محاورة حول سحر الربط

(1) قد يكون سبب البرود الجنسي يرجع إلى أمراض نفسية مثل الإصابة بأمراض السحر وخاصة سحر تعطيل الزواج وسحر التفريق بين الزوجين ولهذا النوع علامات …

تنتشر في الوعي الإنساني ـ شرقا وغربا، شمالا وجنوبا ـ خرافة ـ أصلها يهودي ـ أن السحر يؤدي لتغيير الطبيعة التكوينية للأشياء كالتحول والصيرورة والتشكل والتغير وهكذا وكل هذا بالطبع غير صحيح لمنافاة ذلك لعقيدة الألوهية، فالله ـ وحده ـ هو القادر على تغيير طبائع الأشياء فيزيائيا وغير فيزيائيا، وبقدرته تعالى تحولت عصا موسى من طبيعة جامدة لا حياة فيها إلى طبيعة حية متحركة. أما الساحر فيمتلك مهارة إيهام الآخرين بتغير طبيعة الأشياء، هذا الإيهام أو ـ بتعبير أدق ـ التخيل هو المقصود في قوله تعالى:

(… فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى) (طه : 66)

أي أن تأثير الساحر ينحصر في قدرته على احداث تخيل عند الناس بأنه مسيطر على الطبيعة التكوينية للكون ومن ثم يهابونه ويلجأون إليه. ويتعدى تأثير الساحر المرض النفسي ـ كما تفضلتم بالقول ـ إلى المرض العضوي من جراء ما يشربه المريض من عقاقير “سحرية” أو ما يتعرض له من مجالات كهربية ـ كما في عصرنا ـ فيؤدي كل ذلك إلى تغير في كيمياء قشرة المخ فينتج عن ذلك بعض الأعراض المرضية كالهلاوس والتخيلات المزمنة التي خرجت من كونها مرضا نفسيا لتصبح مرضا عضو نفساني Psychosomatische Symptome لا علاج له إلا في المصحات السيكاترية.

(2) وماذا تقول في الآية 102 من سورة البقرة: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ …)اليست تلك اشارة دامغة الى ما يعرف بسحر الربط ؟ والا فماهو السحر الذي يفرق بين المرء وزوجه؟

يقول الحق سبحانه وتعالى:

(وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللّهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ. وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ) (البقرة : 101 – 102)

[1] (وَلَـكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَ مَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ)

الشياطين يعلمون الناس شيئين (الأول) السحر (الثاني) ما أنزل على الملكين ببابل . يجب هنا الإنتباه أننا بصدد نوعين مختلفين من التعليم: تعليم السحر وتعليم ما أنزل على الملكين، ونحن لا نعرف ما هو الذي أنزل على الملكين بالضبط.

[2] (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ)

أصل القتنة هو وضع المعادن الخام النفيسة على النار لإذابتها لترسيب الشوائب ثم تمت إستعارة تلك الكلمة للدلالة على الإمتحان أو الإختبار لتصفية الشوائب والذنوب والكافرين والإبقاء على النفائس. الملكان يقولان أن هذا العلم الذي نعلمه لكم اختبار لكم فلا تكفروا ولعل ذلك العلم هو نوع من العلوم الطبية والنفسية التي قد تستخدم في الخير وقد تستخدم في الشر.

[3] (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ)

على من تعود واو الجماعة في كلمة (فيتعلمون)؟ على البعض من أهل الكتاب؟ على الشياطين؟ على الناس؟ الإجابة لا تعنينا كثيرا وانما ما يعنينا هنا هو المفعول به ( ما ) وليس الفاعل. أي أن الأشرار ـ من الإنس أو الجن ـ يتعلمون من الملكين ما أنزل عليهما فيسيئون استخدامه للتفرقة بين المرء وزوجه كالحيل والدسائس والمؤمرات وهكذا.

[4] (وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ)

كلمة (به) تحتوي على جزئين: (الباء) وهي إما للإستعانة بمعنى يستعينون بما تعلموه في التفرقة بين الناس وإما للتبعيض بمعنى يستعينون ببعض ما تعلموه في التفرقة بين الناس. أما (الهاء) فتعود على غير العاقل (ما) أي الشيئ الذي يتعلمونه. ولأن هذا العلم الذي يستعينون به أو ببعضه ليس من العلوم التكوينية التي يختص الله وحده بها فإنهم بالتالي لن يضروا أحدا من الناس.

السياق كله لم تذكر فيه كلمة (السحر) إلا مرة واحدة في صدره، وبعد ذلك استحوذ موضوع (ما) أنزل على الملكين على بقية السياق وهو موضوع آخر مغاير لموضوع السحر وعلى هذا لا يوجد في السياق أي إشارة لما يدعى بسحر الربط. وبالمناسبة التفرقة بين المرء وزوجه ليس معناه بالضرورة بين المرء وامرأته فالزوج في لسان القرآن يستخدم بمعنى الصنو أي المثيل كما في قوله تعالى:

(احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ) (الصافات : 22 – 23)

فالمراد هو التفرقة بين المرء وأقرانه. أما الخطأ الذي صدر من فهمك للآية أيها الحكيم الفاضل فمرده إلي أمرين:

[1] أنك خلطت بين (السحر) من ناحية و ( ما ) أنزل على الملكين ببابل من ناحية أخرى فخلت النازل عليهم هو السحر وهذا لا يصح.

[2] أنك رادفت بين (زوجه) من ناحيه و (امرأته) على أنهما متطابقان وهذا ليس بصحيح.

أكتفي بهذا التوضيح حول الآية أما الرواية المنسوبة للنبي الأكرم صلى الله عليه فهي مما لا يصح عندنا ـ المعتزلة الغربية ـ لمخالفتها للكتاب الحكيم ومن ثم يسقط الإستدلال بها معنا.

تحياتي

الحسيني

Published in: on أغسطس 17, 2007 at 7:15 م  اكتب تعليقُا  

The URI to TrackBack this entry is: https://alhousseiny.wordpress.com/2007/08/17/%d9%85%d8%ad%d8%a7%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%ad%d9%88%d9%84-%d8%b3%d8%ad%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a8%d8%b7/trackback/

RSS feed for comments on this post.

أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: