منهاج العقول في علم الأصول

[5]
الكتاب

إذا كان العقل يدل على “أصول” الإيمان والشرائع والأخلاق ” فإن الكتاب يدل على “فروع” الإيمان والشرائع والأخلاق. أما “فروع الإيمان” فهي التفاصيل التي لا يدركها العقل بمفرده كصفة الجنة والنار والثواب والعقاب وغير ذلك. أما “فروع الشريعة” فهي كل ما يتعلق بالعبادات و المعاملات وهي التي قد تأتي مفصلة وقد تأتي مجملة أو مطلقة أو عامة.

القرآن كتاب الله
التركيب السابق “كتاب الله” يتكون من كلمتين أولهما: كتاب وثانيهما: الله. أما لفظ “كتاب” فهو إسم نكرة لا يدل على معين وأما لفظ “الله” فهو إسم معرفة يدل على البارئ جل وعلا. وحتى يمكن “تعيين” و “تعريف” لفظ “كتاب” يلزم إضافته إلى معرف هو هنا لفظ الجلالة “الله” فيكون لفظ “كتاب” هو المضاف ولفظ الجلالة هو المضاف إليه. ولذلك فإن معرفة “المضاف” فرع من معرفة “المضاف إليه”. أما المضاف إليه ـ الله جل شأنه ـ فلم نعرفه بأحد الحواس الخمس وهي: السمع / البصر / اللمس / الشم / التذوق ولكننا عرفناه بالإستدلال العقلي أي بإقامة الأدلة العقلية على وجوده وعلى صفاته. وأما المضاف ـ القرآن ـ فلن نعرفه إذا لم يضف إلى معرف وهو الله سبحانه ولذلك نقول: اعرف الله تعرف كتابه.

القرآن واليقين والتواتر
(سؤال) هل الكتاب يفيد العلم / اليقين أم أنه يفيد الظن أو غلبة الظن؟ (الجواب) الكتاب يفيد العلم أي اليقين. (سؤال) هل الكتاب يفيد العلم / اليقين لكونه متواترا؟ (الجواب) لا ليس لتواتره ولكن لإلهية مصدره أي لكونه من عند الله وهنا يلزم التوضيح فأقول: البلاغ / الخبر يتكون من شقين: الإسناد والمتن. أما الإسناد فهو سلسلة رواة الخبر وأما المتن فهو محتوى الخبر ذاته. القرآن الكريم هو كتاب الله وكتاب الله هو البلاغ المبين وهذا البلاغ المبين شهد له العقل بأنه من عند الله ولذلك يوجب اليقين. أما “التواتر” فهو أمر متعلق بالأسانيد والطرق أي بورود خبر ما بطرق يستحيل حصرها كما يستحيل حصر عدد قطرات الغيث والسؤال هنا هو: هل التواتر يفيد العلم أم يفيد غلبة الظن؟ فأجيب بأن التواتر ـ فيما أرى ـ لا يوجب العلم بل غلبة الظن ولنضرب هنا مثالا: ينقل المسيحيون خبرا متواترا بوقوع حادثة صلب لشخص ما ـ اسمه عندهم هو يسوع ـ قبل عشرين قرنا فماذا يفيد ذلك التواتر؟ أما المسيحيون فيقولون أن التواتر المنقول بصلب يسوع يفيد اليقين بوقوع الصلب لشخص يسوع أما المسلمون فينقسمون هنا قسمين: قسم ينفي وقوع حادثة الصلب أصلا ولا يعتد بتواتر ذلك الخبر بل يطعن في صحته إذ يرى أنه خبر آحاد مروي عن الأربعة كتاب الأناجيل وقسم يغلب على ظنه وقوع حادثة صلب وينحصر الخلاف بينه وبين المسيحيين في تعيين شخص المصلوب هل هو عيسى بن مريم أم شبيه به. القسم الثاني من المسلمين أكثر صوابا من القسم الأول لأنهم قبلوا بوجود “التواتر” ولكنهم لم يوجبوا به العلم واليقين ولكنهم أوجبوا به غلبة الظن. أي غلبة الظن بحدوث “صلب” لشخص ما نفى الإسلام أن يكون هو ابن مريم.

هل نقل القرآن إلينا بالتواتر؟
(1) أخرج البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو أن رسول الله قال: (خذوا القرآن من أربعة: عبد الله بن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب) ( البخاري).

(2) أخرج البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك قال: (مات النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد. قال: ونحن ورثناه) (البخاري)

(3) نسخة القرآن التي بين أيدي معظم المسلمين هي رواية حفص بن سليمان بن المغيرة الأسدي الكوفي لقراءة عاصم بن أبي النجود الكوفي التابعي عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السُّلمِي عن أربعة هم: علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وزيد بن ثابت وأُبَيّ بن كعب.

(4) نسخة القرآن التي بين أيدي معظم المسلمين المغاربة هي رواية ورش عن نافع من طريق الأزرق وأخرى من طريق الأصبهاني.

رواية البخاري الأولى تقول (خذوا القرآن من أربعة) والثانية تقول (مات النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجمع القرآن غير أربعة) ورواية حفص لقراءة عاصم عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السُّلمِي هي عن أربعة أيضا فهل عدد ” 4 ” يفيد التواتر؟ ورواية ورش كذلك وردت بطريق الآحاد فهل مازلنا نقول بالتواتر؟ إن التواتر “لغة” معناه التتابع الشديد المتقاطر كتواتر قطرات الغيث وهو مستحيل الحصر والتواتر “إصطلاحا” معناه ما رواه الجمع الغفير الذي تحيل العادة تواطئه على الكذب عن جمع مثله من أول السند إلى منتهاه وأن يكون منتهى تواترهم هو الحس إما برؤية أو سمع أو غير ذلك من وسائل الإدراك الحسي. لو طبقنا معيار التواتر ـ لغة كان أم إصطلاحا ـ على ما تقدم من أخبار لرأينا خلو نقل القرآن من التواتر.

رواية القرآن بدأت بطريق الآحاد
لنرجع إلى الوراء إلى عصر رسول الله ـ صلوات الله عليه ـ لنرى كيف نقل رسول الله البلاغ المبين إلى الناس: هل أنزل الله تعالى البلاغ المبين على رسول واحد هو محمد ـ صلوات الله عليه ـ أم على عدد يصعب حصره من رسل معاصرين له؟ الجواب: نزل الروح الأمين بالبلاغ المبين على قلب محمد الأمين فأبلغه للعالمين. المعاصرون لرسول الله لم يشترطوا التواتر لكي يقبلوا القرآن والله تعالى لم يفرض عليم القرآن إلا بطريق واحد متفرد هو طريق محمد بن عبد الله فلماذا؟ الجواب: لأن القضية ليست قضية سند وإنما قضية متن أي أن متن القرآن يشهد بأنه من عند الله وهنا يتدخل العقل مرة أخرى ليتدبر “متن” القرآن:

(أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا) (النساء : 82)

ولذلك فإن إفادة القرآن للعلم ليس لكونه متواترا، بل نقل القرآن بطريق الآحاد ـ ولكن لكونه فرع مبني على أصل مسلم به وهو أصل معرفة الله: لما عرفنا “الأصل” بطريق الإستدلال العقلي عرفنا أن “الفرع” مبني على ذلك الأصل، ولما نظرت العقول في الكتاب لتتدبره وجدته يشهد بأنه من عند الله فعلمنا أنه يفيد اليقين.

مراتب الأدلة وإفاداتها
(العقل) هو الدليل الأول وهو يفيد العلم القطعي وبه عرفنا الأصول. (الكتاب) هو الدليل الثاني وهو قطعي الثبوت لشهادة العقل له بذلك وبه عرفنا الفروع والتي هي كليات أو تعميمات أو إطلاقات أو إجمالات. (الرسول) هو الدليل الثالث وبه عرفنا الجزئيات والتخصيصات والتقييدات والتفصيلات المتعلقة بفروع الشرائع والأخلاق.

وللحديث بقية إن شاء الله

الحسيني

Published in: on أغسطس 17, 2007 at 5:00 م  اكتب تعليقُا  

The URI to TrackBack this entry is: https://alhousseiny.wordpress.com/2007/08/17/%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%82%d9%88%d9%84-%d9%81%d9%8a-%d8%b9%d9%84%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b5%d9%88%d9%84/trackback/

RSS feed for comments on this post.

أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: