موجز تاريخ الرياضيات

الإخوة الأفاضل

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أهدي هذه السطور المتواضعة لكل المهتمين بالرياضيات عموما وبتاريخها وتطورها على وجه الخصوص. نظرا لقلة الأوقات سأكمل هذه السطور بين حين وآخر إن كان في العمر بقية وسيسرني بطبيعة الحال تفاعل المهتمين معها لإثراء الموضوعات المختلفة.

الرياضيات في العصور القديمة
عرفت الحضارات القديمة كالحضارة المصرية والصينية والبابلية والهندية الرياضيات ولا سيما الحساب والهندسة. بالرغم من ذلك اقتصر التعامل مع الرياضيات في ذلك الوقت بوصفها أداة حساب أو أداة قياس تستخدم في أغراض كثيرة كبناء المعابد والقصور وحساب الأفلاك والزمن وغير ذلك مما يطلق عليه الآن الرياضيات التطبيقية. أما الرياضيات البحتة وقضايا البرهنة الرياضية فكانت في تلك العصور ذات أهمية ثانوية. من ناحية أخرى لم تكن الفواصل المنهجية بين الرياضيات والفلسفة والدين من ناحية والرياضيات والعلوم الطبيعية والهندسية قد اكتملت. نظرا لقلة المراجع التي بين يدي حول تلك الفترة سأقف عند هذا الحد وأنتقل مباشرة للحضارة اليونانية القديمة (الإغريق).

الرياضيات في الحضارة اليونانية القديمة
الحضارة اليونانية القديمة هي أصل الحضارة الغربية الحديثة ولذلك يبرز الغربيون كثيرا أهمية تلك الحقبة بإعتبار أنها تمثل الخلفية التاريخية لواقعهم المعاصر. وإذ يهمل الشرقيون حضارتهم لدرجة أنه يندر وجود كتاب واحد متخصص في الرياضيات عند البابليين مثلا نجد أن الغرب يصدر العديد من الدراسات حول مساهمة آبائهم الأولين في القضايا العلمية. برع اليونانيون القدماء في القضايا العقلية (الرياضيات / الفلسفة) والقضايا الكونية (الفيزياء / الكيمياء / الفلك / …) وكان الأكاديمي في ذلك الوقت ملما بكل هذه الأوجه المعرفية في إطارها العام ووفق السقف المعرفي لذلك الوقت. من الأسماء الكبرى التي كانت لها مساهمات قيمة في الرياضيات كل من: طاليس Thales وبيتاجوراس “فيثاغورس” Pythagoras وأويكليد “إقليدس” Euklid وأرشميدس Archimedes وغيرهم. أقدم فيما يلي نبذة مختصرة عن كل منهم مشيرا لأهم إسهاماته في مجال الرياضيات وكذلك بقية المجالات. وسأقتصر هنا على بعض المراجع باللغة الألمانية فقط نظرا لعدم معرفتي باللغة اليونانية القديمة.

[1]
Thales von Milet 624 – 547 v. Chr

في البداية أحب أن أنوه لمسألة هامة تتعلق بعد السنين الميلادية: يبدأ عد السنين الميلادية بعد مولد المسيح بـ “1 بعد الميلاد” وهو يقابل العدد “1” رياضيا. لكن عد السنين الميلادية قبل مولد المسيح يبدأ عند المؤرخين بـ “1 قبل الميلاد” وهذا خطأ من الناحية الرياضية لكونه يسقط العدد “0” والذي يمثل سنة الميلاد ذاتها. لتوجيه التاريخ الميلادي قبل ميلاد المسيح توجيها رياضيا سليما لابد من “سحب” رقم “1” من سائر السنين وفق المعادلة التالية: سنة N قبل الميلاد = 1 – N رياضيا

مثال:

سنة 1 قبل الميلاد = سنة 0 رياضيا

سنة 2 قبل الميلاد = سنة (1 – ) “رياضيا”

سنة 624 قبل الميلاد = سنة (623 -) “رياضيا”

وهكذا ومن ثم نقول أن Thales “تترجم إلى طاليس أو تاليس أو ثاليس بالعربية” قد ولد عام (623 -) وتوفي عام (546 -) على سبيل التقريب نظرا لعدم وجود يقين قطعي بسنة مولده بالتحديد ومن ثم يكون قد عاش عدد |623 -| – |546 -| + 1 = 623 – 546 + 1 = 78 عاما مع مراعاة فارق الكسور ” الشهور والأيام”.

حياته
عاش طاليس في العصر اليوناني الهلينستي griechisch – hellenistisch وولد في دولة مدينة مليت Milet الآيونية “حاليا في تركيا” وهي مدينة ميناء كانت تمثل مركزا هاما للبحث العلمي والفلسفي. يروى عن طاليس أنه كان مندهشا وغير منظم وهما الصفتان الملازمتان لصورة الفيلسوف في مخيلة كثير من الناس. كما تروى عنه قصص أخرى مثل أنه كان يرقب السماء أثناء سيره فسقط في نافورة مياة. وحينما سئل ذات يوم: لماذا لا تتطلع أن يكون عندك أطفال؟ أجاب: “نظرا لحبي للأطفال” وغير ذلك من القصص.

تقديره
ينسب المؤرخون لطاليس فضل تأسيس المنهج العلمي القائم على تفسير الظواهر الطبيعية وفق الأسباب الطبيعية وبعيدا عن الأسباب الماورائية والخرافية ويطلقون عليه لذلك “الفيلسوف الطبيعي الأول”. أما في مجال الرياضيات فقد أخذت منحى جديدا بعد أن شهدت ولادة “البرهان الرياضي” على يديه ومن ثم أخذت الرياضيات في الإبتعاد عن كونها وسيلة قياس لتخطو أولى خطواتها في عالم البحث الرياضي البحت ومن ثم وضع النواة الأولى للرياضيات الحديثة التي تقوم على مبدأ البرهنة.

مساهماته الرياضية
من منا لا يعرف دائرة طاليس والتي تعلمناها في المدرسة ونحن صغار؟ إذا رسمنا مثلثا داخل دائرة بحيث يمثل وتره Hypotenuse في الوقت نفسه قطر الدائرة فإن ذلك المثلث يكون دائما قائم الزاوية مادامت النقطة الثالثة تقع على محيط الدائرة. ومن منا لا يعلم أن المثلث المتساوي الأضلاع تتساوى زواياه الداخلية؟ ومن منا لا يعلم أن قطر الدائرة يقسمها لنصفين متساويين تماما؟ إن فضل البرهنة على تلك النظريات الهندسية ينسب إلى طاليس أخذا في الإعتبار أن تلك النسبة ربما تكون خاطئة إذ لم يصل إلينا أي كتاب من كتب طاليس ومن ثم فإن مصدر معلوماتنا عنه هي كتابات أرسطوطاليس وبلاتون “أفلاطون” وهيرودوت فقط.

مساهماته الكونية
تنسب إلى طاليس الأعمال التالية:

– كتابان في علم الفلك

– التنبوء بخسوف عام (584 -)

– حساب قطري الشمس والقمر

– إكتشاف أن السنة الشمسية تتكون من 365 يوما

– نقل فكرة الهندسة Geometrie من مصر إلى اليونان.

ولكن يجب أن نضع صحة ما ينسب إليه موضع شك كبير فعدد أيام السنة ربما يكون قد أخذه من المصريين كما أخذ عنهم مبادئ الهندسة والقياسات وعلى هذا فهو مجرد ناقل وليس مؤصل.

أخطاء طاليس
– ظنه أن الأرض مسطحة وأنها تطفو على سطح الماء كما تطفو الجزر في البحار.

– سبب الزلازل هو حركة أمواج عالية كما تهتز السفن بفعل الموج في أعالي البحار.

– الحجر “المغناطيس” به روح لأنه يحرك الحديد

– لما كان الروح هو باعث الحركة فإن الإله ـ عنده ـ هو روح الكون وهو في كل شيئ. تمثل تلك المقولة البذرة الأولى لأبطولة وحدة الوجود.

– الماء هو المادة الأولية ليس فقط للأحياء ولكن لمادة الكون كله.

نقاش
هل الماء هو الخالق؟ أم مجرد مادة المخلوقات؟ وهل هو مادة المخلوقات كلها أم المخلوقات الحية فقط؟

إن المتابع لأبحاث العلوم الطبيعية الحديثة يعرف أن العلماء قد توصلوا إلى أن عنصر الهيدروجين H هو أول العناصر وأن منه قد تكونت سائر الموجودات. إن خلاصة تلك الأبحاث تشكل خطوة رائعة نحو القرآن الكريم، فالهيدروجين هو العنصر الغالب في الماء H2O وليس هناك ما يمنع أن اتحدت بعد ذلك ذرتان من الهيدروجين مع ذرة أكسوجين لتكون جزيء ماء وعلى هذا يعتبر الهيدروجين هو أول العناصر ولكن الماء هو أول المركبات وهو ما لا ينافي قول الله تعالى:

(… وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء …) (هود : 7)

أي: كان ملكه وسلطانه على الماء فقط باعتباره المركب الوحيد آنذاك. من خلال تلك الآية الكريمة نفهم أن الماء ـ كمركب ـ كان المخلوق الوحيد السائد وليس هناك ما يمنع أن يكون الهيدروجين ـ واسمه بالألمانية مثلا هو: مادة الماء Wasserstoff – هو أول العناصر خلقا ومنه خلق الله تعالى الماء ثم جعل من الماء كل شيء حي:

(… وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ …) (الأنبياء : 30)

وعلى هذا فليس هناك ما يمنع من قبول ظن طاليس أن الماء يشكل المادة الأولى للمخلوقات الحية. أما إن كان يقصد أن الماء نفسه هو الخالق أو السبب الإرادي للوجود فهذا ما لا يمكن قبوله عقلا ولا نقلا.

أكتفي بهذا القدر من الحديث عن Thales المليتي وإلى اللقاء مع Pythagoras يوما ما بمشيئة الله وتوفيقه.

والسلام

الحسيني

المراجع: 

 Wassermann, A. et al.: Die bedeutendsten Mathematiker. Maxi Verlag, Wiesbaden, 2007 

Stockes, P.: Philosophen. Gondrom Verlag, Bindlach, 2003 

von Ditfurth, H.: Im Anfang war der Wasserstoff. Dtv, 1997

Published in: on أغسطس 26, 2007 at 5:50 م  اكتب تعليقُا  

The URI to TrackBack this entry is: https://alhousseiny.wordpress.com/2007/08/26/%d9%85%d9%88%d8%ac%d8%b2-%d8%aa%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%ae-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%8a%d8%a7%d8%b6%d9%8a%d8%a7%d8%aa/trackback/

RSS feed for comments on this post.

أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: