الصافنات الجياد

 

تدبر في قول الله تعالى
(وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ. إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ. فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ. رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ. وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ) (ص : 30 – 34)

– من المقصود بقوله تعالى (عرض عليه)؟ على من تعود الهاء: على داوود أم على سليمان؟

– ما معنى (الصافنات الجياد)؟ هل هي الخيل؟ أم النساء؟ أم شيئ آخر؟

– على من تعود الهاء في قوله (ردوها)؟ على الشمس أم على الخيل أم على شيئ آخر؟

– ما معنى قوله تعالى (فطفق مسحا بالسوق والأعناق)؟ هل هو القتل أم الربت أم النكاح أم شيئ آخر؟

– ما معنى قوله تعالى (فتنا سليمان)؟

– ما هو (الجسد) الذي ألقي على كرسي سليمان؟ أهو طفل رضيع أم شيئ آخر؟ وما هو؟

أسئلة كثيرة تنساب من خلال تدبرنا في ذلك المقطع من تلك السورة الشريفة.

[1] من المقصود بقوله تعالى (عرض عليه)؟ على من تعود الهاء: على داوود أم على سليمان؟

ظاهر السياق يدل على أن المقصود هو (داوود) عليه السلام، فهو بطل الأحداث في هذا الجزء، وهو من بدئ بذكره وذلك بقول الله تعالى (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ…)، كما أن لفظ (أواب) ارتبط بداوود عليه السلام في سياق آخر في نفس السورة هو قوله تعالى:

(اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ) (ص : 17)

وهذا يرجح أن تلك الفقرة بألفاظها (نعم العبد) و (إنه) وغير ذلك تشير إلى داوود عليه السلام. أما سليمان عليه السلام فسيلتفت إليه السياق الكريم مع قوله تعالى (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ…) أما قبل ذلك فالإشارة فقط لداوود وليس لسليمان.

[2] ما معنى (الصافنات الجياد)؟ هل هي الخيل؟ أم النساء؟ أم شيئ آخر؟

يشير السياق إلى داوود فهو إذا المعروض عليه فمن العارض؟ هل هو الله أم الملائكة أم البشر أم غير ذلك؟ يعلمنا الله تعالى هنا أن الفاعل غير مهم في الأحداث ولذا جاء الفعل مبنيا لما لم يسمى فاعله ولكننا من خلال استكمال السياق قد نلاحظ من هو الفاعل وإن كانت معرفته غير هامة بالنسبة للعبرة من القصة المذكورة. أما زمن العرض فهو “العشي” أي وقت الغروب وهو مذكور في السورة كذلك في موضع آخر هو قوله تعالى:

(إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ) (ص : 18)

بما يدل على الزمن المقابل للإشراق، فالإشراق هو صعود الشمس شرقا والعشي هو هبوطها غربا. أما كلمة الصافنات ـ وحروفها الأصلية هي ص / ف / ن ـ فلم ترد في القرآن كله إلا في هذا الموضيع دليل على تفردها وعدم شيوعها. أقرب لفظ لها في القرآن هو كلمة الصافات ـ وحروفها الأصلية هي – ص / ف / ف – بوجود مشترك حرفي بينهما هو (ص / ف) كما في قوله تعالى:

(وَالصَّافَّاتِ صَفًّا) (الصافات : 1)

(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ) (الفتح: 4)

بما يدل على الرص والترتيب والتساوي والإنضباط الذي قد يشير إلى وجود استعراض عسكري متناسق. أما كلمة الجياد فوردت ومشتقاتها في القرآن في موضعين آخرين إضافة للموضع محل البحث وهما:

(وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (هود : 44)

(فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ) (المسد : 5)

وهي كلمة توحي بالجودة والإجادة وما يجود به الإنسان. ولما كان أجود ما يجود به الإنسان هو أن يجود برقبة أطلق هذا اللفظ على العنق من الجماد والأحياء، فالجودي هو المكان المرتفع من الجبل أي عنق الجبل وجيد إمرأة أبي لهب هو عنقها، وهكذا تدل هذه الكلمة على معاني الجودة والتقديم بما يوحي بإستعراض عسكري على مستوى رفيع يشمل أجود الجنود ومقدميهم ولعلهم كانوا يضعون أنواطا في أعناقهم تمييزا لهم عن غيرهم. ما نفهمه إذا هو أن القادة العسكريين المساعدين لداوود عليه السلام قاموا بتنظيم عرض عسكري Parade رفيع المستوى إستعراضا لقوة الدولة وهيبتها وقد بدأ ذلك الإستعراض قبل الغروب وانتهى بعيد غروب الشمس.

التفسير التاريخي
يغلب على المفسرين التاريخيين ترجيح سليمان بدلا من داوود كبطل للأحداث المذكورة. ويغلب عليهم تفسير الصافنات الجياد بأنها خيل الجهاد التي تقف على تلاثة كوقفة العرنجل رافعة سنبكها الرابع. ويقول بعضهم بأن المقصود ليس الخيل وانما نساء سليمان الجميلات والتي سيدخل بهن لينجبن له مجاهدين وغير ذلك من الأقوال التي يأباها الفهم القويم ويمججها الذوق السليم ويعارضها الكتاب الحكيم.

[3] ما المقصود بقوله تعالى (حتى توارت بالحجاب)؟

من التي توارت بالحجاب؟ هل هي الشمس؟ كيف تكون الشمس هي المقصودة ولا ذكر لها في السياق أصلا؟ أم هي الخيل؟ وأين ذكرت الخيل في السياق؟ إن الفاعل المتقدم والذي توارى بالحجاب هو الصافنات الجياد فيكون المعنى هو أن الوقت المخصص للإستعراض العسكري لجند الجهاد في سبيل الله ـ جند الخير ـ قد تقاطع بوقت دخول الصلاة والتي تمت الإشارة إليها بقوله تعالى (عن ذكر ربي) فيكون الحجاب هنا هو حجاب الظلام أو حجاب البعد فكأن هناك منصة يجلس داوود عليها السلام مستعرضا العسكر وكلما مر فوج توارى وجاء فوج من وراءه وهكذا بما يدل على كثرة العدد وهيبة الدولة وحسن التظيم وجودة العرض وكل هذا الخير يحبه داوود ولا شك إلا أنه يحب ذكر الله أكثر فأوقف الإستعراض ريثما يؤدي الصلاة.

[4] ما معنى قوله تعالى (فطفق مسحا بالسوق والأعناق)؟ هل هو القتل أم الربت أم النكاح أم شيئ آخر؟

والآن … إنتهى داوود عليه السلام من أداء الصلاة ـ ذكر الله ـ وأخذ في إستكمال مشاهدة الإستعراض العسكري فطلب من المعاونين ذلك بقوله (ردوها علي) أي الصافنات الجياد انتقالا لمرحلة أخرى هي:

(فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ).

وردت مادة طفق في موضعين آخرين في الكتاب إضافة للموضع محل البحث وهما:

(فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ…) (الأعراف : 22)

(فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) (طه : 121)

للدلالة على الشروع في فعل ما بسرعة. أما مادة مسح فوردت في خمسة عشر موضعا في الكتاب منها قوله تعالى:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (المائدة : 6)

وهو غير الغسل، فالغسل هو إراقة الماء بينما المسح هو سح الشيء ـ ماءا كان أم صعيدا أم غير ذلك ـ بلين ورفق. أما مادة سوق فقدت وردت في سبعة عشر موضعا في الكتاب منها قوله تعالى:

(وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ) ( الزمر : 73)

بما يشير إلى (القيادة) ولذا أطلق على قصبتي القدمين لفظ “ساقين” لأنهما يسوقان الإنسان أي يقودانه، وكذلك لفظ “سوق” وهو محل التجارة لأن حاجة الإنسان تسوقه إليه أي تقوده إليه. أما مادة عنق فقد وردت في الكتاب في تسعة مواضع منها قول الله تعالى:

(وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا) (الإسراء : 29)

(إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ) (الأنفال : 12)

بما يدل على صدر الإنسان وهو محل المعانقة. فتعبير (فوق الأعناق) يدل على أن العنق هو الصدر ولذا لا يضرب هو وإنما يضرب ما فوقه أي الرقاب.

المعنى العام
بعد أن إنتهى داوود عليه السلام من الصلاة واصل الإستعراض العسكري وبعد الإنتهاء بدأ في توزيع الأنواط على السوق أي القادة الذين قادوا استعراض الصافنات الجياد رابتا على صدورهم وواضعا النياشين والأوسمة عليها مكافأة لهم على ذلك العرض المتقن الذي يدخل الرهبة في قلوب أعداء الله.

التفسير التاريخي
زعم البعض أن سليمان ـ هم لا يذكرون داوودا في السياق إطلاقا ـ تأخر عن الصلاة بسبب استعراض الخيل فصاح (ردوها على) أي الشمس في زعم البعض أو الخيل في زعم البعض الآخر. بعد ذلك أخذ يقتل في الخيل البريئة ويسفك دمها عقوبة للبريء على إهماله هو وقال آخرون بأنه لم يقتلها وانما ربت عليها وهو عكس القول الأول ودليل على التخبط في فقه السياق.

بعد الإنتهاء من ذكر استعراض داوود عليه السلام للجيش ثم توزيعه الأوسمة وتعليق النياشين على صدور القادة العسكريين بعد صلاة المغرب التفت السياق إلى قصة جديدة بطلها شخصية أخرى هو سليمان عليه السلام. ما هي قصته؟ وما هو ذلك الجسد الذي ألقي على كرسيه؟ وهل الأمر له علاقة بتلك الفتاة السمراء التي عشقت سليمان كما صور نشيد الإنشاد؟ أم أن الأمر له علاقة بالنساء الفاتنات اللائي يطوف بهن سليمان كما زعم الزاعمون؟ أم أن ذلك كله من الإسرائيليات بينما الحقيقة مختلفة تماما بل مفاجئة وغير متوقعة؟


محاورات ونقاشات

أخطأ كثير من مفسرون قدماء في حق سليمان عليه السلام ومن ثم في حق سائر الأنبياء وذلك حينما رادفوا بين (الصافنات الجياد) والخيل وادعوا أن سليمان عليه السلام انشغل بها عن الصلاة حتى خرج وقتها. وادعوا أنه أراد أن يعاقب تلك الخيل على ذنب لم ترتكبه فأخذ يضرب أعناقها وسيقانها ويثخن الجراح فيها ويحز رؤسها فيالها من ليلة دامية تلك التي وصفوها. وزعموا أنه طاف بنسائه وأراد الولد ليجاهد في سبيل الله ولم يقل “إن شاء الله” فعوقب بمولد صبي معاق وغير ذلك من الترهات التي يتنزه أنبياء الله عنها. هذا هو السياق الذي يجب أن يفهم تدبري أعلاه في إطاره. تنزيه الأنبياء عن تلك الشنائع يستوجب قراءة السياق بدقة شديدة فإذا بنا أمام معطيات قرآنية تخالف معطيات سطرها أولون نقلا عن بني إسرائيل الذين لم تفتر لهم همة في القدح في الأنبياء وإصدار المعصية منهم. والآن اسمحوا لي ببعض التعليقات على الإقتباسات المكتوبة باللون الأزرق:

جاء في سورة ص: « ووهبنا لداود سليمان، نعم العبدُ إنه أوّاب، إذ عُرض عليه بالعَشي الصافناتُ الجياد…» . تصف الآية الكريمة الخيل بأنّها صافنات، وبأنها جياد.

من أين له بأن “الصافنات” هي “الخيل” ولم تذكر في القرآن كله سوى مرة واحدة؟ أما لفظ “الخيل” أو تصريفاته فذكر في القرآن في أكثر من موضع مثل قوله تعالى:

(وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) (النحل : 8)

فلو أن الخيل هي المقصودة لذكرت بلفظها القرآني المعتاد.

واللافت أنّ الصفة الثانية هي نقيض للصفة الأولى؛ فمعلوم أنّ الخيل عند راحتها تكون قائمة لا تتحرك، بل تنام وقوفا، وصمتها فيه هدوء ووقار، فأنت تعجب من هذا الحيوان الذي يمضي حياته واقفا، وتعجب كيف ينام واقفا، وتعجب كيف لا يرهقه الوقوف! ويزول العجب عندما نعلم أنّ القانون في خلق الخيل، يختلف عنه في خلق الإنسان، وخلق الكثير من الحيوانات التي تنام مستلقية، فراحة الحصان في وقوفه. والهدوء العميق لهذا الكائن، وصمتُهُ ووقاره، كل ذلك هي المقدّمات الضرورية التي تُفجّر حيويّته ونشاطه. نعم إنّه الجواد الذي يجودُ بالحركة، ويفيضُ بالنشاط. ويندر أن نجد في الحيوانات حيواناً يماثله في هذه المتناقضات؛ فهو الساكنُ المتحرك، والصامتُ المتفجّر. .

كلام جميل حول “الخيل” ولكن ما علاقته بـ “الصافنات”؟ يبدو أن الكاتب أراد أن يعطينا درسا في وصف الخيل فنسي أن يقوم بتفسير الآيات الشريفة.

آية في سورة « ص » جاءت عقب الآيات سالفة الذكر، لا تزال لغزاً على الرُّغم من أقوال المفسرين الكثيرة فيها: « ولقد فتنا سليمانَ وألقينا على كُرسيّه جسداً ثمّ أناب» . وليس هذا مقام الإفاضة في تفسيرها، وأكثر ما جاء فيها من تفسير لا يستند إلى دليل معتبر. وقد يكون الأقرب إلى الصواب أن نقول: بأنّ الجسد الذي حلّ في كرسي المُلْك هو سليمان، عليه السلام. وقُلنا « حلّ » لأننا وجدناها أليق بمقام سليمان، عليه السلام. ومن لطائف القرآن الكريم أن يقول سبحانه وتعالى: « وألقينا على كرسيّه» ، ولم يقل: « وألقيناه على كرسيّه» . هذا إذا كان المقصود سليمان، عليه السلام؛ لأنّ كلمة «ألقيناه» تفيد الإلقاء مع النبذ على خلاف ألقينا. والذي يبدو لنا راجحاً هو احتمال أن يكون سليمان، عليه السلام، قد أصيب بمرض أقعده عن الحركة، أو تحول إلى جسد ساكنٍ لا حراك فيه، واستمر على هذه الحال مدّة من الزمن، ثم شفاهُ الله وعافاهُ مما حلّ به، عليه السلام. وقد يعزز هذا القول أنّ الآيات التي تلي هذه القصّة جاءت على ذكر أيوب، عليه السّلام، وما حلّ به من بلاء: « واذكر عبدنا أيّوب إذ نادى ربّهُ أنّي مَسَّنِيَ الشيطانُ بنُصْبٍ وعذاب » . ويعززهُ أيضاً قوله تعالى: « ثمّ أناب » ، لأنّ من معانيه أنّهُ رجع إلى حالة الصّحّة والمعافاة. واستخدام ثُمّ التي هي للتراخي يؤكّدُ ذلك؛ لأنّ سرعة الإنابة، التي فيها معنى التّوبة، هي من مستلزمات صفة الأوّاب التي وصف بها سليمان، عليه السلام. وهذا يعني أنّ الإنابة هنا لا علاقة لها بالرجوع إلى الله، بل الرجوع إلى الصّحة والمعافاة بعد وقتٍ فيه طول…

كلام جميل أيضا ولكن أين ذكر “داوود” هنا؟ وأين “الصافنات الجياد”؟

فإذا كانت حالة الصفون في الخيل هي المقدّمة الضروريّة لحالة الجَود، فإنّ حالة سليمان، عليه السلام، في سكونه على كرسيّهِ كانت المقدّمة لإطلاق طاقاته الفاعلة، الموهوبة له من الله تعالى، لإحداث نقلة عظيمة في حياة البشر، وتكون على يديه، عليه السلام، تكريماً له.

كلام جيد يذكرنا بتفسير القرآن بالإشارة ولكن للأسف لا علاقة له بلسان القرآن فالخيل ليست الصافنات وليست الجياد الخيل سماها الكتاب خيلا، والصافنات ذكرت في الكتاب مرة واحدة وأقرب الألفاظ القرآنية لها هو لفظ الصافات أما الجياد فلفظ يدل على الجود والجودة أي لفظ كيفي.


لي تعليق حول (صف) و(صفن)، هل التقارب اللفظي يعني بالضرورة تقارب المعاني؟ إذ أن كلمة (صفن) لها معاني أخرى

مادة (ص / ف / ن) لم ترد في القرآن إلا في الموضع محل البحث فقط، ولذلك فإننا نلجأ لأقرب المواد لها لاستجلاء كنه المعنى والإعتماد في هذا يكون على القرآن وحده دون معاجم اللغة والتي لا يمكن الوثوق بها بصورة مطلقة كالقرآن. إن أقرب الكلمات للصافنات هي (الصافات) و (الصافون) وهما يحملان نفس المعنى الجيني ألا وهو الصف والترتيب. الإنفراد التركيبي لكلمة (الصافنات) يدل على الإنفراد التركيبي لعملية الصف، فهو إذا صف غير تقليدي بل صف متفرد كما ونوعا إلا أنه في نهاية المطاف صف وترتيب.

كما أن الكثير من التشابه اللفظي يحمل معاني مختلفة بل ومتناقضه، فمثلاً (باع) عكس (ابتاع)، و(شرى) عكس (اشترى)، وكلمة مولى تحمل معنيين متناقضين من السيد والعبد. فما مدى تطبيق هذه القاعدة؟

معاني مختلفة فرعا ولكنها متحدة أصلا فمثلا:

– (باع / ابتاع) حروفهما الأصلية هي (ب / ي / ع) الدالة على التجارة ولها طرفان: الآخذ والعاطي.

– (اكتال / كال) حروفهما الأصلية هي (ك / ي / ل) الدالة على مقياس وله طرفان كذلك الآخذ والعاطي.

– وكذلك الحال بالنسبة لـ (اشترى / شرى)

– أما كلمة (مولى) فتدل على الولاء فسواء قلنا الله هو مولانا أو نحن أولياء الله أو فلان مولى لنا فلن نفهم إلا معنى جيني وحيد هو وجود علاقة حميمة أو خضوع وهكذا.

الكلمة التي قالها اللغويون قديما وهي أن زيادة المبنى زيادة في المعنى صحيحة ولكن فقط ضمن إطار الفرع أما الأصل فيختلف عن الأصول الأخرى بإختلاف مكوناته الجينية أي الحروف المتركب منها.


هل (صافنات) اسم أم صفة؟

يقول الله تعالى (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ ). إذا كان فعل “عُرِضَ” فعل ماضي مبني لمن لم يسم فاعله يكون لفظ “الصَّافِنَاتُ” نائبا عن الفاعل مرفوع بالضمة الظاهرة على آخره أي أنه إسم كأن نقول مثلا “عرض عليه الصفوف”.

هل حذف الموصوف موجود في القرآن أم لا؟

كلمة “الصافنات” إسم وليس صفة ومن ثم فلا مجال لحذف الموصوف لعدم وجوده أصلا. الصافنات إسم و الجياد صفة فكأننا نقول “عرض عليه القيادات المجيدة”.

إن كان موجودًا فما المانع أن يكون الموصوف هي الخيل؟ خصوصًا أن (صافنات) جمع مؤنث سالم؟

كلمة “الصافنات” ليست جمعا حقيقيا للمؤنث السالم وإنما تلحق إعرابيا بجمع المؤنث السالم. حينما نقول مثلا “جنات” فهي جمع مؤنث سالم لأن مفردها “جنة” وهي مؤنثة كذلك. بالمثل حيات وصحراوات ومدرسات وأجنبيات كلمات تعبر عن جمع مؤنث سالم حقيقي. على العكس من ذلك نجد أن من جمع الجمع ما يلحق بالمؤنث السالم في اعرابه مثل كلمة “رجالات” وهي جمع لكلمة “رجال” وهي جمع تكسير للمذكر ومفردها كلمة “رجل” وهي مذكر كذلك. وبالمثل قد تكون كلمة “صافنات” والتي وردت في القرآن في موضع واحد فقط جمع لكلمة “صفان” مثلا والتي تعتبر مثنى كلمة “صف” أي أن ذلك الإستعراض ربما كان يمثل جمعا للصفوف المثاني. ولذلك وصف الصافنات بالجياد وليس بالجيادات في حين أن الصفة تتبع الموصوف في الإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتعريف والتنكير والتأنيث والتذكير أي أن كلمة الصافنات تلحق بالمؤنث السالم فقط إعرابيا ولكنها ليست مؤنثا حقيقيا.

هل كون الكلمة واردة مرة واحدة فقط في القرآن أمر غريب يدعونا إلى البحث عن أقرب الألفاظ إليه؟ أم نترك الأمر لللغة (مع ملاحظتي أنك تهمش دور المعاجم والسليقة اللغوية عندنا).

المنهج الذي استفدته من علماء التوحيد والعدل ولا سيما الإمام الهادي إلى الحق المبين وجده الإمام القاسم بن إبراهيم عليهما السلام إضافة لفقهاء اللغة الكبار لاسيما إبن فارس هو العودة دائما للمشترك الجذري أي الكلمات المتشابه تعود لأصل لساني واحد وقد قمت بتطبيق هذا المنهج على ألفاظ القرآن وقارنته بالمنهج الآخر الذي يعتمد على المعاجم وجدت أن المنهج الأول متسق أكثر مع روح القرآن ولا يعني ذلك أنه المنهج الأفضل بل هو أفضل المناهج ـ في تصوري ـ حتى الآن ولا يمنع هذا من دوام البحث عن منهجيات جديدة لفهم دلالات ألفاظ القرآن.

هل وجود لفظ قريب يعني تقارب المعنى دائمًا؟ هل (رفع) مثل (دفع) مثل (نفع)؟

ولكن هذه كلمات وردت مادتها في القرآن بصورة كبيرة فحديثنا ينصب على الكلمات “اليتيمة” أي التي لم ترد مادتها إلا مرة أو مرتين ككلمة “الصافنات” التي وردت مرة واحدة فقط وأقرب الألفاظ القرآنية لها هي “الصافات” أو كلمة “سجين” التي وردت مرتين وأقرب الألفاظ القرآنية لها هي “سجن” فيجب هنا البحث عن العلاقة الرابطة بين المعنيين.

ولا ننسى وجود المشترك اللفظي الذي يعكر هذه المنهجية من الأساس، فمثلاً كلمة (خير) الواردة في الآية لو أرجعناها إلى المعنى القرآني لتحولت إلى المال كقوله تعالى (إن ترك خيرًا) البقرة 180.

المشترك اللفظي هو مجرد مرحلة “وسيطة” لا يجب أن نطيل الوقوف عندها بل يجب أن ننتقل لمرحلة أعمق وهي المشترك الجذري. بهذه الآلية أقول أن لفظ “الخير” يدل على ما ينتفع الإنسان به من صحة ومال وعلم وهكذا فإن تم “تخصيص” الكلمة في موضع فإن ذلك لا يمنع من فهم المدلول الموضوعي العام للكلمة والتي يدخل التخصيص في معناها أيضا.

هل عدم ذكر الشمس ينفي أن تكون هي المقصودة في (توارت بالحجاب)؟ خصوصًا أن هناك قرينة وهي لفظ العشي؟ إن العرب تحذف الكلمة أحيانًا إن فُهم المعنى، فنحن نقول (أصبحت اليوم باردة) و (بالأمس كانت حارة) دون أن نذكر كلمة الدنيا أو الطقس..

ما نقوله ليس حجة على لسان القرآن وإنما لسان القرآن ينبغي أن يكون الحجة على ما نقول.

وهذه الظاهرة موجودة في القرآن فقد قال تعالى (والنهار إذا جلاها) مع أنه لم يذكر لفظ الأرض، ومع ذلك فالمعنى مستقيم يصل المستمع.

وهنا تأتي أهمية السياق والذي يقول (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا .وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا. وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا. وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا…) (الشمس : 1 – 4) والذي صرح بداية بذكر الشمس فهل صرح السياق محل البحث بذكرها أم بذكر الصافنات الجياد؟

ما تفسير قول داوود (إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي)؟ وما علاقتها بما بعدها مباشرة (حتى توارت بالحجاب)؟

المقصود هو أحببت حب الخير وهو إستعراض جيوش الجهاد “الصافنات” وظللت أشاهدها حتى انتهت وتوارت عن ناظري حتى أنني نسيت بذلك أداء حق الله على بالعبادة.
لاحظ أنه لم يقل “أحببت الخير” ولكن قال “أحببت حب الخير” فما هو الفارق؟ إنه أراد أن يقول “أحببت الخير حبا” فتكون كلمة “حبا” مفعولا مطلقا أي أنه يقول “أحببت الخير حبا عن ذكر ربي” فما هو “الخير” هنا؟ أوليس إستعراص صفوف جيش الدولة الذي يحميها من أعدائها ويكون عونا لها ونجدة لأصدقائها وحلفائها خيرا؟ ما معنى “عن” ذكر ربي؟ حرف “عن” من معانيه “الصدور” و “الخروج” كأن نقول “رميت السهم عن القوس” بما يدل على الإبتعاد والإنتشار. داوود عليه السلام يقول أن حبه للخير جاء بفضل الله فهو متولد “من” كثرة ذكر الله. ذكر الله كان بمثابة إشعاع صدر عنه حب داوود الخير حبا جما.

تحياتي القلبية والسلام

الحسيني

Published in: on أغسطس 18, 2007 at 9:20 ص  2 تعليقان  

The URI to TrackBack this entry is: https://alhousseiny.wordpress.com/2007/08/18/%d8%a7%d9%84%d8%b5%d8%a7%d9%81%d9%86%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%8a%d8%a7%d8%af/trackback/

RSS feed for comments on this post.

2 تعليقانأضف تعليقاً

  1. الصافنات الجياد هي الزبور … حجارة الزبور اللتي كانت يكتب فيها الوحي لداوود … وكان يصفنها داوود عليه السلام (اي يثبتها) في ما يشبه الدرع .. وتلبس (صنعة لبوس) وتعلق في اجياد بني اسرائيل (الرقاب) .. لفص الخطاب .. والايات تتحدث عن وراثة سليمان لداوود … هي نفس الايه ( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر …..


أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: