محاورة حول مسألة خلق القرآن

(1) ما معني خلق القرآن؟

الأشاعرة والسلفية وغيرهم يقولون بأن القرآن كلام الله ـ وهكذا تقول المعتزلة كذلك ـ ولكن بينما ينظر الأشاعرة وغيرهم الى كلام الله على أساس أنه صفة ذات لله، تنظر المعتزلة لكلام الله على أنه صفة فعل لله أي أن الله خلق كلاما أي أحدثه. وحيث أن الأشاعرة وغيرهم يقولون عن صفات الله بأنها معاني قديمة قامت لله أزلا فهم يقولون بقدم القرآن وأزليته. يوحنا الدمشقي النصراني ألزم الأشاعرة بقدم المسيح وأزليته بما أنه كلمة الله ألقاها إلى مريم والكلمة قديمة في زعم هؤلاء الأشاعرة، بينما خرج المعتزلة من كل هذا لأنهم يقولون بحدوث الكلمة لا بقدمها.

(2) من هو أحمد بن دؤاد؟

كان أحمد بن أبي دؤاد من المعتزلة البغداديين وتم تعيينه كوزير للمعتصم بناءا على توصية من المأمون ويحيى بن أكثم الحنبلي وزير المأمون في ذلك الوقت.

(3) وهل هو الذى قال بخلق القرآن؟

القول بخلق القرآن سابق على وجود ابن أبي دؤاد فالقرآن الكريم ينسب الخلق لغير الله، فيقول عز وجل:

(إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (العنكبوت : 17)

المشكلة أن الناس تستخدم كلمة (خالق) و (فاطر) و (بارئ) كأنها مترادفات وما هي بمترادفات، فالخلق لا يلزم أن يكون من العدم المطلق بل قد يكون تحويرا لمادة أولية كما في الآية السابقة حيث صنعوا من الأحجار والأخشاب تماثيل فسمي هذا العمل بالخلق ووصف هنا بأنه إفك لأنه يدعو إلى باطل.

(4) وهل حبس الإمام أحمد بن حنبل لرفضه القول بخلق القرآن وذلك فى عهد الخليفة المأمون؟

[1] من الثابت تاريخيا وقوع تعذيب لأحمد بن حنبل، لا يماري في هذا انسان منصف، وان كانت هناك بعض المبالغات في وصف ما ذاقه من ألوان عذاب.

[2] من الثابت تاريخيا كذلك أنه لم يكن الوحيد الذي عذب وانما عذب معه آخرون. لقد طالت المحنة الكثير من أهل الحديث، وبعض الفقهاء، وعم المأمون أبراهيم بن محمد المهدي، وقتل بسبب المحنة أحمد بن نصر الخزاعي ومات محمد بن نوح أثناء حمله وأحمد إلى المأمون ، ومات في السجن كل من نعيم بن حماد وأبي مسهر الدمشقي.

[3] بدأت المحنة في عصر المأمون، والمأمون كان من أهل الجبر ولم يكن معتزليا بأي حال من الأحوال، ولم تذكره المعتزلة في طبقاتها، فلماذا يحسبه البعض على المعتزلة والمعتزلة منه بريئة؟ وكان قاضيه يحيى بن أكثم الذي لم يكن معتزليا، بل كان حنبليا، وردت ترجمته في طبقات الحنابلة ترجمة رقم (539). وبناءا على ذلك يتضح بجلاء أن الذي أشعل فتيل تلك المحنة لم يكن المعتزلة.

[4] وصلت المحنة الى ذروتها في عهد المعتصم ثم ـ بصورة أقل ـ في عهد الواثق، وكلاهما من حكام الجبر العباسي ولا تعدهم المعتزلة ضمن طبقاتها، فما بال الآخرين يعدونهم من المعتزلة؟ أملكيون هم أكثر من الملك أم هي نقص المعرفة بحقائق التاريخ؟

[5] أحمد بن أبي دؤاد وزير المعتصم والواثق وان كان معتزليا، الا أن اسـتلامه الوزارة جاء بناءا على رأي قاضي المأمون يحيى بن أكثم السني الحنبلي.

[6] لا أحد يسوغ الظلم أبدا ـ الا الظالم نفسه ـ ولذا يستنكر المنصفون ما حدث ابان المحنة بدءا من اشعال فتيلها في عهد الخليفة المأمون وانتهاءا بتعذيب من تم تعذيبه من فقهاء ومحدثين وغيرهم في عهد الخليفة المعتصم ـ الذي يتباهى به الجمهور بصفته فاتح عمورية ـ ثم عهد الخليفة الواثق.

[7] الذي يتحمل المسؤلية الكاملة عن تلك الأحداث هم خلفاء بني العباس الثلاثة: المأمون والمعتصم والواثق، وكلهم ـ كما ذكرت ـ من أهل الجبر ولم يكونوا من أهل العدل. أما المعتزلي الوحيد المشارك في تلك الفتنة ـ ابن أبي دؤاد ـ لا يقره المعتزلة على فعله، ولذا تغيب أسماء رواد المعتزلة الكبار عن الذكر في هذا السياق مثل: ثمامة بن الأشرس، أبو الهذيل العلاف، أبو اسحاق النظام، الجاحظ وغيرهم ولم يرد من أسماء المعتزلة غير أحمد بن أبي دؤاد ، بحكم كونه قاضي الدولة آنذاك.

(5) وما رأى المعتزلة المعاصرة في هذه القضية؟

نحاول أن نتجنب لفظ مخلوق ـ مع سلامته وقناعتنا به لكونه لفظ قرآني ـ حتى لا يحدث بلبلة عند العوام ونستخدم مفهوم آخر وهو محدث فنصف القرآن بأنه محدث ـ عكس قديم ـ ومحدثه هو الله، وهذا المفهوم مستوحى من قول الله تعالى:

(مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ) (الأنبياء : 2)

(وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ) (الشعراء : 5)

حيث يدور السياق حول القرآن ووصف أثناءه بأنه (ذكر) و (محدث) بينما لم يوصف في الكتاب كله أبدا بأنه (قديم) ولا (أزلي) وكل من له إلمام بلسان العرب يعلم أن (محدث) عكس (قديم). فنفضل مفهوم (محدث) عند الحديث عن (الذكر) أي القرآن بدلا من مفهوم (مخلوق) مع سلامة المفهوم الأخير كذلك حيث أنه إذا لم يكن القرآن مخلوقا فهل هو الخالق؟ أم أن هناك صفة ثالثة بين المخلوق والخالق؟

تحياتي وسلامي

الحسيني

Published in: on أغسطس 18, 2007 at 8:31 ص  Comments (1)  

The URI to TrackBack this entry is: https://alhousseiny.wordpress.com/2007/08/18/%d9%85%d8%ad%d8%a7%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%ad%d9%88%d9%84-%d9%85%d8%b3%d8%a3%d9%84%d8%a9-%d8%ae%d9%84%d9%82-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86/trackback/

RSS feed for comments on this post.

One Commentأضف تعليقاً

  1. السلام عليكم

    ما هو مآلات وتبعات عدم القول بأن القرآن مُحدث؟

    وأشكر لك هدوئك وأمانتك في هذه المقالة


أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: