منهاج العقول في علم الأصول

[4]
العقل

أبدأ الآن في عرض الأصول المعتمدة لدينا وهي العقل فالكتاب فالرسول. ولما كان العقل هو أول الأدلة فسوف يتم البدء به بطبيعة الحال. وبعد الفراغ من إستعراض تلك الأصول أشير بإيجاز للأدلة الغير معتمدة عندنا كالإجماع والقياس والإستحسان وغير ذلك حيث أنها معتمدة لدى مدارس أخرى فتلزم المقارنة بشأنها.

تعريف العقل

العقل لساناً هو الربط أو الحجز أو الإمساك وأصله هو (عَقَلَ / يَعْقِل /عَقْلاً / مَعْقُولاً). أما العقل مفهوماً فهو المنهج الذي يربط بين شيئين والذي يحجز صاحبه عن الضلال أي التشتت. بهذا يتضح أن العقل مختلف عن كل من المخ من ناحية والهوى من ناحية أخرى إذ العقل منهج كامل ومتكامل للإستدلال على فرض ما ومعنى إستدلال هو طلب الدليل على صحة الفرض فمثلا نلاحظ سقوط الأجسام إلى أسفل فنضع فرضا أن هناك جذب كوني أرضي لها ثم نسلك بعد ذلك منهجا للإستدلال على صحة أو خطأ تلك الفرضية. العقل عندنا بهذا هو المنهج الإستدلالي على صحة أو خطأ الفروض الناتجة عن ملاحظات أولية. إننا حينما نتكلم عن الدليل العقلي / المنهج العقلي فإننا نقصد العقل المطلق المجرد عن الذاتية وهوى النفس، نقصد العقل الموضوعي الذي ينطلق من معطيات حسية أو معنوية مقبولة عند العقلاء وصولا للمخرجات الناتجة عنها مرورا بعملية الإستدلال العقلي. هناك أناس للأسف يخلطون بقصد أو بدون قصد بين النظر العقلي المجرد والهوى وتحكمات النفس وهذا أمر محزن حقا أن يصل بهم الحال لهذا الحضيض. هناك أمور إتفق عليها جميع العقلاء ولا يجادل فيها سوى مخبول أو أحمق فهناك الأعداد الفردية مثلا وهناك الأعداد الزوجية، والواحد هو نصف الإثنين ولا يجتمع النقيضان في محل واحد، وهناك شمس وهناك قمر، وهناك نخل وهناك شجر وهناك بحر وهناك نَهَر وغير ذلك من مئات الأمثلة التي يمكن ذكرها في باب المسلمات أو البديهيات العقلية.

أولا: العقل وأصول الإيمان

الإيمان لا يسقط من السماء بطريقة عشوائية فتتلقفه قلوب وتحرم منه قلوب أخرى ولكن الإيمان حقيقة عقلية أي حقيقة يتوصل إليها بطريق الإستدلال العقلي حين يتم التيقن منها فيأنس لها القلب ويقر ببردها. وللإيمان أصول وفروع وليس معنى ذلك أن فروع الإيمان أقل أهمية من أصول الإيمان ولكن الفارق بينهما هو كالتالي: كل ما يصل إليه العقل المطلق بمعزل تام عن النقل فهو أصل وكل ما يعجز العقل عن الوصول إليه إلا بمساعدة النقل فهو فرع. على هذا الأساس قمت بتقسيم “الإيمان” إلى أصول وفروع. فإذا جئنا للأصول الإيمانية فيمكن تقسيمها إلى ثلاثة محاور هي الكونيات والإلهيات والبلاغات.

[1] العقل والكونيات
دور العقل هنا هو النظر الكوني الشامل للكشف عن قوانين / سنن هذا الكون الفسيح من خلال العلوم الكونية كعلوم الرياضيات والفلك والنجوم والفيزياء والأحياء والكيمياء والجيولوجيا وغير ذلك من العلوم وهذا الدور هو أول واجبات العقل حيث به يبدأ العقل في معرفة “الموجود” الذي سينطلق منه بحثا عن “الموجد”.

 

[2] العقل والإلهيات
للعقل عنا دور محوري إزاء قضية “وجود” إله خالق لهذا الكون الذي بدأ العقل في الكشف عن سننه المودعة فيه. وللعقل كذلك دور محوري إزاء قضية “الصفات” الواجبة للإله كالوحدانية والتوحيد والعدل والأزلية والأبدية والقدرة والعلم والحياة والإدراك وغير ذلك من الصفات الثبوتية. وأخيرا فللعقل أيضا دور أساسي إزاء قضية الصفات “السلبية” أو “الممتنعة” للإله كالعدم والفناء والموت والعجز والجهل والظلم وغير ذلك. فلا يمكن أن يتحقق إيمان دون بحث في تلك القضايا ولن يصل البحث إلى مرحلة اليقين إلا من خلال منهج الإستدل العقلي / العقل.

[3] العقل والبلاغات
حينما نقول مثلا أن القرآن هو كتاب الله فإن عبارة “كتاب الله” تتكون من شقين أولهما هو “كتاب” وهو إسم نكرة مضاف وثانيهما هو “الله” وهو إسم معرفة مضاف إليه. ومن أجل تعريف الإسم النكرة “كتاب” تمت إضافته لمعرفة “الله” وهنا يأتي دور العقل للتعرف أولا على المضاف إليه “الله” على النحو الذي بينته في الفقرة السابقة ثم التعرف على المضاف بعد ذلك. إن العقل هو الذي يشهد بمصدرية القرآن: هل هو كتاب الله أم لا، ولذلك فإن القرآن هو التابع أما العقل فهو المتبوع. وكذلك الحال حينما نقول أن محمدا هو رسول الله فلابد من معرفة الله أولا قبل معرفة رسوله ومن ثم يشهد العقل كذلك بماهية محمد أرسول الله حقا أم لا. ولذلك فإن الرسول هو تابع مثل القرآن وكلاهما يتبع العقل الذي شهد للقرآن بأنه كتاب الله ولمحمد بأنه رسول الله.

ثانيا: العقل وفروع الإيمان

كما أشرت سابقا فإن معيار التفرقة بين “أصول” و “فروع” الإيمان هو السؤال التالي: هل يستقل العقل بمعرفة “قاعدة” إيمانية ما بنفسه عن طريق الإستدلال أم يحتاج إلى النقل لمعرفتها؟ المستقلات العقلية هي الأصول والمعاونات النقلية هي الفروع وهي تأتي في المرتبة التالية للأصول ولكن الإيمان الكامل لا يقوم إلا بهما معا. وإذا كان إثبات وجود الإله وصفاته الثبوتية وإثبات إمتناع صفاته السلبية يمثل أصول الإيمان مما يستقل العقل بإدراكه فإن هناك فروعا يحتاجها الإيمان ليكمل وهنا يأتي دور النقل والكتاب تحديدا ليخبرنا بالسمعيات والتي قد لا يكشفها العقل المطلق كوجود الملائكة والروح والنبيئين والكتب والمعاد وغير ذلك ولذا يعظم دور القرآن إيمانيا لأنه يمد العقل بفروع الإيمان فيصبح العقل معها هو الكاشف الوحيد لها. فيما يتعلق بالإيمان نجد أن للعقل دورين الأول هو العقل التقريري أي الذي يدرك أصول الإيمان المطلق عن طريق الإستدلال العقلي من خلال النظر الكوني والثاني هو العقل الكشفي أي الذي يكشف فروع الإيمان من خلال النظر في القرآن بتدبر كتاب الإيمان.

ثالثا: العقل وأصول الفقه

بحثنا أساسا يدور حول أصول الفقه وليس أصول الإيمان ولكن لما كنا بصدد الحديث عن دور “العقل” لزم التنويه بأصول الإيمان ودور العقل في إستنباطها من خلال النظر الكوني لنصل بذلك إلى قاعدة هامة في أصول الفقه هي (إذا كان للعقل دور تقريري في مجال أصول الإيمان يكون للعقل من باب الأولى دور تقريري في مجال أصول الفقه) ومعنى هذه القاعدة أن العقل في مجال الشرعيات “يستقل” بتقرير الأحكام التكليفية والوضعية بمعزل عن الشرع. أي أننا نضع القرآن في هذه المرحلة معززا مكرما إلى أن يتم إستنباط الأصول العقلية الكلية في مجال أصول الفقه وحتى تضح الفكرة أضرب مثالا بحكم الظلم حيث نجد العقل قد قادنا إلى تقرير “العدل” الإلهي المطلق من خلال النظر الكوني الذي يكشف عن وضع كل شيئ في موضعه اللائق به ضمن نسق عام من التناغم الوظيفي والجمالي للموجودات. تفريعا على تلك القاعدة الأصولية الإيمانية وهي “عدل الإله” يقرر العقل بأن العدل حسن والظلم قبيح ويعتبر ذلك التخريج تأصيلا لقاعدة فقهية عامة هي أن “الظلم قبيح لذاته” وعلى ضوء ذلك الأصل الفقهي المبني على التقرير العقلي المطلق يقضي العقل بحرمة الغصب والنهب وهتك الحرمات إنطلاقا من تلك القاعدة الأصولية العقلية. لقد بنى العقل حكما شرعيا قبل أن يكشف عن الحكم الشرعي في النقل فلما كشف عنه بعد ذلك وجد أن حكم النقل جاء موافقا تماما لحكم العقل ولا يمكن أن يحدث بالتالي أي تضاد أو تعارض بين تقرير العقل المطلق في قضية ما وتقرير القرآن لنفس القضية. الدور العقلي في مجال تقرير الأحكام بصورة مستقلة إنما يتأتي بعد دور آخر للعقل وهو تقرير “القواعد الأصولية” العقلية من خلال المستقلات العقلية ومن خلال ما يعرف باسم “التحسين والتقبيح العقليين” والتفريع على أساسهما: كل أعمال الخير والبر والإحسان والفضيلة مما اتفقت عليه الإنسانية ـ الأنماط الأخلاقية المطلقة ـ هي أعمال حسنة بينما كل أعمال الشر والفساد والرذيلة مما اتفقت عليه الإنسانية هي أعمال قبيحة فمثلا ترويع الآمنين والأبرياء عمل قبيح بينما معاقبة المجرمين والأشرار عمل حسن.

رابعا: العقل وفروع الفقه

كما كان للعقل إزاء قضايا الإيمان دوران فللعقل إزاء قضايا الفقه دوران كذلك: العقل التقريري بوضع قواعد أصول الفقه العقلية وتخريج الأحكام العملية عليها والعقل الكشفي والذي يكشف ما أورده النقل من قواعد تقيد ما قد يطلقه العقل من أحكام كتحديد نوع العقوبة فمثلا السِّفَاح عمل قبيح عقلا ولو كان السِّفَاح عمل حسن لانهار نظام الأسرة ولحل نظام المخادنة محله. إن بقاء مؤسسة الأسرة وحرص الأسر على تزويج بناتها وأبنائها لدليل على قبح الإشباع الجنسي مثلا عن طريق البغاء أو السفاح أو الزنا. والمجتمعات الغربية التي لا ترتب عقوبة على السلوك الجنسي خارج الأسرة ترى أن ذلك عمل قبيح بالرغم من السماح به فمثلا لا تقبل الزوجة أن يقوم الزوج بخيانتها مع امرأة أخرى ولا العكس بينما تقبل أن يكون له زميلة في العمل تقتصر علاقته معها على حدود الزمالة. لو كانت الخيانة الزوجية (السفاح) عملا غير قبيح لما غضب منها أي من الطرفين. نعود لبداية الكلام لنقول أن السلوك الجنسي خارج مؤسسة الزواج عمل قبيح عقلا ومن ثم يبيح العقل وضع عقوبة على ذلك لكن ما هي تلك العقوبة بالتحديد؟ قد يرى العقل أن تكون غرامة مالية مثلا أو إيذاء جسديا أو تغريبا أو حبسا وهكذا يبيح العقل خيارات متعددة بصورة عامة فيأتي النقل ليخصص تلك العقوبة العامة بأن يجعلها إيذاء جسديا بصورة معينة كالجلد مثلا. وهكذا يرتفع أي تعارض بين التقرير العقلي والتقرير النقلي فالعقل قرر ضرورة وجود عقوبة ما على جريمة ما فيأتي النقل ليخصص أو ليقيد ما عممه العقل وما أطلقه. وكما استقل العقل التقريري بوضع قواعد أصولية عامة يستقل العقل الكشفي بوضع قواعد أصولية من خلال الكشف عنها في المنقول وقواعد فقهية عامة من خلال تتبع الفروع الفقهية أي أن العقل يعمل في الحالتين: قبل التعامل مع المنقول وأثناء التعامل مع المنقول إضافة لحالة ثالثة هي بعد التعامل مع المنقول من خلال فحص ومراجعة القواعد والأحكام التي تم تقريرها قبل وجود النقل أو بعد وجوده.

الخلاصة

المقصود بالعقل هو منهج الإستدلال العقلي والذي يتم تطبيقه في مجال الإيمانيات والفقهيات على حد سواء. ما “يستقل” العقل بتقريره من “قواعد” أو “أحكام” يسمى أصولا وما يشترك العقل والنقل معا بتقريره من “قواعد” أو “أحكام” يسمى فروعا. العقل بهذا متقدم على النقل لأنه “ينفرد” بتقرير الأصول الإيمانية والفقهية ثم هو “يشارك” النقل بعد ذلك ببيان الفروع الإيمانية والفقهية.

  

الحسيني

Published in: on أغسطس 17, 2007 at 5:04 م  اكتب تعليقُا  

The URI to TrackBack this entry is: https://alhousseiny.wordpress.com/2007/08/17/%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%82%d9%88%d9%84-%d9%81%d9%8a-%d8%b9%d9%84%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b5%d9%88%d9%84-2/trackback/

RSS feed for comments on this post.

أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: