فقه السنة عند المعتزلة المعاصرة (4)

 

علاقة السنة بالكتاب

عرفنا أن السنة ـ على شرطنا ـ هي ما ورد عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم من فعل أو تقرير أو قول مما له علاقة بفروع الشريعة والأخلاق مما جاءت أصولهما في الكتاب، وبالتالي نعرف ـ مجملا ـ أن علاقة السنة بالكتاب هي علاقة الفرع بأصله، فما هي أوجه تلك العلاقة؟ هناك خمسة أوجه: تفصيل المجمل وتقييد المطلق وتخصيص العام وتأكيد الكتاب بالإضافة لوجه خامس مختلف فيه هو الإستقلال بالتشريع.

أولا: تفصيل المجمل
يحتوي كتاب الله على مجملات العبادات والمعاملات والأخلاق مما يحتاج إلى تفصيل، فيأمر الله تعالى المؤمنين من خلال كتابه بأمر مجمل ثم تأتي السنة العملية / التطبيقية لتفصيله، فمثلا يقول الله تعالى في الكتاب:

(وَأَقِيمُواْ الصَّلاةَ…) (البقرة : 43)

فنجد أننا أمر “مجمل” بإقامة الصلاة ولكننا لا نعرف بعد كم مرة وفي أي وقت وكم عدد الركعات وكيفيتها وغير ذلك من “التفاصيل” والتي نعرفها فقط عن طريق السنة التفصيلية أي المفصلة لمجملات الكتاب.

ثانيا: تقييد المطلق
في الكتاب أوامر مطلقة كالأمر بالوصية مثلا، وفي هذا يقول الحق جل وعلا:

(… مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ …) (النساء : 12)

ولكن ما هي أحكام الوصية المقيدة؟ هذا ما نأخذه من السنة والتي تُقَيِّدُ الوصية بعدم تجاوز الثلث حرصا على الصالح العام وأنها تقصرها على غير الورثة تحقيقا لمبدأ عدالة التوزيع.

ثالثا: تخصيص العام
هناك تنظيم “عام” للمواريث في القرآن الكريم:

(يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ…) (النساء : 11 – 12)

فتأتي السنة لـ “تخصيص” العام كمنع الميراث عن القاتل كما نسمع أن أحدهم قتل شخصا مسنا لأنه وريثه الوحيد أو لغير ذلك من الدوافع فتأتي السنة لتحريم توريث القاتل من إرث القتيل وغير ذلك من الأمثلة.

رابعا: تأكيد القرآن
وصورتها أن يأتي الكتاب بحكم ما فتأتي السنة بنفس الحكم على سبيل التوكيد ومن أمثلة ذلك التأكيد على بر الوالدين وصلة الرحم وإكرام الجار ورعاية الأيتام ومكارم الأخلاق عموما.

هذه الأوجه الأربعة يسميها المعتزلة وغيرهم “بيان” السنة للكتاب وهي الأوجه التي تقبلها المعتزلة بصورة عامة وإن حدث هناك إختلاف في التفاصيل. لكن الوجه الذي ترفضه المعتزلة ـ المعاصرة ـ تماما بينما يقبله غيرهم هو الوجه الخامس كما يلي:

خامسا: إستقلال السنة بالتشريع
أي أن تأتي السنة بحكم جديد ليس له أصل في الكتاب مثل حكم “الرجم” للزانية المحصنة والزاني المحصن: بينما يقبل أهل السنة والشيعة ومعظم المعتزلة وغيرهم بهذا المبدأ وهو “إستقلال” السنة بالتشريع فإن هناك من يرفضه كبعض المعتزلة وغيرهم بإعتبار أن السنة تمثل الفرع بينما يمثل الكتاب الأصل فلا يمكن للفرع أن يخرج على أصله.

الحسيني

Published in: on أغسطس 17, 2007 at 6:33 م  اكتب تعليقُا  

The URI to TrackBack this entry is: https://alhousseiny.wordpress.com/2007/08/17/%d9%81%d9%82%d9%87-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9-%d8%b9%d9%86%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%aa%d8%b2%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d8%b5%d8%b1%d8%a9-4/trackback/

RSS feed for comments on this post.

أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: