بعنوان (واضربوهن) والله ولي التوفيق.

الموقف

اليوم وانا اصلي الفجر في المسجد كان بجانبي غلام صغير عمره فيما اقدره بين الحادية عشرة والثانية عشرة تقريباً… وكما تعلمون ايها الاساتذة الكرام ان بعض ائمة المساجد يطيل القراءة في صلاة الفجر …المهم ان هذا الغلام عندما سجدنا السجدة الثانية في الركعة الثانية غط في نوم عميق وهو على سجوده حتى ان احد المصلين بالجانب الاخر من الغلام افاقه من نومه بحذر شديد وهو يذكر اسم الله ويكرره خشية ان يرتعب هذا الغلام …الحقيقة ان المشهد جعلني افكر لماذا يفعل الاباء هكذا بأبنائهم ..؟ وتذكرت حديثاً مشهوراً يتردد ذكره بين ابناء بلادي بكثرة حتى اصبح الكبير والصغير يعرفه ولا ادري عن صحته وسوف اورده ومن ثم سوف اذكر بعض ملاحظاتي عليه وهو في نظري سبب رئيسي لافعال الاباء التي تكون من هذا النوع … الحديث ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ‏مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين وفرقوا بينهم في المضاجع‏” )‏ … وقد افتى بصحته ابن باز مفتي السعودية واللجنة الدائمة للافتاء …

السؤال

نعلم كما هو معروف ان ماهي شروط التكليف المتعارف عليها عن الفقهاء ومنها ( البلوغ – اي الاحتلام – او سن الخامسة عشرة ) … والحديث جاء في متنه (واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين ) فكيف يضرب على تركه للصلاة وهو لم يكلف بعد ..! فهل هذا الحديث صحيح هذا اولاً …وثانياً . ما معنى الضرب هنا.. هل يعني عقوبة على ترك الصلاة .؟ وان كان كذلك فهنالك العشرات من الشواهد على ان الصلاة تكون من المسلم برغبته ولا يكره او يضرب عليها .. وان كان الضرب هنا له معنى اخر اتمنى ايضاحه …

الجواب

أولا: مدخل إلى الموضوع

[1] الإسلام في علاقته بالإنسان يقوم على قاعدة نفي الإكراه في الدين وفي ذلك يقول الحق جل وعلا:

(لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ …) (البقرة : 256)

ونفي الإكراه في الدين يشمل العقيدة والشريعة معا إلا ماله علاقة بتنظيم حركة المجتمع في خط المعاملات.

[2] الصلاة في الإسلام لها مكانة كبرى وهي أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة بعد الإيمان بالله ورسوله. يقول المصطفى صلوات
الله عليه:

(إن أول ما يحاسب به العبد المسلم يوم القيامة الصلاة المكتوبة) (صحيح / صحيح إبن ماجة / الألباني / 1181)

فمن أنكر الصلاة جحودا فهو كافر مرتد ولكن لا حد عليه ومن تكاسل عنها فلم يؤدها وهو غير جاحد لها فهو مسلم عاصي إن مات دون توبة فهو خالد في النار لأن الحق تعالى يقول:

(وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ) (النساء : 14)

[3] على الآباء تعليم أبناءهم الصلاة وهذا جزء من مهامهم التربوية على أن لا يتعدوا حدود الشرع باستخدام الإيذاء الجسدي على ما سيأتي لاحقا وبذا تخلص ذمة الآباء تجاه الأبناء أمام الله، فإذا شب الأبناء وتركوا الصلاة فإن الذم يلحقهم بينما لا يلحق آباءهم. يلحق الذم الآباء فقط إن قصروا في تربية الأبناء.

ثانيا: موجز مفهوم الضرب في الكتاب

إذا حاولنا إستنطاق القرآن الكريم لفهم مفهوم (الضرب) فماذا نجد؟

الضرب في الكتاب يأتي على معاني متعددة منها:

– ضرب الأمثال

– الضرب بشيئ كالعصا أو اليمين

– الضرب في الأرض أو في سبيل الله

– ضرب الوجوه والأدبار

وغير ذلك.

في هذا السياق يمكن ملاحظة ما يلي:

(1) ورود الفعل (ضرب) كفعل متعدي لمفعول واحد مثل ضرب الأمثال، الوجوه، الأدبار، …

(2) ورود الفعل (ضرب) كفعل لازم يتعدى بأحد حروف الجر كالضرب باليمين أو على الآذان أو غير ذلك

(3) حروف الجر التي تقترن بفعل (ضرب) هي (الباء) كالضرب باليمين، و (في) كالضرب في الأرض، و (على) كالضرب على الآذان، و (فوق) كالضرب فوق الأعناق.

من خلال تتبع كافة المعاني السابقة نجد أنها تعود لمعنى واحد يمكن أن نسميه أصل الضرب، هذا المعنى أضعه من خلال المعادلة التعريفية التالية:

الضرب = حركة الشيئ وزواله من موضعه

خذ مثلا قوله تعالى:

(وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاةِ…) (النساء : 101)

الضرب في الأرض هو إنتقل من النقطة (أ) إلى النقطة (ب) وهكذا يحل الجسم أو الإنسان في مكان ثم يخلو منه هذا المكان ويحل في مكان جديد وهكذا (الحركة والسيرورة)

وخذ مثلا قوله تعالى:

(فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ) (الصافات : 93)

حينما يمسك الإنسان عصا بيمينه ويضرب بها فإنه يرفع يمينه إلى أعلى (النقطة أ) ثم يهوي بها إلى أسفل (النقطة ب) وهكذا يحمل معنى الضرب هنا كذلك معنى الحركة.

وخذ مثلا قوله تعالى:

(فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ) (محمد : 4)

ضرب الرقاب له دلالتان كل منها تدل على الحركة والإنتقال: الإنسان يضرب الرقاب بسيف مثلا فيرفع يمينه بالسيف ثم يهوي به على رقبة العدو وهذا الفعل هو حركة. والرفبة المضروبة هي الواصلة بين الرأس والجسد والتي على أثر الضرب تنقطع فتزول رأسه عن جسده وهو فعل يحتوي كذلك على الحركة.

إذا إستصحبنا كل هذه الملاحظات تسنى لنا إدراك ما يلي:

حينما يربط القرآن بين (الضرب) والحركة في خط (الإيذاء) ـ أي الضرب الجسدي بالمفهوم العامي – فإنه يذكر – أي القرآن – الجزء المضروب مثل: وجوههم، أدبارهم، الرقاب، الأعناق، البنان وهكذا، بينما المفعول به في الآية الكريمة هو (الكل) وليس (الجزء) فخرج بذلك عن كونه إيذاءا جسديا.

ثالثا: الحديث محل البحث
(مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين وفرقوا بينهم في المضاجع‏…)‏

  

إن صح سند الحديث حقا فإن تفسيره كما يلي:

(مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين)

توجيه للآباء ببدء ممارسة مهامهم التربوية والتوعوية تجاه الأبناء إزاء الصلاة في الإسلام وشرح مفهومها وتدريبهم على ممارستها.

(واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين)

بعد إنتهاء فترة الإعداد النظري للأبناء داخل الأسرة على الصلاة لسبع سنوات تأتي فترة الإعداد العملي لهم عليها خارج الأسرة أي في المسجد وتستمر هذه الفترة لحين بداية التكليف بالبلوغ العضوي.

هذا المعنى توحي به جملة (واضربوهم عليها) من نواح بيانها كالتالي:

(1) فعل (اضرب) فعل أمر مبني متعدي لمفعول واحد على الضم لاتصاله بواو الجماعة وهو يفيد الحركة ولا يفيد الإيذاء الجسدي لعدم النص على الجزء الذي يؤذى كما سبق بيان ذلك أعلاه.

(2) واو الجماعة ـ تعود على الآباء ـ فاعل في محل رفع.

(3) هم ضمير مبني على السكون في محل نصب مفعول به يعود على الأولاد.

(4) حرف الجر (على) يفيد الشيئ الذي يتم تحريكهم (ضربهم) من أجله.

الخلاصة

عبارة (واضربوهم عليها) ليست إلا أمر الآباء لأبناءهم بالسعي إلى الصلاة في المسجد لعشر سنوات تدريبا وتطبيقا عمليا على ما تعلموه نظريا لسبع سنوات، وذلك بقولهم لهم: حي على الصلاة.

مصدر الشبه هو فهم خاطئ بأن فعل (ضرب) معناه الإيذاء الجسدي ولو باللمس الخفيف بينما أصل فعل (ضرب) هو الحركة والإنتقال.

أكتفي بهذا القدر

والسلام

الحسيني.

Published in: on أغسطس 17, 2007 at 5:36 م  اكتب تعليقُا  

The URI to TrackBack this entry is: https://alhousseiny.wordpress.com/2007/08/17/%d8%b6%d8%b1%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%a8%d9%86%d8%a7%d8%a1-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%84%d8%a7%d8%a9/trackback/

RSS feed for comments on this post.

أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: