فقه السنة عند المعتزلة المعاصرة (5)

 

وجوب الإنقياد لقضاء الرسول

(فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا) (النساء : 65)

نلاحظ جميعا جملة (يحكموك) التي تتكون من فعل (يُحكِّم) وفاعل (واو الجماعة) ومفعول به (كاف الخطاب في محل نصب). نلاحظ أن المفعول به (الرسول) وليس أي شيئ آخر، فلم يقل مثلا (يحكموا ربهم) ولم يقل كذلك (يحكموا القرآن) ولكن قال (يحكموك أنت يا محمد). و نلاحظ أيضا جملة (قضيت) التي تتكون من فعل (قضى) وفاعل (التا ء المتحركة). لمن نسب الله الفعل إذن؟ لمحمد صلى الله عليه وسلم، فالقضاء في المنازعات والفصل فيها يقوم بها قاضي بشري هو ـ هنا ـ رسول الله. ثم انتبهوا الى حال المؤمنين بعد قضاء رسول الله:

– (لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْت)

– (وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا)

أي أن الارتياح لقضاء رسول الله ـ الذي يحكم بالعدل بطبيعة الحال ـ والتسليم له من الصفات التي لا يكتمل الايمان الا بها. أقضية رسول الله تعتبر اذا تشريع واجب الطاعة، والا كان ذلك نقصانا أو قدحا أو نفيا للايمان. وطبيعي أن الرسول يقضي بروح القرآن، فهو يستلهم القانون في وجدانه ويحكم بروحه، الا أن حكمه وقضاؤه في النهاية لا يعتبر قرآنا ولا كتابا، ولكن شيئا آخر سميناه (سنة الرسول)، فالرسول قد (سن) تشريعا أو حكما أو قاعدة قانونية أي أصدرها، ويجب على من يحكم ـ بعد رسول الله ـ أن يستند على تلك السوابق القانونية المعتمدة، وهذا ما يسمى بـ (اتباع) السنة أو (اقتفاء) أثر الرسول. وطبيعي أن ذلك القاضي ـ صلى الله عليه ـ لم يقضي بصفة شخصية، أو عرقية، أو حتى نبوية، ولكنه قضى بصفة (رسالية) أي بصفته (رسول الله)، والدليل مذكور في الآية السابقة عليها مباشرة، يقول الله تعالى فيها:

(وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَاؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا) (النساء : 64)

هذه الكلمات (أرسلنا) و (رسول) و (الرسول) لم ترد اعتباطا وانما وردت لحكمة جليلة وهي الاشارة الى أننا أمام محكمة رسولية وقضاء رسولى، وليس (جلسة عرب).

الحسيني

Published in: on أغسطس 17, 2007 at 6:32 م  اكتب تعليقُا  

The URI to TrackBack this entry is: https://alhousseiny.wordpress.com/2007/08/17/%d9%81%d9%82%d9%87-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9-%d8%b9%d9%86%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%aa%d8%b2%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d8%b5%d8%b1%d8%a9-5/trackback/

RSS feed for comments on this post.

أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: