من أذكار التوحيد و العدل: سيد الإستغفار

(اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء لك بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) (البخاري)

هذا الإستغفار الجامع من المأثورات العظيمة التي تحتوي على أصول التوحيد والعدل مما ورد من جوامع الكلم المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. يستلهم رسول الله في هذا الإستغفار الشريف روح التوحيد والعدل من خلال نظره الكوني الثاقب من ناحية وتدبره في كتاب الله من ناحية أخرى.

أولا: التوحيد
(اللهم) ألفاظ مثل اللهم / لاهم / إلهي / إله وغير ذلك تدل على الإله الواحد الأحد الخالق البارئ المصور وهو الله جل وعلا. (أنت ربي) ألفاظ مثل رب / الرب / ربي وغير ذلك تدل على صفة الربوبية في الله سبحانه وتعالى فهو الرب والمربي الذي يتولانا بالعناية والرعاية واللطف فكأن رسول الله يفتتح مناجاته قائلا: الله ربي فلا رب لي سواه وربي هو الله فلا إله لي سواه سبحانه جل شأنه وتعالى سلطانه. (لا إله إلا أنت) نفي و إثبات لتحقيق تمام التوكيد على حقيقة وحدانية الله فـ “لا” نافية للجنس أي تنفي مطلق الألوهية و “إلا” للإستثناء لحصر مطلق الألوهية في الله رب العالمين. (خلقتني وأنا عبدك) الإنسان مهما ارتفع وارتقى فهو حادث ومخلوق كسائر المخلوقات أما الخالق فهو الله فمقام الإنسان هو مقام “العبودية” لله وحده و “السيادة” على ما سوى الله تعالى. ولما كان الإنسان هو العبد المخلوق والله تعالى هو الخالق المعبود كان من تمام التوحيد أن يتوجه المخلوق بالدعاء والذكر والثناء فقط للخالق وليس لمن سواه من أمثال الإنسان في المخلوقية وهو ما فعله نبينا الأكرم بقوله في بداية مناجاته: “اللهم …”. ومن تمام التوحيد الإستعاذة بالله وحده فيقول الرسول الأكرم ” أعوذ بك…” والإستعاذة معناها الإحتياج والإلتجاء فنحن نلجأ إلى الله وحده ولا نحتاج إلا إياه منه نطلب العون وبه يكون العزم وإليه تكون العبادة ومنه تكون الرحمة والألطاف. ومن تمام التوحيد الإعتراف “أبوء لك …” فنعترف بفضله علينا ونقر أمامه بأخطائنا ونطلب منا المسامحة عليها بقلوب معلقة بين الخوف والرجاء لأننا نعلم أنه غافر الذنب وقابل التوب “فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت”.

ثانيا: العدل
قوله صلى الله عليه وآله (وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت) فيها إعتراف للعبد بالإستطاعة وأنه قادر على الفعل والترك وأن الله تعالى أمره بالطاعة بعد أن قدم الإستطاعة وفي هذا رد على أهل الجبر الذين يرون أن العبد غير مستطيع وأن أفعاله التكليفية مخلوقة فيه كخلق الأفعال الإضطرارية تماما. يكذبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يقول “استطعتُ” بالتاء المتحركة التي تدل على الفاعل وهي الضمير البارز المتصل الدال على المتكلم المفرد. أما قوله صلى الله عليه وسلم (أعوذ بك من شر ما صنعتُ) يدل كذلك أن الإنسان يصنع الشر أي سائر الذنوب وأن الذنوب ليست مخلوقة فيه كما يقول أهل الجبر بل هي مصنوعة محدثة وصانعها الإنسان وليس الرحمن. حري بالإنسان إن نسي فأخطأ فصنع إثما أن يبادر إلى التوبة والإنابة والإستعاذة. على أن ضبط شكلة التاء بالفتح أي هكذا “صنعتَ” غير ضائر قيكون المعنى المراد هو نفس المعنى في قوله تعالى (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ. مِن شَرِّ مَا خَلَقَ) (الفلق : 1 -2) أي الإستعاذة والإستجارة بالله من “شَرِّ مَا خَلَقَ” أي من الشر المضاف إلى ” ما ” خلق بمعنى الشرور المتولدة عن المخلوقات والمصنوعات فيضاف الشر في كلا الحالتين إلى ” ما ” خلق و إلى ” ما ” صنع وليس إليه هو جل شأنه وتعالى عدله. أما قوله (وأبوء لك بذنبي) فاعتراف صريح بأن الذنب جاء منه وليس من الله تعالى ومن شيم الكرام وخصال المروءة أن يبادر المخطئ بالإعتراف بذنبه بشجاعة مهما كانت النتائج بدلا من الهروب والمداراة كما يفعل المجبرة أولياءُ الشيطان وخُصماءُ الرحمن.ثالثا: ثمرة التوحيد والعدل
(ومن قالها من النهار موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة) (البخاري). أي من قال كلمة الإستغفار تلك بصدق ويقين وإيمان فمات بعدها فهو من أهل الجنة وفي هذا المقطع دليل على أن الله يقبل التوبة الصادقة والإستغفار المخلص عن عباده وثيب عليهما بالجنة مادامت تلك التوبة توقن بكلمة التوحيد والعدل وتخلو من مظاهر الشرك كالكفر والجبر والتجسيم وسائر الكبائر في القول والفعل

والحمد لله رب العالمين

وصدق رسولنا الأمين صلى الله عليه وآله والطائعين

والسلام

الحسيني

Published in: on أغسطس 21, 2007 at 4:46 م  اكتب تعليقُا  

The URI to TrackBack this entry is: https://alhousseiny.wordpress.com/2007/08/21/%d9%85%d9%86-%d8%a3%d8%b0%d9%83%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%88%d8%ad%d9%8a%d8%af-%d9%88-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%af%d9%84-%d8%b3%d9%8a%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d8%aa%d8%ba%d9%81%d8%a7%d8%b1/trackback/

RSS feed for comments on this post.

أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: