محاورات حول مفهوم الرزق عند المعتزلة

(1) أود مراجعة اعتقاد المعتزلة في مسألة الرزق، هل يعتمد كله على سعي العبد؟ أم يدخل فيها ما حدده الله أيضًا (كتبه)؟ فالإنسان يسعى بأقصى جهده ولا يحصل شيئًا أحيانًا؟

قضايا الأرزاق والآجال أفاض في دراستها المعتزلة وخلاصة القول في مسألة الأرزاق هي وجوب التفرقة بين “الخلق / الإنتاج” من ناحية و “التوزيع” من ناحية أخرى. الله تعالى هو الذي خلق الأرزاق للبشر جميعا:

(هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا…) (البقرة : 29)

فخلق الأرزاق الطبيعية من أفعال الرازق جل وعلا أما “إكتساب” الرزق فمن أفعال العباد. من يجلس في داره ولا يسعى لن يصل أي رزق إليه ما لم يأخذ بأسباب توزيع وإكتساب وجلب الأرزاق. ومن يسعى ولكنه لا يحصل على رزق فلعله سار دونما تخطيط جيد للسير أو لعوامل أخرى بشرية.

(2) ما تفسيرهم للرزق الذي يأتي بلا تعب كالميراث والهبة والوصية؟

إذا استثنينا الميراث فإن الهبة والوصية والمنحة والهدية وغير ذلك من العطايا تتم بأفعال العباد الإختيارية ومن ثم فهذا كله من وسائل التوزيع البشري ويخضع بالتالي لأفعال العباد.

(3) هل الركود الاقتصادي سواءً على المستوى الفردي أو المحلي ككل يدخل تحت ما يسببه الإنسان أيضًا؟

بطبيعة الحال إذ هناك دول فقيرة من حيث الثروات الطبيعية ـ أفعال الله ـ ومع ذلك قامت بالتوظيف الأمثل لتلك الموارد فحققت التقدم كألمانيا مثلا وهناك دول لديها وفرة طبيعية ولكنها متخلفة إقتصاديا بسبب سوء التوظيف والتخطيط كدول الخليج مثلا. التقدم والتخلف الإقتصادي والإجتماعي والسياسي كل هذا من أفعال العباد الإختيارية.

إن كافة الآيات التي تم الإستدلال بها وغيرها من الآيات تعود إلى أصل واحد ووحيد هو “مخلوقية” الرزق من قِبَلِ الله تعالى وهذا مما لا خلاف فيه عند عقلاء المؤمنين وإنما حديثنا ليس عن خلق الأرزاق ولكن عن توزيعها: بينما يرى أهل الجبر أن التوزيع كالخلق هو أيضا من أفعال الله، يرى أهل العدل أن التوزيع من أفعال العباد وليس من أفعال الله الذي يتنزه عما نراه من سوء توزيع الأرزاق.

(4) ما قولك فيمن ولد وهو صاحب ميراث وأموال ولا يعمل في يومه غير بضع ساعات قليلة ويزداد ماله ورزقه؟

هذا من الأفعال المتولدة والقاعدة العامة في “التولد” تنص على أن (ما يتولد عن أفعال الله فهو من أفعال الله وما يتولد عن أفعال العباد فهو من أفعال العباد). ولما كان “كسب” الأرزاق من أفعال العباد فإن أيلولة تلك الأرزاق لآخرين بطريق الإرث أو الهبة أو غيرهما مما تولد عن الفعل الأول تكون كذلك من أفعال العباد وهذا خلاف الإنسان الذي خلقه الله دميما مثلا فيصير ولده دميما بالوراثة فإن هذا الفعل متولد من أفعال الله.

(5) وهذا الذي يعمل ليل نهار ويسعى مهاجرا ومسافرا ضاربا في الأرض ولا يكاد يجد ما يسد به رمقه ورمق من يعولهم؟؟

قد لا يكون يعمل ليلا ونهارا وقد يكون يعمل بطريقة لم يحسن التخطيط لها وقد يكون أخطأ أصلا بقرار الإغتراب وقد يكون تعرض لمظالم من العباد حرمته من السعي الأمثل وكل هذا من أفعال العباد الإختيارية وليس من أفعال الله القهرية.

(6) إذا نحن نفينا تدخل الله سبحانه في أمور الرزق المباشرة التي محلها البشر، فكيف نفسر الدعاء الخاص بالرزق؟

الأدعية الخاصة باستجلاب الرزق من الله يصح بعضها ولا يصح البعض الآخر فحري بنا الوقوف عند الأدعية القرآنية لسلامتها من الشكوك كدعاء ابراهيم عليه الصلاة والسلام مثلا:

(… رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) (البقرة : 126)

والذي نلاحظ انه ربط دعاءه بالايمان بما يوحي انه يتكلم عن رزق المزيد أو رزق المكافأة. وعلى كل فالاجابة على ما تفضلت به لا تخرج عن احد توجيهين:

الأول: أنه دعاء محض ونحن مأمورون بالدعاء لذاته ـ أي انه عباده في نفسه ـ وليس لنتيجته وهو ما ذهب اليه شيخنا أبو ياسر رحمه الله.

الثاني: ان المقصود هو طلب اللطف والتوفيق والعافية من الله أي نطلب من الله أن يمدنا بـ “وسائل” كسب الرزق وليس الرزق نفسه وهو ما أذهب اليه.

إن الانسان لو بقي في داره أو لو تحرك ولكن كانت حركته غير مخطط لها فلن يصل اليه الرزق فلو كان الله هو (موزع) الأرزاق لأوصل اليه رزقه أما وأن الله هو (خالق) الأرزاق وليس (موزعها) فيقع العبء بذلك على الانسان فيسأل الله القوة والعافية والسلامة من الآفات ليتمكن بذلك من المشاركة في التوزيع ويحسن لذلك نسبة ذلك الرزق ـ الحلال ـ الى الله لما كان خالقا له ومعينا على كسبه بما يتفضل به من نعمه الكونية كالخصب والغيث والرخاء والتكوينية كالسلامة والعافية والصحة.

تحياتي

الحسيني

Published in: on أغسطس 17, 2007 at 6:11 م  اكتب تعليقُا  

The URI to TrackBack this entry is: https://alhousseiny.wordpress.com/2007/08/17/%d9%85%d8%ad%d8%a7%d9%88%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d8%ad%d9%88%d9%84-%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%b2%d9%82-%d8%b9%d9%86%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%aa%d8%b2%d9%84%d8%a9/trackback/

RSS feed for comments on this post.

أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: