المُجَلَّى في الكشف عمَّنْ عبس وتولَّى

 

تدبر في قول الله تعالى
(عَبَسَ وَتَوَلَّى. أَن جَاءهُ الْأَعْمَى. وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى. أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى. أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى. فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى. وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى.
وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى. وَهُوَ يَخْشَى. فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى) (عبس : 1 – 10)

أولا: أقوال المفسرين حول مناسبة النزول

زعم المفسرون ـ وادعى الشوكاني إجماعهم ـ أن المُخَاطَبَ في تلك الآيات هو نبي الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم ـ إضافة لمزاعمهم حول محاولته الإنتحار لما فتر عنه الوحي وسحره وشهوته التي جعلته يقطع مجلس العلم ليقضي وطره مع امرأته ثم يغتسل ثم يخرج لمواصلة مجلس العلم ـ وليس إنسانا غيره. فيما يلي أقدم لكم غيضا من فيض افتراءات المفسرين على الرسول الأكرم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم.

يقول الطبري في تفسيره
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: { عَبَسَ وَتَوَّلى أنْ جاءَهُ الأعْمَى } قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يناجي عُتبة بن ربيعة وأبا جهل بن هشام والعباس بن عبد المطلب، وكان يتصدّى لهم كثيراً، ويَعرِض عليهم أن يؤمنوا، فأقبل إليه رجل أعمى، يقال له عبد الله بن أم مكتوم، يمشي وهو يناجيهم، فجعل عبد الله يستقرىء النبيّ صلى الله عليه وسلم آية من القرآن، وقال: يا رسول الله، عَلِّمني مما علَّمك الله، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعَبَس في وجهه وتوّلى، وكرِه كلامه، وأقبل على الآخرين فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذ ينقلب إلى أهله، أمسك الله بعض بصره، ثم خَفَق برأسه، ثم أنزل الله: { عَبَسَ وَتَولَّى أنْ جاءَهُ الأعْمَى وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذّكْرَى } ، فلما نزل فيه أكرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلَّمه، وقال له: ” ما حاجَتُك، هَلْ تُرِيدُ مِنْ شَيْءٍ؟ ” وإذا ذهب من عنده قال له: ” » هَلْ لَكَ حاجَةٌ فِي شَيْءٍ؟« ” وذلك لما أنزل الله:
{ أمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فأنْتَ لَهُ تَصَدَّى وَما عَلَيْكَ ألاَّ يَزَّكَّى }

يقول ابن كثير في تفسيره
ذكر غير واحد من المفسرين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوماً يخاطب بعض عظماء قريش، وقد طمع في إسلامه، فبينما هو يخاطبه ويناجيه، إذ أقبل ابن أم مكتوم، وكان ممن أسلم قديماً، فجعل يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء ويلح عليه، وود النبي صلى الله عليه وسلم أن لوكف ساعته تلك ليتمكن من مخاطبة ذلك الرجل؛ طمعاً ورغبة في هدايته، وعبس في وجه ابن أم مكتوم، وأعرض عنه، وأقبل على الآخر، فأنزل الله تعالى: { عَبَسَ وَتَوَلَّى … }

يقول الشوكاني في تفسيره
وقد أجمع المفسرون على أن سبب نزول الآية: أن قوماً من أشراف قريش كانوا عند النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقد طمع في إسلامهم، فأقبل عبد الله بن أمّ مكتوم، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقطع عليه ابن أمّ مكتوم كلامه، فأعرض عنه فنزلت، وسيأتي في آخر البحث بيان هذا إن شاء الله.

يقول الزمخشري في تفسيره
أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أمّ مكتوم – وأمّ مكتوم أمّ أبيه، واسمه عبد الله بن شريح بن مالك ابن ربيعة الفهري من بني عامر بن لؤي -وعنده صناديد قريش: عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو جهل بن هشام. والعباس ابن عبد المطلب، وأمية بن خلف، والوليد بن المغيرة، يدعوهم إلى الإسلام رجاء أن يسلم بإسلامهم غيرهم – فقال: يا رسول اللَّه، أقرئني وعلمني مما علمك الله، وكرر ذلك وهو لا يعلم تشاغله بالقوم، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعه لكلامه، وعبس وأعرض عنه، فنزلت فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرمه ويقول إذا رآه: مرحباً بمن عاتبني فيه ربي، ويقول له: هل لك من حاجة؟ واستخلفه على المدينة مرتين؛ وقال أنس: رأيته يوم القادسية وعليه درع وله راية سوداء

ثانيا: تدبر استبياني للآيات

إذا أعرضنا عن الإدعاءات السابقة وحاولنا تجلية الموقف من خلال تشريح كلمات القرآن نفسه لرسم “صورة” لشخصية المعني بتلك الآيات لوجدنا نتيجة أخرى مخالفة تماما للصورة التي نشرها المفسرون. إن المنهج الحقيقي يكمن في ضرورة استجلاء القرآن بالقرآن. للنتقل إذا للآيات الكريمات لتدبرها ولتعقلها كما أمر رب العزة سبحانه.

[1] (عَبَسَ وَتَوَلَّى)
أول ما نلاحظه هنا هو بدء السورة الكريمة بذكر “العبوس” و “التولي” الذين يعبران عن نوع من أنواع الفظاظة وهي الفظاظة الصامتة وغلظة في القلب فهل كان رسول الله فظا؟ لندع الإجابة للقرآن الكريم ذاته:

(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ…) (آل عمران : 159)

تتحدث الآية بوضوح عن رحمة للرسول من الله تعالى ولين ووداعة في نبي الهدى ونفي للغلظة والفظاظة. الأمر الثاني الذي نلاحظه هو أن الآية بدأت بضمير “الغائب” وليس بضمير “المخاطب” مما يدل بوضوح أن رسول الله ليس هو المخاطب بالآيات. حينما يخاطب الله تعالى رسوله الكريم فإنه يقول مثلا:

(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ…) (المائدة : 41)

وحينما يريد أن “يعاتبه” على سلوك ما صدر عنه فإنه يقول مثلا:

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ…) (التحريم : 1)

فإسلوب النداء بـ (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ) أو ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ) فيه خطاب مباشر لمحمد صلوات الله عليه. أما في آيات “عبس” فالرسول غير مخاطب ولا ذكر له والكلام يدور عن شخص غائب سيلتفت له السياق لاحقا.

[2] (أَن جَاءهُ الْأَعْمَى)
هل لفظ “الأعمى” هنا يدل على فقدان البصر؟ وهل تذكير فاقد البصر بعاهته وجرح إحساسه بصورة علنية عمل حسن؟ وهل إذا خاطب إنسان شخصا مكفوف البصر قائلا: يا أعمى عمل مستحسن؟ لست مكفوف البصر حتى أنقل لكم شعور المكفوف وإعتصار قلبه ألما حينما يناديه أحد بعاهته وارجعوا إلى فاقدي البصر لسؤالهم في هذا. إن لفظ “العمى” يدل في القرآن على “الخفاء” و “الستر” ومن ثم يتسع المفهوم ليشمل كل ما سُتر عن شيئ ففاقد البصر مستور عنه إبصار الأشياء فهو لذلك أعمى وفاقد البصيرة مستور عنه إدراك المعاني كمعنى الهدى فهو كذلك أعمى ولذلك يقول الله تعالى:

(وَمَا أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ) (النمل : 81)

فليس المقصود بـ “العمي” هنا فاقدي البصر لأن فقدان البصر لا يحول بين المرء والإيمان ولكن المقصود هم فاقدو البصيرة الذين تحول ضلالاتهم بينهم وبين الهدى. إذا إستصحبنا ذلك المعنى وعدنا للآية محل البحث لوجدنا أن كلمة “الأعمى” تعبر عن درجة أعلى في العمى أي هناك “عُمْياناً” يتكلم معهم المخاطب بالآيات فانشغل بهم عن “الأعمى” أي الأبعد عن الإيمان ومن ثم الأحوج للدعوة. إن الآية الشريفة ترتب للداعي إلى الله سلم “أولوياته” بأن يبدأ مع الأكثر حاجة والأَمَسِّ للدعوة. إن الأعمى هنا ليس شخصا فاقدا لنور البصر ولكنه كان فاقدا لنور البصيرة فأبصر فسعى لضياء الهداية سعيا حثيثا وهو متلهف للإيمان.

[4 – 3] (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى. أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى)
الإنسان يجب عليه أن يأخذ بالأسباب ويسعى للدعوة مع كل البشر. الآيات بدأت هنا في الإلتفات إلى ذلك “الغائب” الذي عبس [ هو ] وتولى [ هو ] وجاءه [ هو ] الأعمى. بدأ السياق يلتفت إليه، إلى ذلك العابس المنشغل عن الأهم باللوم مرتبا فقه الأولويات وموجها النظر إلى إستبيان “الدوافع” المحتمله: (لَعَلَّهُ يَزَّكَّى) أو (يَذَّكَّرُ) …

[7 – 5] (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى. فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى. وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى)
توحي الآية بأن ذلك المخاطب على علم تام بإستغناء وإعراض ذلك الفرد الذي كان مشغولا به متصديا له. يستمر السياق في ترتيب فقه الولويات: هناك “أعمى” على علم بالإسلام ولكنه معتقد أنه مستغن عنه وهناك “الأعمى” – superlative – المتولد عماه من الجهل بالإسلام والمتوق لمعرفة المزيد عنه فكان حريا بالداعية الحصيف الإهتمام بهذا عن ذاك وليس العكس.

[10 – 8] (وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى. وَهُوَ يَخْشَى. فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى)
هل من الممكن أن يتلهى الرسول المكلف برسالة عن تلك الرسالة؟ بالطبع لا لأن الرسول حريص على أداء الرسالة وعلى إيمان الناس ولذلك يقول الله تعالى:

(لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) (التوبة : 128)

فالحرص على الشيئ يقابل التلهي عنه. الله تعالى وصف رسوله الكريم بأن “حريص” بينما وصف المخاطب بالآيات بأنه “يتلهى” عن الدعوة ومن ثم تقدم لنا تلك المقابلة دليلا إضافيا على براءة الرسول ـ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ـ مما نسبوه إليه.

ثالثا: من هو الذي عبس وتولى؟

القراءة التدبرية الإستبيانية لألفاظ الآيات محل البحث والملامح القرآنية لشخصية النبي تدل على أن “المخاطب” هنا ليس رسول الله، فالمخاطب هنا “عبس” و “تولى” و “تلهى” عن الدعوة للأكثر حاجة للدعوة و “تصدى” للمستغني. أما ملامح شخصية الرسول فقد أوضحها القرآن كذلك فهو “لين” و “رقيق” و “حريص” و “رؤوف” و “رحيم”. ولذلك إنتبه فضلاء المفسرين لهذا الفارق الإمام أبي الفضل الطبرسي والإمام الشريف المرتضى من قبله وغيرهما. يقول الطبرسي في تفسيره نقلا عن الشريف المرتضى: (ليس في ظاهر الآية دلالة على توجهها إلى النبي صلى الله عليه وسلم بل هو خبر محض لم يصرح بالمخبر عنه وفيها ما يدل على أن المعني بها غيره لأن العبوس ليس من صفات النبي صلى الله عليه وسلم مع الأعداء المباينين فضلاً عن المؤمنين المسترشدين ثم الوصف بأنه يتصدى للأغنياء ويتلهى عن الفقراء لا يشبه أخلاقه الكريمة ويؤيد هذا القول قوله سبحانه في وصفه صلى الله عليه وسلم
{ وإنك لعلى خلق عظيم }
[القلم: 4] وقوله
{ ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك }
[آل عمران: 159] فالظاهر أن قوله { عبس وتولى } المراد به غيره).

تحليل السياق القرآني و ربط الآيات ببعضها و فهم فضلاء الأمة لحقيقة الرسالة والدعوة تدل على أن المعنى هو شخص آخر متصدي للدعوة وفي هذا السياق يروي الطبرسي الرواية التالية عن الإمام جعفر الصادق رحمه الله: (وقد روي عن الصادق أنها نزلت في رجل من بني أمية كان عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاء ابن أم مكتوم فلما رآه تقذر منه وجمع نفسه وعبس وأعرض بوجهه عنه فحكى الله سبحانه ذلك وأنكره عليه).

سواء صحت الرواية أم لا ـ وإن كنت لا أميل لصحتها ـ فهي قريبة من الحقيقة: هناك رجال تعلموا على يد سول الله صلى الله عليه سواء في دار الأرقم بن أبي الأرقم أو في غيرها، وكان رسول الله يرسلهم لبث الدعوة سرا أو علنا بين الناس. وكان هناك أناس يتعلمون بالمثل على أيديهم فلعل واحدا من هؤلاء أو أولئك كان منشغلا في دعوة أحد “العمي” من المعروفين بإعراضهم فصادف أن جاءه “الأعمى” من ذاك فعرض عنه ذلك الداعية وعبس في وجهه. من هو ذلك الداعية بالتحديد؟ من هو ذلك العمي؟ من هو ذلك الأعمى؟ أسئلة ربما لا تهمنا ولكن يهمنا بالتأكيد هو أنه لا علاقة لهذه الآيات برسول الله من قريب ولا من بعيد فلا إسم الرسول “محمد” مذكور في السياق ولا لقبه “رسول / نبي” مذكور ولا “صفاته” التي نعرفها من صفات “الخلق العظيم” مذكورة. أما ما قاله المفسرون في هذا الصدد من أقوال فهي تخالف القرآن وتضاد سنة رسول الرحمن ومن ثم فهي مرفوضة.
أكتفي بهذا القدر والسلام


رابعا: محاورات

ضمائر المخاطب فى السورة فهى للنبى عليه السلام وليس هناك تعارض ولاتناقض فى دلالات السورة فالعبوس والتولى هو لصاحب الاستغناء وهو ماكان النبى يتصدى له بالدعوة وحريص عليه ان يؤمن فخفف الله عنه بقوله (وما عليك الا يزكى) واما التلهى فكان من النبى عليه السلام بدلالة الانشغال بالدعوة وحرصه بالبلاغ فجاءت الايات توعية وتوجيه وتخفيف على الرسول وان ماعليه سوى الذكرى.

تعليقك الكريم فتح شهيتي للنقاش الموضوعي والذي أستهله بسؤال إلى حضرتك آمل الإجابة عليه وهو:

كم عدد الأفراد هنا؟ ثلاثة هم “النبي” و “المدعو” و “الأعمى”؟ أم أن “المدعي” و “الأعمى” شخص واحد ومن ثم يكون عدد الأفراد هو اثنين؟

بالنسبة الى عدد الافراد فهم ثلاثة

إذا عندنا ثلاثة أفراد. إذن نحن متفقان في هذه النقطة والمتعلقة بالعدد فلننتقل لذلك إلى النقطة التي تليها وهي “متعلقات الضمائر” الآتية: عَبَسَ / تَوَلَّى / جَاءهُ / يُدْرِيكَ / لَعَلَّهُ. سؤالي التالي مكون من خمسة أسئلة فرعية الإجابة عن كل سؤال منهم تكون بكلمة واحدة من الكلمات الآتية (النبي / المدعو / الأعمى) فهل تسمح بتوزيع تلك الكلمات على الضمائر الآتية:

(1) ضمير الفاعل المستتر في كلمة “عبس”

(2) ضمير الفاعل المستتر في كلمة “تولى”

(3) ضمير المفعول المتصل أي الهاء في كلمه “جاءه”

(4) ضمير المفعول المتصل أي كاف الخطاب في كلمة “يدريك”

(5) ضمير اسم لعل المتصل / الهاء في كلمة “لعله”.

أكتفي بهذه الضمائر الخمسة وفي إنتظار إجابتكم الكريمة لننتقل بعدها للخطوة الثالثة والأخيرة.

اعتقادنا في النبي صلى الله عليه وسلم، هل هو معصوم عصمة مطلقة عن كل الذنوب؟

الرسول ليس معصوما عصمة تكوينية والعصمة في رأيي أنها “موهبة” خاصة تمكن الرسول من أداء رسالته وهو قادر على ترك البلاغ ولذلك يقول الحق سبحانه
(وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (الزمر : 65).
السؤال هنا ليس هل الرسول معصوم أم لا إذ الرسول ـ عندي ـ غير معصوم لا تكوينيا ولا تكليفيا و لكن السؤال هنا هو: أين ذكر الرسول في تلك الآيات من الأساس؟

إن كان لا فلا مشكلة مع التفسير المتداول، فهو خطأ بسيط وقع منه عليه السلام يُثبت فيه بشريته ولا يخرجه عن دائرة الخلق الحسن، ولا يقذف به إلى دائرة الكبائر.

مبدأيا أتفق معك وبهذا فهمنا قول الله تعالى
(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (التحريم : 1)
إنطلاقا من مبدأ “عدم” العصمة التكوينية. لكن فيما يتعلق بالآيات محل البحث لم أجد خطابا صريحا موجها للنبي الأكرم. لو وجدته لقبلته ولكن كيف يمكنني قبول شيئ إستنادا على نص غير قرآني يأتي من هنا أو هناك؟

الملاحظة الثانية تتعلق في الرأي بالـ”تشنيع” بوصف ابن مكتوم بالأعمى، بينما يمكن أن نرى هذا الوصف ذا أبعاد أخرى حيث أنه لما كان صاحب ضَرارة فهو أجدر بالعناية به، لأن مثله يكون سريعاً إلى انكسار خاطره.

تتبعت مفردة “ع / م / ي” خلال القرآن فوجدتها وردت في 32 موضع جميعها يعود لأصل واحد هو “الخفاء”: إن إختفى المحسوس المادي عن الإدراك بالبصر سمي صاحبه “أعمى” وإن إختفى المحسوس المعنوي ـ كالإيمان مثلا ـ عن الإدراك بالبصيره سمي صاحبه كذلك أعمى ومن هذا النوع قوله تعالى
(وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى…) (فصلت : 17).
وحيث أن الإحتمالي مطروحان يحتاج الفصل بينها لمرجح عقلي أو لفظي، هذا المرجح ـ في تصوري ـ يرجح كفة عمى البصيرة على عمى البصر لأن المقام مقام هداية ودعوة فيكون التعبير عن فقدان الهدى بالعمى المعنوى أليق.

ثم إن الصيغة جاءت معرفة لتدل على تعيين شخص دون غيره، وإلا فكيف يمكن أن يعيِنه الله دون غيره؟

هذا بإعتبار أن كلمة “أعمى” إسما فيكون التعريف باللام للتخصيص أي لتحديد شخص مخصوص بعينه. كلمة “أعمى” عندي ليست إسما ولكنها “نعت” لذلك الشخص وكما نقول مثلا “بعيد” و “أبعد” و “الأبعد” نقول كذلك “عمِيّ” و “أعمى” و “الأعمى”. الأعمى هنا ليس معناها الأكثر ضلالا ولكن معناها الأكثر حاجة للتعلم لأنه الأكثر جهلا بالدين. إن أستاذا ألمانيا للإستشراق لهو أعلم من المسلم العادي بالعلوم الإسلامية. نظرا لكفر الأول نسميه “أعمى” بينما المسلم العادي هو “الأعمى” لأنه لا معرفة له بعلوم الدين ومن ثم فهو أحوج بتوجيه الإهتمام وتعليمه من ذلك الأستاذ العالم ولكنه أعمى البصيرة.

الملاحظة الثالثة وهي إمكانية وصف الضرير بالأعمى وفي نص القرآن أيضًا: (ليس على الاعمى حرج ولا على الاعرج حرج ولا على المريض حرج …) (النور: 61) فلماذا نستبعد أن يكون الأعمى هو الضرير؟

من الناحية اللسانية يصح وصف “الضرير” بأنه “أعمى” لأن المحسوسات المادية مستورة عن الإدراك بالبصر لعلة في جهاز الإبصار لديه ولكن إن قامت قرينة عقلية على غير ذلك صح حينئذ وصف المبصر الفاقد للبصيرة بالأعمى كقوله تعالى
(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج : 46).

الذى عبس هو المدعو وهو ايضا الذى تولى

أتفق مع حضرتك تماما في هذا

والضمير المفعول فى جاءه هو محمد عليه السلام ومايدريك هو محمد عليه السلام

هذا ما أختلف مع حضرتك فيه. ما طرحته في رؤيتي يقوم على غياب شخص الرسول تماما عن السياق، لا لعصمة له عن وقوع خطأ بشري منه، ولكن لعدم إشارة القرآن له لا اسما ولا وسما ولا سمتا. ما أراه هو أن المخاطب بالآيات هو أحد “دعاة” الإسلام أي أحد “حواريي” نبي الهدى ممن لم يستكمل “موهبة” تجنب الأخطاء بعد. بعض الإمامية يقول أن المقصود هو عثمان بن عفان وهذا الكلام لا دليل عليه كذلك و هو ينطلق من خلفية مذهبية وليست موضوعية. الله تعالى رحمة بذلك المسلم المخطأ عمى اسمه ـ أي أخفاه ـ حتى لا يفضحه على الملأ. ما أميل إليه هو عدم انطباق “التصدي” و “التلهي” و “عدم الدراية” عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

… اما التصدى بالدعوة فمن اولى بها من رسول الله عليه السلام

كان العتاب بسبب التصدي لدعوة “من استغنى” وكان الأولى نشر الدعوة في “من يخشى” ولذلك جاء التصدي بدعوة المستغني في غير موضعه لوجود الأولى ومن ثم فلا يمكن وقوع نبي الهدى في مثل هذا الخطأ.

لأن القرءان يتنزل على محمد عليه السلام ويخاطب به محمد عليه السلام فلا بد ان يكون ضمير المخاطب (انت) هنا يقصد به محمد النبى

في هذه الحالة يكون أمامنا إشكال وتناقض: نصف المدعو بأنه عبس وتولى ثم ينتقل السياق للوم النبي في الوقت الذي لم يعبس فيه ولم يتولى. إذا كان قوله تعالى (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى. أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى. أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى. فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى. وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى. وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى. وَهُوَ يَخْشَى. فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى) خطابا للنبي فلابد أن يكون هو كذلك العابس والمتولي. كيف يكون عمرو مثلا هو العابس والمتولي أي المتصرف بغير لياقة وفي نفس الوقت يعاتب الله تعالى النبي ولم يصدر منه عبوس ولا تولي.

الرسول المأمور بالبلاغ والتصدى للناس لدعوتهم الى دين الله .

هذا صحيح ولكن ألم يكن للرسول تلاميذ يرسلهم للبلاغ كذلك أم لا؟ إنني أرى وجود فردين اثنين هنا وليس ثلاثة وهما: أحد المسلمين من تلاميذ النبي الأكرم و الأعمى. الآيات ـ كما أرها ـ تخبر بالآتي: أحد تلامذة الرسول كان يأخذ على عاتقه دعوة أحد أو بعض غير المسلمين من أهل الغنى “من استغنى” والثروة ربما أملا في تمويل الدعوة وفي نفس الوقت كان يؤم بابه أحد الفقراء الجهلاء من صادقي القلوب وكان ذلك الداعية يقبل على الأول ويضجر من الآخر فنزل القرآن ليوجهه وليبين له خطأه. أما رسول الله فهو المتلقي للوحي ولكنه غير المخاطب هنا لسبب عقلي وهو موهبة الرسول التكليفية ولسبب نقلي هو عدم الإشارة إليه في الآيات لا من قريب ولا من بعيد.

القرآن واضح في خطابه

حينما يكون هناك “لوم” أو “توجيه” للنبي الأكرم فإن القرآن يصرح بذلك مباشرة من خلال ضمير المخاطب المقترن بصفة رسول أو نبي أو ما يدل على شخص المخاطب مثل:

(1) (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (التحريم : 1)

(2) (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) (المائدة : 67)

(3) (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا. مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا) (الأحزاب : 37 – 38)

أما حينما يكون هناك لوم أو وعيد لأحد الأحياء من غير النبي يعمي القرآن اسمه ولا يذكر صفته:

(1) (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا. أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا. كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا. وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا) (مريم : 77 – 80)

(2) (وَقَالُواْ يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ. لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (الحجر : 6 – 7)

(3) (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ…) (المجادلة : 3)

وهكذا يخفي الكتاب إسم المعني بالأمر ـ مسلما كان أم كافرا ـ في حالات التوجيه أو النصح أو اللوم أو الوعيد. أما التوجيهات للنبي الأكرم فيصرح القرآن بصفته فيها. فهل صرح الكتاب بصفة النبي الأكرم في الآيات محل البحث؟


وسانطلق في معارضتي مستندا الى دليلين اولهما عقلي وهو ان المخاطب دائما – كفرد – في السياق القراني هو الرسول ولم يخاطب احدا غيره كمفرد وان توجه الخطاب الى جموع المؤمنين كما في : يا ايها الذين امنوا…..

من الناحية العقلية الرسول هو المتلقي للبلاغ ولكن هل هو المعني به دائما في خطاباته؟ إذا كانت ثمة قرينة عقلية أو نقلية تصرف تنزيل واقعة ما على الرسول فلماذا الإصرار معها على أنه المعني هنا؟ هل الرسول الكريم هو المتلقي لقوله تعالى

(يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) (البقرة : 40)

أم لا؟ ستجيب بنعم بالتأكيد وهذا صحيح. لكن هل هو “المَعْنِيُّ” به؟ بالطبع لا. لماذا؟ لوجود قرينة لفظية هي “يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ”. الخطاب عنا يتوجه ويعني بني إسرائيل. وكذلك الآية محل الذكر هناك قرينة تصرف الخطاب عن توجهها للنبي الأكرم وهي قوله تعالى

(وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم : 4)

والذي يتنافى مع “العبوس” و “التولى” عن المستضعفين لعلة مادية أو معنوية كعمى في البصر أو نقص في العلم.

اما الدليل الثاني فنقلي
لاحظ ان الله تعالى عندما اشتد ايذاء احد ائمة الكفر توجه الى الرسول مخاطبا – لاحظ ان الخطاب موجه الى الرسول –
في : ذرني ومن خلقت وحيدا ……من هذا المنطلق فانا افهم الخطاب القراني في : عبس وتولى …..

لم يقل الله تعالى (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا) (المدثر : 11) إلا بعد أن قال في مطلع السورة (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنذِرْ) (المدثر : 1 – 2) فهل عيَّنَ مطلع سورة “عبس” صفة النبي الأكرم كما عيَّنَه مطلع سورة المدثر حتى يصح القياس؟

اريد ان اطرح هنا سؤالا لغويا لماذا بدات الايات بصيغة المجهول في :عبس وتولى ….ثم تحول الى صيغة المخاطب في: ومايدريك …. ?? ولم تات مثلا : وما يدريه??!!

هناك أسلوب في القرآن يعرف بإسلوب الإلتفات مثل قوله تعالى:

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ…) (الطلاق : 1)

فالآية الشريفة بدأت بخطاب للنبي الأكرم من خلال قوله تعالى “يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ” ثم التفت السياق بعدها مباشرة لحكمة بلاغية وموضوعية لخطاب المؤمنين من خلال قوله تعالى “إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ…” وهو إلتفات من الخاص إلى العام. من أجل الوقوف على حكمة الإلتفات البلاغية والموضوعية أنصح بالكتاب التالي: حسن طبل (1998): أسلوب الإلتفات في البلاغة القرآنية. دار الفكر العربي. القاهرة.

فيما يتعلق بالإجابة المباشره على سؤالك الكريم أقول أن هذا الإلتفات ربما يؤكد وجهة نظري: يبدأ الخطاب بصيفة الغائب ـ وليس المجهول ـ فيقول عبس (هو) وتولى (هو) فمن يكون (هو)؟ الفاعل هنا غائب لحكمة الدعوى وكما يقال “نصيحة السر نصيحة ونصيحة العلن فضيحة” فرفقا بذلك العابس ورحمة به وتأليفا لقلبه لا يذكر الله اسمه ولا يخاطبه مباشرة. ولذلك كان رسول الله في خطبه يكني فيقول مثلا “ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا” فلا يعين أسمائهم وذلك من سمو الأخلاق ورفعتها. بعد أن وصلت الرسالة المتوارية بضمير الغائب إلى احبها كانت “صدمة” الخطاب قد تم التمهيد لها فالتفت الأسلوب هنا إليه بضمير المخاطب مع الإستمرار في تعمية الإسم لأن الغرض هو التأديب وليس الفضح. الإلتفات هنا يحسن إن كان بين طرفيه علاقة ما كالخاص والعام أو العكس أو غير ذلك من صور العلاقة. أما الإلتفات من حالة “الكافر” إلى حالة “المؤمن” ـ على الفرض الذي يقول بأن العابس كان كافرا ـ فهو إلتفات مضطرب. ولذلك يصح هنا إلتفات بين متماثلين هما مؤمن ومؤمن سواء كان المعني هنا هو أحد تلاميذ النبي الأكرم أو النبي الأكرم ذاته وهو ما استبعده تماما.

لى تعليق بسيط وخاصة فى ضمير الرفع المنفصل المخاطب وهو انت فى الاية (فأنت عنه تلهى) يأتى لما هو معلوم سابقا للمتلقى والسامع وايضا مثيله وهو ضمير النصب المتصل كاف المخاطب فى الاية (وما يدريك لعله يزكى) وهو ياتى لما هو معلوم سابقاللمتلقى والسامع واذا كان على قول سيادتكم انه خاص بالرجل الذى يدعو الناس الى الاسلام وليس النبى عليه السلام فقد جاء سابقا فى عبس وتولى ضمير غائب غير معلوم لأحد سواء متلقى وهو النبى عليه السلام او مستمع وهو بقية الناس الى يوم القيامة فكيف نوفق بين رؤيتك وتلك المفاهيم السابقة حول ضمائر المخاطب

حينما بدئ الوحي بقوله تعالى (عبس و تولى …) كان في “تغييب” الفاعل لفتا لإنتباه الجميع لأن كل فرد سيسأل نفسه: من المقصود يا ترى وبذلك يتحقق الغرض البلاغي وهو “إثارة” إهتمام جميع السامعين. على العكس من ذلك هب أن الآية بدأت هكذا “عبست وتوليت …” فلن يكون فيها ذلك الإهتمام لأن الناس حينئذ يفكرون أن الخطاب ربما يخص النبي الأكرم. بعد أن أدى ضمير المفرد الغائب دوره انتقل السياق للشخص المعني مباشرة لتوجيه اللوم إليه بإستخدام ضمير المفرد المخاطب. سيعلم هو نفسه أنه المعني بالأمر وسيعلم غيره أن “هوية” الشخص المعني هنا غير مهمة وإنما المهم هو “الإعتبار” الذي تم التوجيه إليه بذلك المطلع العام للسورة.

حجب اسم من عبس وتولى لكونه احد الصحابة فلا اراه تكريما لاحظ ان القرآن حجب اسم العتل الزنيم

كلامك صحيح وأنا لم أقل تكريما وإنما قلت رحمة ورأفة أي أن الله لا يفضح عبده المؤمن لإيمانه و عبده الكافر لتأليف قلبه وإنما يفضح فقط من مات على الكفر كأبي لهب وامرأة نوح وامرأة لوط وآزر وفرعون وهمان وقارون وأمثالهم.

ارجو منك ان تزودني بحالة اخرى توجه فيها الخطاب القرآني مباشرة لشخص اخر غير النبي ( اتكلم هنا عن الخطاب بالمفرد ، فنعم قد توجه الخطاب الجمعي للذين آمنوا ولبني اسرائيل وغيرهم )

أعتقد أنه لا يوجد مما سئلت عنه سوى قوله تعالى:

(يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) (الإنفطار : 6)

(يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ) (الإنشقاق : 6)

وإن كان الخطاب هنا للمفرد ولكن المقصود “جنس” الإنسان أي الجنس البشري وليس إنسانا بعينه. هب أنه لا يوجد سواها فنحن أمام إحتمالين: الخطاب يقصد الرسول / النبي أو الخطاب يقصد شخصا آخرا. حين تتبع الخطاب الموجه في القرآن للرسول / النبي نجده يخاطبه بأحد صفاته إلا في موضعنا هذا مما يرجح الإحتمال الآخر وإن لم يتكرر مثله إنطلاقا من قاعدة ” إستصحاب السوابق” أي أننا لو استصحبنا طرق مخاطبة النبي الأخرى لوجدناها لا تخلو من وصف له. مخالفة تلك القاعدة هنا يضعف من إحتمالية مقصودية الرسول بهذا الخطاب ويقوي الإحتمال الآخر.

تحياتي

الحسيني

Published in: on أغسطس 18, 2007 at 9:38 ص  Comments (1)  

The URI to TrackBack this entry is: https://alhousseiny.wordpress.com/2007/08/18/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%8f%d8%ac%d9%8e%d9%84%d9%91%d9%8e%d9%89-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b4%d9%81-%d8%b9%d9%85%d9%91%d9%8e%d9%86%d9%92-%d8%b9%d8%a8%d8%b3-%d9%88%d8%aa%d9%88%d9%84%d9%91%d9%8e/trackback/

RSS feed for comments on this post.

One Commentأضف تعليقاً

  1. […] المُجَلَّى في الكشف عمَّنْ عبس وتولَّى […]


أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: