حول فقه طرق الإستهلال

الإخوة الأعزاء

سلام الله عليكم

وكل عام وحضراتكم بخير

إنني أحترم كثيرا كل إنسان وكل كيان له منهج واضح يسير عليه حتى ولو كنت أختلف مع ذلك المنهج جزئيا أو كليا، لكن لابد من وجود المنهج، فهل تأخذ الدول الإسلامية بمنهج محدد تسير عليه؟ هناك دول إسلامية تأخذ بمبدأ الميوعة والهلامية فتجدها تسير طول العام القمري وفق خطة معينة ثم تتنصل منها في شهر ذي الحجة إن جاءت نتائجها مخالفة للنتائج الرسمية التي تعلنها الدولة المسيطرة على تنظيم مناسك الحج فهل يمكن أن نحترم تلك الدول ذات الميوعة المنهجية؟ على الناحية الأخرى نجد دولا تعتمد طريقة الإبصار سواء بالعين المجردة أو بالوسائل البصرية المقربة وتضرب بالحساب الذي نص عليه الكتاب المبين عرض الحائط ومن ثم فقد تعلن أحيانا نتائج تخالف نتائج الحساب فهل يمكن أن نسمي فعلها هذا منهجا؟

إن إختلاف المسلمين بشأن تحديد أوائل الشهور القمرية هو نتيجة طبيعية لغياب المناهج والفلسفة العلمية التي تحكم قراراتهم بهذا الشأن ولنأخذ مثلا لذلك:

شهر رمضان لسنة 1428 هـ / 2007 م

يحدث الإقتران المركزي يوم الثلاثاء المصادف 11 سبتمبر 2007 ميلادية نحو الساعة 12:44 بالتوقيت العالمي. إزاء تلك الجملة الخبرية سنجد الإحتمالات الآتية لسلوك المسلمين:(1) قد يبدأ بعض المسلمين صوم رمضان يوم الإثنين 10 سبتمبر إن كانوا قد أخطأوا بتحديد أول شعبان مثلا في يوم 12 أغسطس. إن حدث ووقع ذلك الإحتمال فيكون شهر شعبان عندهم قد بلغ 29 يوما تماما بدءا من 12 أغسطس وانتهاءا بـ 9 سبتمبر وهذا أمر غير مستبعد الوقوع على الأقل من الناحية النظرية.(2) وقد يبدأ بعض المسلمين صوم رمضان يوم الثلاثاء المصادف 11 سبتمبر لأنه مثلا يوم الإقتران، فيصبحون مفطرين ثم يتمون صوم بقية اليوم بدءا من لحظة حدوث الإقتران، وربما يستندون في هذه الحالة على ما روي عن بعض السلف من أقوال لتكييف تلك الحالة وتأييد ذلك الإحتمال.

(3) وقد يبدأ بعض المسلمين صوم رمضان يوم الأربعاء المصادف 12 سبتمبر باعتباره اليوم التالي ليوم الإقتران، فالاقتران يحدث يوم الثلاثاء قبيل غروب الشمس ومن ثم يصبح يوم الأربعاء هو أول أيام الشهر الجديد (شهر رمضان).

(4) وقد يبدأ بعض المسلمين صوم رمضان يوم الخميس المصادف 13 سبتمبر باعتبار امكان رؤية الهلال.

وهكذا نجد أن إحتمالات وقوع ذلك الحدث الهام ـ تعيين الفاتح من رمضان ـ ستكون مقصورة على هذه الإحتمالات الأربعة على الأقل ولذلك يجب أن ندرس أوجه المنهجية في تلك الإحتمالات:

[i] فيما يتعلق بالإحتمال الأول فهو غير مقبول على الإطلاق إذ ما بني على خطأ فهو خطأ ومنهجية القرار في تلك الحالة منعدمة تماما.

[ii] الإحتمال الثاني ربما يكون مقبولا علميا ـ على الأقل ـ وشرعيا ـ من باب الحيطة ـ وإن كان يبدو غريبا شيئا ما وغير معتاد وغير مألوف. أود الآن التعريج على تكيفين فقهيين لتلك الحالة “المشكلة”: أول التكيفين يستند على الإنطلاق من “الحساب” الذي حث الكتاب المبين عليه، فبما أن الإقتران سوف يحدث حسابيا يوم الثلاثاء المصادف 11 سبتمبر 2007 على الساعة 12:44 زوالا وفق التوقيت العالمي فمعنى ذلك أن الشهر القمري الجديد “شهر رمضان” يبدأ من تلك اللحظة فعلا ومن ثم يصبح جزء من نهار ذلك اليوم تابعا للشهر القمري الجديد. في هذه الحالة لا يعنينا كثيرا ما قاله بعض الأسلاف من إلحاق ذلك النهار بالشهر القديم باعتبار بداية الشهر تتحدد ـ وفق ما ظنوه شرعا ـ بعد غروب الشمس حيث أن كثيرا منهم لم يهتم بأصل الحساب وإنما كان اهتمامهم منصبا على الإبصار أو إتمام العدة فقط. ثاني التكيفين يستند على على ما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه ـ إن سلمت الرواية من الجرح ـ حيث قال: “حدثنا حاتم بن إسماعيل عن عبد الرحمن بن حرملة أن الناس رأوا هلال الفطر حين زاغت الشمس فأفطر بعضهم فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب فقال: رآه الناس في زمن عثمان فأفطر بعضهم فقال عثمان أما أنا فمتم صيامي إلى الليل…” فلم ينكر عثمان رضوان الله على من أفطر. التكيفان هنا يدخلان في باب “الإحتياط” على أساس صوم جزء من اليوم بعد بدء الشهر القمري الجديد أسلم وأحوط وإن كان كثيرا من الفقهاء يقول بعكس ذلك. أحترم رأي السادة الفقهاء إلا أن الأحوط قد يبدو أولى بالإتباع عند من يأخذ بهذا الإحتمال الثاني.

[iii] الإحتمال الثالث هو المتفق تماما مع الحسابات العلمية والجانب الشرعي المنطلق من المفاهيم القرآنية التي تدعو لاستخدام الحساب. علاوة على ذلك يسمح حدوث الإقتران في اليوم السابق قبل الغروب بدخول الفجر الجديد والمسلمون مفطرين. المسألة هنا فقهية بحتة لكون دخول الشهر القمري الجديد قد بدأ فعلا بلا نزاع في هذا. المسألة الفقهية محسومة في تقديري ـ مع احترام المخالفين ـ بحسم القرآن لها من خلال الإشارات المتعددة للفعل “ح / س / ب” ومشتقاته كالآي الكريمات التالية:

(هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (يونس : 10)(وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً) (الإسراء : 12)(الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ) (الرحمن : 5)

هذا الحساب ـ والذي أكد القرآن على أهميته ـ قادنا لتوقيت حدوث الإقتران وهو ـ كما تعرفين ـ يوم الثلاثاء الأبيض الموافق 11 سبتمبر 2007 على الساعة 12:44 زوالا أي قبل غروب شمس ذلك اليوم بعدة ساعات مما يعني أن يوم الأربعاء الموافق 12 سبتمبر هو أول أيام شهر رمضان المبارك أعاده الله بالخير على الأسرة المسلمة الواحدة إن شاء الله. الذين يميلون لهذا الرأي ـ ومنهم كاتب هذه السطور العبد الفقير إلى الله ـ لا يهتمون كثيرا بـ “شروط” الرؤية ولا يولونها كثيرا من الأهمية لاجتياز سقفنا المعرفي تلك الوسيلة التبسيطية وللنهل من صريح الذكر الحكيم مع عظيم إحترامي للمخالفين الأجلاء.

[iv] أما الإحتمال الرابع فيستند على أثر مروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إن صحت نسبته إليه فمحمول على الخطاب وفق السقف المعرفي للمخاطبين ـ بفتح الطاء ـ فالسقف المعرفي لمسلمي عصر النبوة لم يكن يسمح بوسيلة لتعيين فواتح الشهور سوى الإبصار البسيط فخاطبهم الرسول وفق قدراتهم ومن ثم فهو خطاب “خاص” يرتبط بسقف معرفي نسبي أما الخطاب العام فهو ما جاء في القرآن من ضرورة الإعتماد على قواعد حساب الديناميكا السماوية. من وجهة نظر أصحاب أو أنصار تلك الحالة الرابعة فإنهم يتبعون منهجا وسطا بين الحساب والرؤية ومن ثم فهو ـ عندهم ـ ربما يكون أفضل المناهج، وأنا شخصيا كنت أقول بهذا الرأي حتى فترة قصيرة إلى أن اقتنعت تماما بالرأي الثالث المشار اليه في النقطة السابقة. لا أشكك في صدق نوايا ومبلغ علم أنصار هذا الإتجاه فهم أساتذتي كالبروفسور يوسف القرضاوي وغيره من العلماء الأجلاء. إن السادة والسيدات أنصار هذا الإتجاه لديهم منهجهم وهم بالتأكيد فخورون به ولكني على يقين أن صدورهم تتسع لاختلافي الأخوي معهم في منهجهم.

في نهاية هذه الخاطرة أذكركم بقول منسوب لعبقري أتباع رسول الله تعالى ونبي الهدى المبين محمد الأمين صلوات الله عليه وآله وهو الإمام على بن أبي طالب أمير المؤمنين عليه السلام حيث قال: “لأن أصوم يوما ويكون من شعبان لهو خير من أن أفطر يوما ويكون من رمضان”.

وكل عام وحضراتكم بخير

والحمد لله رب العالمين

الحسيني

Published in: on أغسطس 21, 2007 at 4:31 م  اكتب تعليقُا  

The URI to TrackBack this entry is: https://alhousseiny.wordpress.com/2007/08/21/%d8%ad%d9%88%d9%84-%d8%b7%d8%b1%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d8%aa%d9%87%d9%84%d8%a7%d9%84/trackback/

RSS feed for comments on this post.

أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: