خاطرة حول “الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ”

وردت كلمة (الجوار) – بكسر الراء – في الكتاب في ثلاثة مواضع هي:

(1) (وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ) (الشورى : 32)

(2) (وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ) (الرحمن : 24)

(3) (فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ. الْجَوَارِ الْكُنَّسِ) (التكوير : 15 – 16)

لفظ (جوار) هو اسم فاعل الجري في حالة الجمع وليس الإفراد، وقد وردت (جرى) في الكتاب في مواضع عديدة منها قوله تعالى:

(وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) (يس : 38)

من الآيات المتقدمة نلاحظ ما يلي:

[1] تم من خلال الآيتين (1) و (2) تشبيه الجواري “في البحر” بالأعلام من خلال حرف الكاف وهو من حروف التشبيه. أما الأعلام فهي الجبال الضخمة التي جعلها الله تعالى علامات تظهر من بعيد فتم تشبيه الجوار في البحر بها لضخامتها. أما البحر فظاهر الآية الأولى يدل على أنه البحر المائي وليس بحرا فضائيا مثلا حيث تقول الآية (وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ. إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ. أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ) (الشورى : 32 – 34) فعبارات مثل (يُسْكِنِ الرِّيحَ) و (فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ) و (عَلَى ظَهْرِهِ) و (يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا) – أي يغرق الجوار بما كسب أصحابها ـ تدل على البحر المعروف كالبحر المتوسط أو المحيط أو أي مسطح مائي صالح للإبحار. وعلى هذا يكون المقصود بالجوار: الفلك التي تمخر عباب البحار فيشف الأفق من خلفها عالم يختفي رويدا كأنه بخار. يعزز هذا المعنى ـ أن الجوار هنا إشارة للفلك ـ قوله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ …) (البقرة : 164) وقوله تعالى (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) (يونس : 22).

[2] الآية الرابعة تم من خلالها استخدام فعل “تجري” والفاعل ضمير مستتر في محل رفع تقديره “هي” يعود على “الشمس”. أي أن لسان القرآن يستخدم فعل “جرى / يجري / جريا / جار وجوار” للإشارة إلى سباحة الأجرام السماوية في بحار الأفلاك والمدارات الكونية.

[3] لعل المعنى السابق هو المقصود في الآية رقم (3) أي جري أجرام السماء في أفلاكها فتكون “الجوار الكنس” هي الأجرام التي تجري لتكنس الأجرام الأخرى. أقرب ما نعرفه من أجرام من ذلك النوع وفق سقفنا العلمي المعاصر هي الثقوب السوداء.

الخلاصة
كلمة “جوار” مشتقة من فعل “جرى / يجري” والذي يدل على “الحركة” في سرعة وانسياب سواء تم في الأرض أو في السماء كجري السفينة مخترقة صفحة ماء البحر وكجري الشمس في مدارها السماوي الكوني.

والسلام

الحسيني

Published in: on أغسطس 21, 2007 at 5:38 م  Comments (1)  

The URI to TrackBack this entry is: https://alhousseiny.wordpress.com/2007/08/21/%d8%ae%d8%a7%d8%b7%d8%b1%d8%a9-%d8%ad%d9%88%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%92%d8%ac%d9%8e%d9%88%d9%8e%d8%a7%d8%b1%d9%90-%d9%81%d9%90%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%92%d8%a8%d9%8e%d8%ad%d9%92%d8%b1%d9%90-%d9%83%d9%8e/trackback/

RSS feed for comments on this post.

One Commentأضف تعليقاً

  1. […] خاطرة حول “الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ” […]


أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: