فقه السنة عند المعتزلة المعاصرة (3)

 

السنة بين المفهوم القرآني والإصطلاح البشري

علمنا مما تقدم أن المفهوم القرآني لكلمة “سنة” يدل على القوانين الثابتة المضطردة التي لا تتبدل ولا تتغير وبهذا يقدم لنا القرآن الكريم خاصيتين هامتين للغاية أولهما: إرتباط السنة بالثابت وليس بالمتغير. ثانيها: إرتباط السنة بالأمور العملية. أما السنة في “إصطلاح” البشر فتأخذ مفهوما آخرا تماما على النحو التالي:

إصطلاح السنة عند المحدثين
يرادف أهل الحديث بين إصطلاحي “السنة” و “الحديث” فيعرفون السنة بما يعرفون به الحديث “المرفوع” بأنها ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وآله من قول أو فعل أو تقرير أو صفة ـ خَلقية أو خُلقية ـ أو سيرة سواء تمت قبل البعثة أو بعدها.

إصطلاح السنة عند الأصوليين
ينظر علماء أصول الفقه إلى السنة على أنها المصدر الثاني للتشريع الإسلامي ويعرفونها بأنها ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله من قول أو فعل أو تقرير.

إصطلاح السنة عند الفقهاء
ينظر علماء الفقه إلى السنة على أنها أحد الأحكام التكليفية الخمسة ويعرفونها بأنها ما يثاب فاعلها ولا يذم تاركها ويطلقون عليها ألفاظا مختلفة كالمندوب تارة والمستحب تارة أخري ويقسمونها إلى قسمين: مندوب ندب مؤكد ومندوب ندب غير مؤكد.

إصطلاح السنة عند الإعتقاديين
يطلق علماء التوحيد والعقيدة لفظ “السنة” على كل ما يخالف “البدعة” فيقولون مثلا أن هذا الإعتقاد من السنة بينما ذلك الإعتقاد من البدعة سواء في الإعتقاد النظري أو العملي.

مفهوم السنة عند أهل التوحيد والعدل

يستلهم أهل التوحيد والعدل المفهوم القرآني للسنة أثناء تأصيلهم لمكانتها بين مصادر التشريع ويعرفونها بأنها:

ما ورد عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم من فعل أو تقرير أو قول مما له علاقة بفروع الشريعة والأخلاق مما جاءت أصولهما في الكتاب.

يخرج من هذا التعريف الأمور الآتية:

– أصول الإيمان فهذه مصدرها النظر والإستدلال بالعقل

– فروع الإيمان فهذه مصدرها الكتاب

– أصول الشريعة فهذه مصدرها العقل الكتاب

– أصول الأخلاق فهذه مصدرها العقل الكتاب

أي أن أفعال وتقريرات وأقوال الرسول يعتد بها في المجالات الآتية:

– فروع العبادات

– فروع المعاملات

– فروع الأخلاق.

السنة بين المتواتر والأحاد

يرتبط مفهوم السنة عندنا ـ إستلهاما لمعناها الدلالي في القرآن ـ بالعملي الثابت ولذا يؤخذ بها في مجال الشرعيات والأخلاق دون الإيمان. أما الإيمان فيستمد أصوله من العقل وفروعه من الكتاب وأما الشرعيات والأخلاق فتستمد أصولها من العقل والكتاب وفروعها من السنة. وإذ ترتبط السنة بـ “فروع” الأحكام العملية دون العلمية / الإعتقادية، فإن السنة ـ كمصدر ثالث متكامل ـ تنقسم إلى قسمين:

أصول السنة
وهي كل ما ورد عن رسول الله بالطرق المتواترة والتي لا يمكن حصرها في عدد محدد.

فروع السنة
وهي كل ماما ورد عن رسول الله بالطرق الغير متواترة أي بطرق الآحاد فقط. فإذا ورد فرع من فروع السنة وجب إعادته إلى أصله وهو المتواتر فتكون الأفعال المتواترة حجة على الأفعال المتناثرة فإن المتناثر يفيد الظن بينما المتواتر يفيد غلبة الظن.

معايير قبول الأحاديث والأخبار

(1) عدم مخالفة الحقائق ـ وليس مجرد النظريات ـ الكونية والطبيعية والبديهية.

(2) عدم مخالفة أصول الإيمان المعلومة بالعقل

(3) عدم مخالفة فروع الإيمان المعلومة بالكتاب

(4) عدم مخالفة أصول الشريعة المعلومة بالكتاب وبالعقل

(5) عدم مخالفة أصول الأخلاق المعلومة بالكتاب وبالعقل

(6) عدم مخالفة الآحاد للمتواتر.

أمثلة لروايات مردودة

(1) (لا تزال جهنم تقول هل من مزيد حتى يضع فيها رب العزة قدمه فتقول قط قط وعزتك ويزوي بعضها إلى بعض) (الترمذي / الألباني وصححه)

(2) (إن الله يتجلى لهم يوم القيامة ثم يأتيهم في صورة غير الصورة التي رأوه فيها أول مرة فيقول : أنا ربكم ، فيقولون : نعوذ بالله منك ، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا ، فإذا جاء ربنا عرفناه ، ثم يأتيهم في الصورة التي رأوه فيها أول مرة فيقول : أنا ربكم ، فيقولون : أنت ربنا) (البخاري / ابن تيمية واللفظ له / الألباني)

(3) (يجيء الناس يوم القيامة، ناس من المسلمين، بذنوب أمثال الجبال. فيغفرها الله لهم. ويضعها على اليهود والنصارى) (مسلم)

فالروايتان الأولى والثانية تخالفان أصل التوحيد بما تحمله من معاني التجسيم الصريح والرواية الثالثة تخالف أصل العدل وأنه لا تزر وازرة وزر أخرى. وعلى هذا النمط قس روايات العقيدة كلها من أخبار القدر الحتمي والقضاء اللازم والعلم السابق وأخبار الفتن والملاحم وأخبار هذا وذاك مما لا يحصى ولذلك فالقاعدة تقول هنا: لا يؤخذ بالأخبار في مجال الإيمانيات، أصولا وفروعا، ولكن يؤخذ بالأخبار في مجالي فروع الشريعة وفروع الأخلاق.

أمثلة لروايات مقبولة

(1) (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء لك بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) (البخاري)

(2) (اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم) (البخاري)

(3) (إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها) (صحيح / الألباني)

وغير ذلك من الروايات العظيمة مما يتضوع من مسك النبوة وعنبرها من الآداب والأخلاق إضافة لعشرات ومئات بل آلاف الأخبار المرتبطة بفروع العبادات والمعاملات والسلوك مما يصعب حصرها.

الحسيني

Published in: on أغسطس 17, 2007 at 6:35 م  اكتب تعليقُا  

The URI to TrackBack this entry is: https://alhousseiny.wordpress.com/2007/08/17/%d9%81%d9%82%d9%87-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9-%d8%b9%d9%86%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%aa%d8%b2%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d8%b5%d8%b1%d8%a9-3/trackback/

RSS feed for comments on this post.

أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: