حول مسألة خلق القرآن

ثلاثة أسماء غير مترادفة هي “بارئ” و”فاطر” و”خالق” يستخدمها العوام باعتبارها متطابقة في المعنى وهذا خطأ. بين هذه الكلمات الثلاث فروق دقيقة يعلمها الدارس لعلم الفيلولوجيا “فقه اللسان” ولا أريد الآن أن أتعرض لشرح تلك الفروق لكونها مبسوطة الشرح في كتب اللسانيات. إن ما يعنيني الآن هو لفت الإنتباه إلى أن الفعل الماضي الثلاثي المجرد “خلق” ليس معناه الإيجاد من العدم المطلق. الإيجاد من العدم المطلق ممكن فقط بالنسبة للبارئ عز وجل. أما الخالق فهو الموجد من مادة أولية. لذلك نسب الله تعالى فعل “خلق” للإنسان كما في قوله تعالى:

(… وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا …) (العنكبوت : 17)

فجملة “تخلقون” تتكون من فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعل مبني على السكون في محل رفع. أما “إفكا” فهو مفعول به منصوب. أي أن هناك فاعل قام بالخلق وهذا الفاعل هو “الواو” والمقصود ضمير المخاطب الجمع أي “أنتم”. أضاف الله تعالى فعل “خلق” لفاعل غيره بينما يختص سبحانه وحده بفعل “برأ” وفعل “فطر” فالله سبحانه هو البارئ والفاطر والخالق والمصور. لما كان فعل “خلق” يدل على الحدوث ـ ومقابله هو القدم ـ استخدم علماؤنا الأوائل هذه الصفة “مخلوق” لوصف كلام الله تعالى. هذا الوصف وإن كان صحيحا إلا أنه غير لائق في هذا الموضع. لذلك تستخدم المعتزلة المعاصرة وصفا آخرا أكثر لياقة وأكثر قرآنية وهو وصف “محدث” ووصف “حديث” لكونهما مفهومين قرآنيين خالصين. يقول الله تعالى:

(وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ) (الشعراء : 5)

(اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) (الزمر : 23)

لا نصف الذكر المبين إذن بوصف “مخلوق” ولكننا نصفه فقط بوصف “محدث” ومشتقاته لأن الله تعالى وصفه بهذا الوصف. هذا بالنسبة للتسمية.

هل تدخل مسألة “حدوث” القرآن في أبواب “التوحيد” فقط؟

الشائع عند من لا ينتهجون النهج الإعتزالي أن تلك المسألة تدخل فقط في أبواب التوحيد وهذا صحيح إلى حد ما. لكن الأصح هو أن مسألة “حدوث” القرآن تدخل في أبواب العدل: لماذا؟ يبحث المعتزلة في باب العدل كل ما له علاقة بأفعال الله تعالى، وكلام الله تعالى محدث ـ كما ينص القرآن على ذلك ـ ومن ثم يعتبر كلام الله تعالى فعلا من أفعال الله ولذلك نبحث هذه المسألة ـ أساسا ـ في باب العدل. أفعال الله كلها مقسطة وحكيمة ورحيمة، والقرآن كلام الله، وكلام الله فعل من أفعال الله، لذلك فإن القرآن كله حكمة ورحمة وقسط. أما كلام البشر فقد يخلو من الحكمة والإنصاف بل غالبا ما يخلو منهما.

إن القرآن الكريم هو كتاب الله المتلو والكون الكبير هو كتاب الله المنظور كلاهما “فعل” حكيم من أفعال الله يدل على عدله جل وعلا. أما لو قلنا أن القرآن غير محدث وأنه “قديم” يخرج بنا نطاق الحديث من باب “العدل” إلى باب “التوحيد” وهذه طريقة الأشاعرة وليست طريقة المعتزلة.

من هذا المنطلق ورط الأشاعرة أنفسهم مع النصارى حينما نسبوا لله تعالى ما يسمى بالصفات النفسية ـ ما تسميه الأشاعرة صفات نفسية يطلق عليه المعتزلة صفات الذات ـ فجعلوا “الكلام” من الصفات النفسية “القديمة”. بناءا على كلامهم فإن كلام الله قديم، وعيسى بن مريم عليه السلام كلمة الله، ومن ثم فهو قديم. هكذا ورط الأشاعرة أنفسهم بسبب تخبط المفاهيم لديهم أما المعتزلة فليسوا معنيين أبدا بقضية قدم عيسى من حدوثه لأن القضية محسومة عندهم منذ البداية: نحن نبحث مسألة “الكلام” ضمن إطار العدل وليس ضمن إطار التوحيد، والكلام ـ عندنا ـ صفة “فعل” وليس صفة “ذات” وأفعال الله تعالى كلها حادثة، وكلام الله فعل لله ومن ثم يصبح كلام الله حادثا، وعيسى بن مريم كلمة الله الحادثة فيوصف عيسى بالتالي بأنه حادث وليس قديما.

تحياتي

الحسيني

Published in: on أغسطس 30, 2007 at 5:21 م  اكتب تعليقُا  

The URI to TrackBack this entry is: https://alhousseiny.wordpress.com/2007/08/30/%d8%ad%d9%88%d9%84-%d9%85%d8%b3%d8%a3%d9%84%d8%a9-%d8%ae%d9%84%d9%82-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86/trackback/

RSS feed for comments on this post.

أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: