نبوة مريم إبنة عمران

 

سؤال

هل تعتبر السيدة مريم إبنة عمران نبية أم مجرد والدة نبي هو عيسى ابنها عليه السلام؟

الجواب

ظاهر القرآن أنها نَبِيَّةٌ فقد ألحقها بقافلة الأنبياء وقد أُوحِيَ إليها كما أُوحِيَ إلى النبيين وقد رأت من مخلوقات الله تعالى ما لا يراه سوى النبيين.

يقول الحق سبحانه وتعالى:

(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاء وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ. وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ. وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ. إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ. قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ. قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ. قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ. قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ. وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ. فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ. قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ. قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ. قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ. قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ. قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ. فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ. ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاء يَنطِقُونَ. قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ. أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ. قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ. قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ. وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ. وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ. وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ. وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ. وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ. وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ. وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ. وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ. وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ. فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ. وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ. وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ. وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ. وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ. وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ. وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ. وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ. فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ. وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ. فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ. وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ) (الأنبياء : 48 – 91)

ويقول الحق سبحانه وتعالى:

(وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ. يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ. ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ. إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) (آل عمران : 42 – 45)

(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا. فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا. قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا. قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا) (مريم : 16 – 19)


مداخلة: الوحي لم يختص بالانبياء فقط اوحى الله الى ام موسى ان ترضعه وانه – سبحانه – راده اليها واوحى عز وجل الى النحل…

كلام صحيح. يقول الله تعالى:

(وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) (القصص : 7)

(وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ) (النحل : 68)

مداخلة: وهنا مبحث عن اخر عن ماهية الوحي وكيفيته واعتقد ان الوحي مرتبط – حكما – في مخيلتنا بالوحي الالهي لانبياءه في حين ان مفهوم الوحي اوسع واشمل من معشر الانبياء

أصل الوحي هو “الإعلام في خفاء”. يقول الشاعر:

نَظَرَتْ اليَّ نظرة فتحيَّرَت ***** دقائقُ فكري في بديع صفاتها

فأوْحَى اليها الطرفُ أني أحبها ***** فأثَّرَ ذاك الوحيُ في وجناتها

وهذا المفهوم هو نفسه مفهوم الوحي لأم موسى مثلا أي تم إعلامها في خفاء ـ إلهام ـ بأن تفعل ما دلت عليه الآية السابقة. وكذلك الأمر بالنسبة للنحل.

مداخلة: اما عن رؤيتها ما لم يبصره غير الانبياء فقد راى السامري ايضا ما لم يبصره الناس

فيما يتعلق بالسامري يقول الحق سبحانه وتعالى:

(قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ. قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي) (طه : 95 – 96)

ليس فيما ذكره السامري ما يدل على أنه “رأى” ملائكة. وهل ينزل الله الملائكة على الضُلاَّل؟ إن فعل “بصر” في القرآن يفيد عكس المعنى الذي يفيده فعل “عمي”، فإذا كان الأخير يفيد “الستر” فإن الآخر يفيد “الجلو” وكلاهما قد يرتبط بالعين أو بالعقل فهذا أعمى البصر والآخر أعمى البصيرة وكذلك فإن العالم مبصر بينما الجاهل غير مبصر، ولذلك يقول الله تعالى:

(قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ) (الأنعام : 104)

فالإبصار والعمى هنا لا يرتبطان بالحواس الفيزيائية ولكنهما يرتبطان بالإدراك والقبول العقليين. ولذا فعندما يقول السامري أنه “بصر” بما لم “يبصروا” به نفهم أن ذلك الرجل كان من علماء الفيزياء في ذلك الوقت وأنه علم ما لم يعلمه الآخرون فقبض قبضة من أثر “الرسول” أي موسى عليه السلام ثم صنع عجلا جسدا له خوار أي له صوت فيزيائي ناتج ربما عن الصدى. بمعنى أنه أخذ حفنة ذهبية من الآثار الذهبية التي حملوها من زينة القوم فصنع منها ذلك العجل الذهبي ذا الصدى الصوتي Echo وهكذا سولت له نفسه الآثمة. كان عالما ولا شك في الكونيات وهو ما لم يتأتى لغيره. أما مريم عليها السلام فلم تبصر الملائكة فقط وإنما رأتهم أيضا رؤية مادية بعد أن تمثلوا في صورة بشرية قابلة للإدراك الحسي.

عودة لنبوة مريم عليها السلام

هناك دليلان على كون مريم عليها السلام نبية من أنبياء الله وهما:

الدليل الأول
إلحاقها بأنبياء من أنبياء الله وهم مُوسَى وَهَارُونَ وإِبْرَاهِيمَ و إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ ولُوطً ونُوح وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَو الْكِفْلِ وذو النُّونِ وَزَكَرِيَّا ويَحْيَى وعيسى بقوله تعالى “وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا…”. فلو لم تكن من الأنبياء لما ألحقها الله تعالى بهم. وقد جاء ذكرها متقدما على ذكر ابنها عليه السلام لأن نبوتها ـ تاريخيا ـ كانت متقدمة على نبوته.

الدليل الثاني
إرسال الله تعالى لرسول من عنده “الروح الأمين” وهو رسول الله تعالى لجميع النبيين وهو ما لم يتحقق لأم موسى مثلا. يقول الله تعالى:

(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا. فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا. قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا. قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا) (مريم : 16 – 19)

وجدير بالذكر هنا أن نفرق بين “الوحي” و إرسال رسول “الروح”. يبين الله تعالى طرق كلامه للبشر بقوله جل وعلا:

(وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ) (الشورى : 51)

ومن الملاحظ هنا ذكر “الوحي” منفصلا عن “ارسال رسول” . كلام الله تعالى لمريم عليها السلام لم يكن مجرد “وحي” كما حدث مثلا مع أم موسى عليهما السلام أو النحل بل كان عن طريق إرسال رسول وهو “الروح” وهو ما لا يحدث إلا مع أنبياء الله دون سواهم من الصالحين.


سؤال

أيهما أفضل وفق الأدلة الشرعية: مريم إبنة عمران أم فاطمة إبنة محمد مع أخذ رواية ( يا فاطمة: ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة )
(البخاري / مسلم) في الإعتبار.

الجواب

ثبت لدينا بالدليل الشرعي أن مريم عليها السلام كانت نبية ولم تكن مجرد أم نبي هو عيسى عليه السلام أما فاطمة عليها السلام فثبت أنها كانت إبنة نبي هو محمد عليه الصلاة والسلام ولكنها لم تكن نبية. هذا وقد جعل الله تعالى مريم ـ وابنها ـ آية للعالمين بينما لم يجعل فاطمة عليها السلام آية للعالمين . يقول الله تعالى:

(وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ) (الأنبياء : 91)

وبناء على ذلك تثبت أفضلية السيدة مريم على السيدة فاطمة عليهما السلام لأن أنبياء الله هم أفضل ممن سواهم من الصالحين. أما رواية ( يا فاطمة: ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة ) (البخاري / مسلم) فهي مقيدة بقيدين الأول من القرآن والثاني من الحديث.

أولا: القرآن
يقول الله تعالى في الكتاب الحكيم:

(وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ) (آل عمران : 42)

ولفظ العالمين هنا لفظ مطلق ولا توجد قرينة لتقييده بعصر معين كعصرها عليها السلام ومن ثم فهو ينسحب على “جميع” العصور من لدن حواء وحتى قيام الساعة.

ثانيا: الحديث
ورد تقييد الحديث السابق أعلاه من خلال أحاديث أخرى ـ إضافة للتقييد الرئيسي وهو التقييد القرآني ـ من خلال الروايات الآتية:

(أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم … أني سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم ابنة عمران) ( صحيح / الترمذي)

(سيدة نساء أهل الجنة بعد مريم بنت عمران فاطمة وخديجة وآسية امرأة فرعون) (صحيح / ابن عبد البر)

(سيدة نساء العالمين مريم ثم فاطمة ثم خديجة ثم آسية) (حسن / ابن حجر العسقلاني)


مداخلة: اما عن نبوة السيدة مريم فقد لاحظت ان الله تعالى ما ذكر نبي من انبيائه الا الحقه به كما في : واذكر في الكتاب عبدنا ايوب ….. بينما لم يلحق السيدة مريم بهذا اللقب بل ذكرها مجردة في: واذكر في الكتاب مريم فماذا ترى في ذلك ?!

ليس دائما فالله تعالى قال كذلك:

(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولا نَّبِيًّا) (مريم : 54)

فذكر اسم اسماعيل مباشرة دون كلمة “عبدنا” علما بأنه لم يكن نبيا فقط كأيوب عليه السلام وإنما كان رسولا نبيا صلى الله عليه وسلم. أما مع مريم عليها السلام فيكفيها شرفا وسم الله تعالى لها بقوله:

(وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ) (الأنبياء : 91)

ملحوظة أخيرة وهي تتعلق بالتعبير الذي ذكرته ـ سهوا بلا شك ـ وهو (اذكر “في الكتاب” عبدنا ايوب) حيث لم يرد في القرآن بهذه الصورة وإنما ورد بصورة (اذكر عبدنا ايوب) بدون شبه الجملة “في الكتاب”. يقول الله تعالى:

(وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ) (ص : 41)

مداخلة: اعتبارك احصان السيدة مريم لفرجها شرف استحقت عليه الاصطفاء على نساء العالمين. هل السيدة مريم وحدها من تفعل ذلك ؟ اليست اغلبية نساء الارض كذلك الا قلة منحرفة عن الفطرة ؟

نعم كلامك صحيح ولا شك ولكن المقصود هنا ليس مجرد إحصان الفرج فملايين النساء المحترمات الطاهرات يحصن فروجهن بلا شك ولكن المقصود هو “ما وراء” العبارة من “اتهام” لمريم بالإنحراف ولنقرأ معا مثلا قول الله تعالى:

(فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا. يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) (مريم : 27 – 28)

وهكذا يكون التعبير القرآني (والتي أحصنت فرجها) ردا على هؤلاء الذين عرضوا ببغائها. الأمر الثاني هو عدم إنفصال (الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا) عن قوله تعالى (فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا) وقوله تعالى (وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ) فهذه مقاطع ثلاثة غير منفصلة: إذا تحقق المقطع الأول عند ملايين النساء فإن المقاطع الثلاثة جميعها لم تتحقق إلا عند تلك النبية العظيمة صلوات الله وسلامه عليها. وهذا ما قصدته بالشرف الذي لا يدانيه شرف و لذلك ذكرت الآية هنا كاملة وليس مجرد مقطع منها كما أفعل أحيانا مع الترميز لإتصال السياق بالنقاط الثلاث المتتالية.

مداخلة: لا اعتقد ان ذكر الاحصان هنا فقط للرد على المدعين بهتانا وزورا

إذا أخذنا بعد السبي البابلي في الإعتبار وبافتراض صحته تاريخيا ولا سيما طقس العشتاريات فلربما حينئذ يكون ما تفضلت به من تعليق أعلاه صحيحا.

مداخلة: وبعد العودة العبرية الى اورشليم وبناء الهيكل الثاني اصبح نذر مافي بطون اليهوديات عادة

السؤال هنا هو: ماذا كان موقف أنبياء بني اسرائيل مثل زكرياء عليه السلام من تلك العادة المبتدعة؟ ألم يكن لهم تأثير في تغييرها؟ أسارع قبلك بالإجابة بنعم ولكن كلنا يعلم كيف تعامل بنو إسرائيل مع أنبيائهم!!!

مداخلة: أرجو أن يوضع تعريف النبوة قد لا يُشكل المعنى على القارئ، فهناك فرق بين النبوة والرسالة، وقد نفى سبحانه الرسالة عن مريم في ثلاث مواضع…

إضافة لملاحظة حضرتك ورد إلي كذلك نقد موضوعي بناء يلتقي في مجمله مع ما تفضلت به. بداية أتوجه لكما بعميق الشكر على تلك الملاحظات التي سوف آخذها في الإعتبار عند تحرير موضوع متكامل عن السيدة مريم عليها السلام إذ ما قمت بطرحه في هذا الشريط يمثل إجابة على قدر سؤال ورد إلي ولا يمثل موضوعا متكاملا عن شخصية البتول عليها السلام. ملاحظاتكما بالإضافة للمعلومات الهامة التي قدمها الأخ العزيز عن عشتار ستكون من علامات طريقي عند تقديم الموضوع متكاملا وعسى أن يكون ذلك قريبا إن شاء الله. حتى ذلك الوقت أود إضافة رد على قضية النبوة والرسالة فأقول أن ظاهر الآيات يوحي بأنها عليها السلام لم تكن من الرسل وإنما كانت من الأنبياء. عند تحريري للموضوع سأعمق هذه النقطة بمشيئة الله.


مما لا شك فيه وجود إختلاف ذي دلالات معنوية بين “النبي” و “الرسول” وإذا اعتمدنا القول السائد ـ جدلا ـ بأن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولا فإن مريم عليها السلام من الأنبياء وليست من المرسلين. تلقيت رسالة بها كتاب كريم فيه ملاحظات هامة جدا منها ضرورة الإنتباه للفارق بين لفظ “انبياء” أو “الأنبياء” ـ ورد في القرآن في خمسة مواضع ـ ولفظ “النبيون” أو “النبيين” ـ وردا في القرآن في ستة عشر موضعا ـ حيث ورد إلحاق مريم عليها السلام ـ ضمنا ـ بالأنبياء في سورة تحمل إسم “الأنبياء” وليس “النبيون” فلماذا؟ لعل ذلك يؤيد ما أراه في نبوة مريم عليها السلام: لو كان اسم السورة هو “النبيون” فلربما ظن البعض أن ذلك اللفظ يشمل الذكور فقط ولا تدخله الإناث لكن لفظ “الأنبياء” وهو ليس جمعا سالما لا للمذكر ولا للمؤنث بل هو جمع تكسير قد يشمل المذكر والمؤنث أي أن مريم عليها السلام لم تكن من النبيين ولكنها كانت من الأنبياء.

مداخلة: أطلب اثبات اكثر وقطعى على نبوة السيدة مريم

هل كان مثلا “أيوب” عليه السلام نبيا؟ كيف نعرف ذلك؟ هل ورد ذلك صراحة؟ لقد ورد اسم “أيوب” عليه السلام في أربعة مواضع غير مقترن في أي منها بلفظ “نبي” فكيف نصفه بأنه نبي؟ الجواب: من خلال السياق ومن خلال دلالات الألفاظ. يقول الله تعالى:

(إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا) (النساء : 163)

حيث ورد إسم “أيوب” في سياق يحتوي على أسماء بعض من ثبتت نبوتهم تصريحا في آيات أخرى. إضافة إلى دلالة كلمة “أوحينا” وإن كانت عامة للأنبياء وغيرهم كوحي الله تعالى لأم موسى عليه السلام. بالمثل فإن

(1) مجيئ إسم مريم عليها السلام في سياق يحتوي على أسماء الأنبياء

(2) إضافة لإرسال الروح إليها

(3) وكلام الملائكة معها

(4) وجعلها آية للعالمين وابنها

يدل كل هذا على نبوتها عليها السلام. إذا لم يجد المرء توصيفا صريحا بخصوص معين فعليه استنتاج ذلك التوصيف من خلال التدبر الترتيلي لآيات القرآن وتجميع الدلائل الشاهدة على صحة ذلك التوصيف.

تحياتي والسلام

الحسيني

Published in: on أغسطس 19, 2007 at 4:18 م  Comments (1)  

The URI to TrackBack this entry is: https://alhousseiny.wordpress.com/2007/08/19/%d9%86%d8%a8%d9%88%d8%a9-%d9%85%d8%b1%d9%8a%d9%85-%d8%a5%d8%a8%d9%86%d8%a9-%d8%b9%d9%85%d8%b1%d8%a7%d9%86/trackback/

RSS feed for comments on this post.

One Commentأضف تعليقاً


أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: