في ذم التقليد

التقليد أم الإتباع؟
التقليد والقلادة والمقاليد وغير ذلك من الكلمات التي تحتوي على مادة (ق / ل / د) تعود جميعها لأصل واحد هو أن تجعل مسؤلية ما في عنق ما فتقول قلدته أمري أي جعلته مسؤلا عني. تقليد الأسلاف يدخل في هذا الباب أي أن تجعل الأسلاف مسؤلين عنك في كل شيئ. من هذا المنطلق أقول أن مفهوم تقليد الأسلاف مستحيل إذ كيف يتولى الميت مسؤلية الحي؟ عقلا يستحيل ذلك واللسان العربي يحيله كذلك. فما هو المفهوم البديل؟ إنه الإتباع أو الإنقياد، ويصح فيهما ما صح في التقليد إذ كيف يتبع حي ميتا وكيف ينقاد إليه؟ مستحيل كذلك. من هذا الباب نرى استحالة وقوع التقليد أو الإتباع أو الإنقياد من حي لميت، يستحيل ذلك عقلا ويستحيل لسانا، ولكن المقلدة لا عقول لديهم.

الكتاب يذم المقلدين
آيات الكتاب الحكيم تذخر بالذم الشديد للمقلدة الذين يأتيهم الحق فلا يعملون عقولهم فيه ولكنهم يقلدون الآباء والأسلاف ويتبعونهم، وفي هذا يقول الحق جل وعلا:

[1] (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ) (البقرة : 170)

[2] (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ) (المائدة : 104)

[3] (قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاء فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ) (يونس : 78)

[4] (قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) (الشعراء : 74)

[5] (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ) (لقمان : 21)

[6] (وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ) (الزخرف : 23)

وغير ذلك من آيات ذم التقليد والنهي عنه.

من هو المقلد؟
المقلد هو كل انسان يضع مسؤليته في عنق انسان آخر حي أم ميت، ولكن جرى العرف أن يضع المقلد قلادته في عنق الميت، صالحا كان أم طالحا، مجتهدا كان أم مقلدا بدوره وهكذا. فالمقلد اذا هو انسان اختصه البارئ جل وعلا بالعقل إلا أنه أبى أن يعمله، وأبى إلا أن يعطي لعقله عطلة مفتوحة الأجل فأصبح مثله ومثل اخوانه من المقلدة (… كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا…) ( الجمعة : 5). إذ منحه الله تعالى آية من آياته وهي آية “العقل” فأبى أن يستخدمها وعطلها.

آثار العلماء اجتهاد أم وحي؟
العالم هو المشتغل بالعلم فكل انسان يشتغل بصناعة العلم فهو عالم. السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل آثار العلماء الفكرية وحي من الله لا يقبل المناقشة أم هي إجتهادات بشرية؟ من قال أنها وحي فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم إذ يزعم ـ القائل ـ بوجود وحي بعد رسول الله، ومن قال أنها اجتهادات بشرية يسئل مرة أخرى: هل الإجتهادات البشرية معصومة أم أنها غير معصومة؟ فمن زعم أنها معصومة فقد كفر كذلك بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ومن قال هي غير معصومة قيل له فلم تنتفخ أوداجك إذا أثبت التراكم المعرفي عبر الزمن أو غير ذلك من الإثباتات خطأ اجتهاد بشري ما غير معصوم؟

العلماء بين الإحترام والتوقير
لفظ (احترام) مشتق من (حرم) والحرمات معدودة ومعروفة، ولما لم يكن العلماء أنبياءا ولا مرسلين فلا حرمة لهم، إذ الحرمة تكون للأنبياء والمرسلين ولحدود الله ولبيته الشريف ولقرآنه المنيف وهكذا أما العلماء فلا حرمة لهم ولكن توقير وهو التعبير الذي نسب لرسول الله أنه قاله (ليس منا من لم يوقر الكبير ويرحم الصغير ويأمر بالمعروف وينه عن المنكر) فيما رواه ابن حجر الهيتمي وصححه الألباني. الواجب إذا ليس احترام العلماء وانما توقيرهم، ولكن أي العلماء نوقر؟

من هم العلماء الحقيقيون؟
هل المقصود توقير علماء الدين وعدم توقير علماء الدنيا؟ بالطبع لا فالعالم المشتغل بعلوم الدنيا لا يقل وقارا عن عالم الدين إن لم يفقه. أم هل المقصود هم علماء السلطان الجائر وفقهاؤه؟ إن هؤلاء العلماء المسيسين بسياسة السلطان الجائر لهم اخوة ابليس المناحيس ولا توقير لهم. أم المقصود علماء التجسيم والتشخيص الذين يرون أن لله تعالى يد حقيقية وعين حقيقية وساق حقيقية ولكن بلا كيف؟ إن هؤلاء المجسمين لمما يجب أن يعد من علماء بني اسرائيل فهم اسلافهم في التجسيم. أم المقصود علماء الجبر الذين يبرئون الشيطان ويجورون الرحمن فيقولون أن الله تعالى اجبر ابليس على معصيته ثم يحاسبه عليها؟ بالطبع لا نصيب لهؤلاء المجبرة من التوقير. إذا لم يكن أي من هؤلاء جدير بالتوقير فمن نوقر؟ إننا نوقر كل عالم من علماء الدين أو الدنيا من العلماء المؤمنين بتوحيد الله وعدله، من القائمين بالحق، الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر، المبرئين من الشرك والتجسيم والجبر والنفاق وطاعة السلطان الظالم فمن كان كذلك من العلماء فواجب توقيره.

وماذا بعد التوقير؟
بعد توقيرنا للعلماء المؤمنين العاملين ننظر في آثارهم فما وافق المنهج العقلي الإستدلالي من ناحية والكتاب من ناحية أخرى نقبله ونعمل به، وما خالفهما من آثارهم فمما لا يجوز العمل به اذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وهل هناك معصية أكبر من اتباع آثار تخالف كتاب الله الكوني وكتاب الله الشرعي؟

أكتفي بهذا القدر و تحياتي للجميع.

الحسيني

Published in: on أغسطس 21, 2007 at 4:45 م  Comments (1)  

The URI to TrackBack this entry is: https://alhousseiny.wordpress.com/2007/08/21/%d9%81%d9%8a-%d8%b0%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%82%d9%84%d9%8a%d8%af/trackback/

RSS feed for comments on this post.

One Commentأضف تعليقاً

  1. windows media player

    في ذم التقليد | مدرسة التجديد في الفكر الإعتزالي


أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: