مراتب الإعتقاد وطرقه

 

مراتب الإعتقاد وطرقه
[1]

فضلت أن أكتب هذه السطور حول “مراتب الإعتقاد” في ساحة تعنى بقضايا “الإيمان” بدلا من كتابتها في ساحة تعنى بقضايا “الأصول” لكون “الإعتقاد” مرتبطا بالإيمان وأصوله بصورة واضحة. تنقسم مراتب الإعتقاد ـ في تصوري ـ لثلاث درجات تصاعدية هي:

– الظن البسيط

– الظن الغالب

– اليقين

أولا: درجة الظن البسيط

وردت مادة ( ظ / ن / ن ) في الكتاب في مواضع كثيرة مثل قول الله تعالى: (… فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (البقرة : 230). يرتبط الظن البسيط (اختصارا أقول: الظن) في الشريعة الإسلامية بقضايا الفروع كالشعائر التعبدية والمعاملات في تفاصيلها الدقيقة ولا يرتبط أبدا بقضايا الإيمان. الطريق الأشهر لنقل الشرائع “المظنونة” ظنا بسيطا هو ما يعرف بأخبار الآحاد. يقسم المشتغلون بعلوم الحديث الأخبار ـ حسب طرقها ـ الى متواترة وآحاد، ويقسمون أخبار الآحاد إلى ثلاثة أقسام ـ عادة ـ هي الغريب والعزيز والمشهور. الخبر الغريب هو ما انفرد بروايته راو واحد فقط في طبقة واحدة على الأقل من طبقات السند، فإن كان المنفرد بروايته هو الصحابي يسمى غريبا غرابة مطلقة وإن كان المنفرد هو من دون الصحابي يسمى غريبا غرابة نسبية. أما الخبر العزيز فهو ما رواه راويان اثنان في طبقة واحدة على الأقل من طبقات السند. والخبر المشهور هو ما رواه ثلاثة رواة في طبقة واحدة على الأقل من طبقات السند. إضافة لهذه الأنواع الثلاثة أضيف نوعا رابعا أسميه “المنتشر” ـ وهو غير “المستفيض” عند المحدثين ـ وأعرفه على شرطي بأنه ما رواة أكثر من ثلاثة رواة في طبقة واحدة على الأقل من طبقات السند. هذا النوع الذي أسميته “منتشرا” يسميه علماء الحديث “متواترا” وهذا خطأ منهم لأن من شروط المتواتر ألا يكون محددا بعدد معين، فإن حددنا حده الأدنى بأربعة فأكثر فقد خرج عن شرط التواتر.

الخلاصة: نصوص الآحاد أربعة أقسام هي الغريب والعزيز والمشهور والمنتشر وجميعها تفيد الظن البسيط ويعمل بها في مجال فروع العبادات والمعاملات ولا يعمل بها في مجال أصول العبادات والمعاملات.

ثانيا: درجة الظن الغالب

ربما يكون هذا الظن الغالب هو المقصود بقول الله تعالى: (وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ. الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (البقرة : 54 – 46)، ومن ثم تدل مادة ( ظ / ن / ن ) في الكتاب على نوعي الظن: الظن البسيط والظن الغالب. الظن الغالب وإن كان أعلى من الظن البسيط إلا أنه أدنى من اليقين، وإذا كانت نصوص “الآحاد” طريقا مفضيا للظن فإن “التواتر” طريق يفضي للظن الغالب ـ وليس اليقين كما يعتقد العوام ـ وإذا كان حد الآحاد “الأدنى” هو “واحد” وحده “الأقصى” غير معرف nicht definiert فإن الحدين الأدنى والأعلى للمتواتر غير معرفين، فالتواتر هو “التتابع” وهو مأخوذ من تواتر المطر أي تتابع بغزارة ولذلك فإن التواتر له شروط هي:

(1) حداه الأدنى والأقصى غير معرفين

(2) التتابع الطولي

(3) التتابع العرضي

(4) التتابع الرأسي أي: الغزارة.

هذا وقد دل القرآن على التواتر من خلال قول الله تعالى: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِّقَوْمٍ لّا يُؤْمِنُونَ) (المؤمنون : 44)، وطبيعي أن عدد “الرسل” لم يحدده القرآن لنتعلم من ذلك أحكام التواتر: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ…) (غافر : 78). هناك علاقة بين “التواتر” و “الوتر” فالمتواتر هو عبارة عن “أوتار” أي “آحاد” متتابعة تتابعا طوليا وعرضيا بغزارة غير معدودة. يعتقد العوام وكثير من الخاصة ـ للأسف الشديد ـ أن التواتر يؤدي لليقين وهذا خطأ فاحش. الصواب هو أن التواتر يؤدي إلى الظن الغالب وليس إلى اليقين. مثال: هناك خبر متواتر يقول أن رائد فضاء أمريكي يدعى نيل أرمسترونج هبط عام 1969 على سطح القمر فهل يؤدي هذا التواتر إلى اليقين بحدوث ذلك؟ إننا متيقنون من وجود “القمر” ومن وجود “أمريكان” لكن لا يمكن أن نتيقن أن “أمريكان” هبط على سطح “القمر” ولكن يغلب ذلك على ظننا فقط. إذا بحثنا في النصوص والأفعال عن المتواتر ـ بناءا على شروطه ومعاييره ـ وجدناه ـ في ديننا ـ محصورا في أولا: القرآن الكريم. ثانيا: السنن العملية كالصلاة والحج وغيرهما. أما القرآن فيدل على شيئين أولهما: فروع الإيمان، ثانيهما: أصول الشرائع. وأما السنن المتواترة فتدلنا فقط على “التطبيق العملي” للشرائع.

الخلاصة: المتواتر لا يفيد “الظن” كما أنه لا يفيد “اليقين” ولكنه يفيد شيئا وسطا بينهما هو “الظن الغالب”. المتواتر قسمان هما القرآن الكريم والسنن العملية. أما القرآن فيحتوي على “أصول” العبادات والمعاملات و”فروع” الإيمان وأما السنن العملية فتدل على ” التطبيق العملي” للعبادات والمعاملات.


[2]

الإعتقاد كلمة مشتقة من فعل “عقد” أي: ربط، فالإعتقاد هو الشيئ المعقود أو المربوط بما يدل على الثبات والمنعة، وهو درجات أدناها هو الظن بمعناه الإيجابي وأوسطها هو الظن الغالب وأعلاها هو اليقين. رأينا فيما مضى أن نصوص الآحاد بأقسامها الأربعة ـ وجميعها اصطلاحات بشرية يجوز التصرف فيها وليست مفاهيما قرآنية ثابتة ـ الغريب والعزيز والمشهور والمنتشر تفيد مجرد الظن أي الحد الأدنى من درجات الإعتقاد ولذلك يعمل بها في مجال فروع الفروع، فالتشريع ـ عبادات ومعاملات وأخلاق ـ مثلا من الفروع وهو ينقسم بدوره إلى قسمين: أصول الشريعة وفروع الشريعة، فيعمل بنصوص الآحاد في فروع الشريعة إن كانت تلك النصوص صحيحة بالشروط التي وضعها علماء التوحيد والعدل، أما أصول الشريعة فلا يعمل فيها إلا بالمتواتر. أما القرآن فهو النص المقروء الذي دل العقل على أنه من عند الله ويحتوي على أصول التشريع وفروع الإيمان، أما أصول الإيمان فلا تدرك إلا بالطرق التي سيأتي ذكرها بعد قليل بإذن الله. وأما السنة فهي القانون وهي ـ هنا ـ ما نقل عن رسول الله صلوات الله عليه بطريق التواتر من مسائل التشريع فعلا كان أم تقريرا، أمرا كان أم نهيا في الجوانب التطبيقية المختلفة. تبقى الدرجة الأعلى وهي درجة اليقين وبحثها كما يلي.

ثالثا: درجة اليقين

اليقين هو أعلى درجات الإعتقاد وأرقاها وأعظمها شأنا وهو الصفة التي تتطلبها أصول الإيمان، إذ الإيمان أصول وفروع، فأصول الإيمان ينبغي أن تكون مبنية على اليقين بأحد طريقيه التي سنتحدث عنها بتوفيق الله. إذا كان “الظن” هو ثمرة نصوص “الآحاد”، و “الظن الغالب” هو ثمرة “المتواتر” فإن اليقين هو ثمرة “العلوم الضرورية” أو “الإستدلال العقلي”. أقدم فيما يلي كلمة موجزة عن العلوم الضرورية ـ والفرق بينها وبين العلوم النظرية ـ من ناحية والإستدلال العقلي من ناحية أخرى.

[1] العلوم الضرورية
تنقسم العلوم / المعارف إلى قسمين العلوم الضرورية والعلوم النظرية. أما العلوم الضرورية فهي العلوم التي لا يختلف بشأنها إثنان فأكثر من العقلاء كالعلم بالموجدات علما حسيا مبنيا على وسائل الإدراك المادي من سمع وبصر ولمس وشم وتذوق كالعلم بوجود الشمس والقمر والليل والنهار، فلا يختلف أحد من العقلاء ـ من أصحاب الأديان أو من الملحدين ـ على أن هناك إنسان وحيوان ونبات وجماد على سبيل المثال. والعلوم الضرورية تنقسم بدورها إلى قسمين: الضروري الكوني والضروري العقلي. أما الضروري الكوني كالعلم باختلاف الليل والنهار وبأن الأسد حيوان بري بينما الحوت حيوان مائي وهكذا. أما الضروري العقلي فهو أقسام منها ما يلي:

(1) العلم بالنفس وأحوالها من حيث الشبع والجوع، الصحة والسقم وهكذا.

(2) العلم بالمشاهد وتمييزه: هذا فلان، وذاك فلان.

(3) العلم بالبديهيات: العشرة أكبر من الخمسة والواحد أقل من الإثنين وهكذا.

(4) العلم بالإحصاء الدائر أو القسمة الدائر مثل إحصاء احتمالات الممكن: زيد إما في الدار وإما في مكان آخر، إما حيا وإما ميتا وهكذا.

(5) العلم بالخبرة والتجربة: الزجاج ينكسر، والبنزين يشتعل.

(6) العلم بتعلق الفعل بفاعله كأن يعلم أن كل فعل له فاعل.

(7) العلم بالأمور الجليلة قريبة العهد كأن يعلم ماذا أكل وشرب ولبس ورأى بالأمس مثلا.

(8) العلم بمقاصد الخطاب وتمييزه فإن أمره أحد بالجلوس مثلا فلا يفهم عكس ذلك.

(9) العلم بحسن الحسن وقبح القبيح وأن يميز بينهما كالعلم بحسن العدل وقبح الظلم.

وهكذا تؤدي العلوم الضرورية ـ كونية كانت أم عقلية ـ إلى درجة اليقين بينما تؤدي العلوم الأخرى ـ انظر النقطة التالية ـ إلى الظن بقسميه: البسيط والغالب. العلوم الضرورية يتساوى العقلاء في إدراكها أيا كان توجههم الديني أو الثقافي بينما العلوم الغير ضرورية ـ مهما كانت دقتها ـ لا يتساوى الناس في إدراكها إلا بالنظر والتحصيل والتفكر ولذلك تسمى علوما نظرية – النظر ليس البصر وليس الرؤية – فالنظر هو إعمال العقل في المنظور لتحصيله في وقت محدد أو غير محدد، ولذلك يختلف البشر في تحصيل العلوم النظرية بإختلاف قدراتهم الذهنية والعصبية والنفسية والبيئية والشخصية وغير ذلك. إن كان العقلاء جميعا متساويين في التمييز بين الشمس والقمر والنمر والعصفور فهم غير متساويين مثلا في التمييز بين الدالة الأسية والدالة اللوغاريتمية في مجال علم الرياضيات ولا التمييز بين مساهمات ماكس بلانك ومساهمات فيرنر هايزنبرج في الميكانيكا الكمية في مجال علم الفيزياء، ولكن فقط الذين حصلوا هذين العلمين هم القادرين على إدراك ذلك وتمييزه. قد تؤدي العلوم النظرية لليقين بناءا على مناهج الإستدلال العقلي السليم ولكنه يبقى يقينا جزئيا أي عند أصحابه فقط وذلك على عكس العلوم الضرورية التي تحدث يقينا راسخا لدى العقلاء.

[2] الإستدلال العقلي
العقل هو الربط وله عناصر هي: المربوط والمربوط به والرابط. إن انطلقنا من الكون المشاهد لنبحث ظاهرة “المذنبات” كمذنب هالي على سبيل المثال فإننا نريد أن نربط تلك الظاهرة الكونية بمسببها أو محدثها ويكون عندنا منهجا ربطيا معتمدا من رياضيات وفيزياء وغير ذلك فإننا نسمي ذلك المنهج الكلي بالمنهج الإستدلالي. الإستدلال مشتق من الدليل والدليل هو الإثبات والبرهنة لفرضية ما فالإستدلال إذا عبارة عن إقامة الدليل على فرضية ما. إذا تركنا مجال العلوم الطبيعية وانتقلنا إلى مجال العلوم الإلهية Theologie فإننا نضع الفرضية الآتية: “هناك إله موجد لهذه الموجودات التي ندركها بالضرورة” ونحاول ـ كمؤمنين ـ إقامة الدليل على “صحة” تلك الفرضية، كما يحاول الماديون مثلا إقامة الدليل على “خطأ” تلك الفرضية وهذا المنهج هو المنهج الإستدلالي. إذا أخذنا مثالا لبحثنا فليكن مثلا الربط بين قضيتين هما “الله” و”الموجودات” والعلاقة ـ الإفتراضية ـ بينهما هي كون الله “بارئ” الموجودات أي: خالقها من العدم. أما “الموجودات” فعلمنا بها ضروري كما علمنا ولكننا لا نعلم بوجود الله بالضرورة وإلا لتساوى جميع العقلاء في ذلك كما تساووا في إدراك الموجودات ضرورة. الله ليس مادة حسية خاضعة للرصد “الضروري” وإلا لأدركه المؤمن والملحد بنفس درجة إدراكهما الشمس مثلا. ولما كان الله “بائنا” عن الكائنات المادية ـ أي مختلفا عنها ـ فإدراكه لن يتم “ضرورة” وإنما “إستدلالا” باستخدام مناهج الإستلال المختلفة من “عقل” أو “كتاب” أو “رسول”. إلا أن الفارق بين “الضروري” و”الإستلالي” يظل قائما كون أن الإدراك الضروري يفيد اليقين الكلي بينما يفيد الإدراك الإستدلالي اليقين الجزئي.

الخلاصة

[1] درجات الإعتقاد ثلاثة وهي ـ وفق الترتيب التصاعدي ـ كالتالي: الظن / الظن الغالب / اليقين. ولما كان اليقين ينقسم إلي قسمين كلي وجزئي فيمكننا إعادة ترتيب درجات الإعتقاد ـ تصاعديا كذلك ـ وفق سلم رباعي الدرجات هو: الظن / الظن الغالب / اليقين الجزئي / اليقين الكلي. كما أنه يمكننا كذلك إعادة ترتيب درجات الإعتقاد ـ تصاعديا ـ وفق سلم خماسي الدرجات هو:

– الظن

– الظن الغالب الجزئي

– الظن الغالب الكلي

– اليقين الجزئي

– اليقين الكلي.

الإختلاف التبويبي هو اختلاف يسير لزيادة الإيضاح ولإحداث نوع من “الإتصالية” Stetigkeit المعروف في علم الرياضيات وبالتحديد في نظرية الدوال المتصلة والمنفصلة. من ناحية أخرى يظل الباب مفتوحا لتغيير أسماء أو مصطلحات البحث وإن كان استخدام المفردات القرآنية مثل مادة “ظن” أو مادة “أيقن” يبقى الإستخدام الأفضل. أما المصطلحات البشرية مثل “جزئي” و”كلي” فتهدف للإيضاح والتدقيق في التمييز بين المفاهيم.

[2] كما أن “درجات” الإعتقاد ـ وفق تصوري المقترح ـ خمسة، فإن “الطرق” المفضية لتلك الدرجات هي أيضا خمسة وبيانها ـ تصاعديا كذلك ـ كالتالي: نصوص الآحاد / السنة المتواترة العملية / نص الكتاب / الإستدلال العقلي / العلوم الضرورية.

[3] العلوم الضرورية ـ بقسميها الكوني والعقلي ـ تؤدي إلى اليقين. ولما كان كل العقلاء متساويين في تحصيل تلك العلوم الضرورية وما تثمر عنه من يقين لذلك أطلقت على ثمرته تلك اسم “اليقين الكلي”.

[4] الإستدلال العقلي ـ والعلوم النظرية ـ قد يؤدي إلى اليقين كذلك. ونظرا لكون جميع العقلاء غير متساويين في تحصيله لذلك أطلقت عليه مسمى “اليقين الجزئي” أي أن فقط جزءا من العقلاء هو المحصل لذلك اليقين وليس كلهم.

[5] القرآن الكريم هو القسم الأول و الأهم من قسمي المتواتر وهو ـ من الناحية الدلالية وليس من الناحية الثبوتية ـ يؤدي إلى درجة “الظن الغالب الكلي” وقد أطلقت على درجة “الظن الكلي” ذلك الإسم لأنه يتعلق بـ “فروع الإيمان” كما يتعلق علاوة على ذلك بـ “أصول التشريع” تعلقا نظريا.

[6] السنة المتواترة تؤدي إلى درجة “الظن الغالب الجزئي” وقد سميته بذلك الإسم لأنه يتعلق فقط بـ “أصول التشريع” تعلقا عمليا بينما لا يتعلق بـأي من “فروع الإعتقاد” بله أصوله وفق رؤيتي لمنهج التوحيد والعدل المعاصر.

[7] النصوص التي وردت بطريق الآحاد تؤدي فقط للظن البسيط المتعلق بفروع التشريع.


[3]
متن منهاج العباد في مراتب الإعتقاد

الإخوة الأعزاء أهل التوحيد والعدل: يطيب لي أن أصنف هذا المتن المتواضع مما كتبته أعلاه بعد الإختصار وإعادة الصياغة آملا نيل ثوابه من الله تعالى. قد أقوم يوما ما إن شاء الله بشرح هذا المتن في نفس الشريط والله ولي التوفيق.

إعلم ـ زادك الله في هدايته ـ أن لفظ “إعتقاد” ومشتقاته كالعقيدة والمعتقد والعقد يدل على معاني الربط والوثاق والإحكام ويستعمل عادة مع مفهوم “الإيمان”. ينقسم الإعتقاد إلى قسمين: الإعتقاد “اليقيني” والإعتقاد “الظني”. أما الإعتقاد اليقيني فهوالوثاق الفكري المحكم بأعلى درجاته وهو ينقسم بدوره إلى قسمين: القسم الأول هو اليقين الحسي المتولد عن العلم الضروري بواسطة الحواس كوجود الموت، وجود الليل والنهار، وجود البحار والأنهار، وجود الجماد والحيوان والثمار، تعدد أجناس البشر، … إلخ. القسم الثاني هو اليقين العقلي المتولد عن العلم النظري بواسطة العقل كاستحالة إجتماع النقيضين، فردية الواحد والثلاثة والخمسة، زوجية الإثنين والأربعة والستة، وجود الأعداد الأولية كالإثنين والثلاثة والخمسة والسبعة والحادي عشر، …. إلخ. وبرغم إختلاف اليقين الحسي واليقين العقلي في وسائل التحصيل حيث يحصل الأول بالحواس والثاني بالعقل إلا أنهما في النهاية يقودان لنفس درجة اليقين، فلا فرق عند العقلاء بين اليقين بوجود الشمس واليقين بوجود الأعداد الأولية. اليقين الحسي واليقين العقلي هما في نهاية الأمر في مرتبة واحدة.

وأما الإعتقاد الظني فهوالوثاق الفكري المحكم بدرجة أقل من الإعتقاد اليقيني ينقسم كذلك إلى قسمين: القسم الأول هو الظن الغالب المتولد عن الخبر المتواتر، والخبر المتواتر هو الخبر الذي يحقق شروطا خمسة هي: التتابع الرأسي، التتابع الأفقي، التتابع المكثف، التتابع المكاني، التتابع الزماني. مثال الخبر المتواتر هو نزول الإنسان إلى سطح القمر، وجود الإسكندر المقدوني، خلافة عثمان بن عفان رحمه الله، … إلخ. لا يؤدي التواتر أبدا إلى اليقين ولكنه يؤدي فقط إلى الظن الغالب بحدوث الشيئ المخبر عنه. القسم الثاني هو الظن المجرد المتولد عن خبر الواحد الذي لا يكذب كاللأخبار التي يخبرك بها من تأنس فيهم الصدق التام. برغم أنك تأنس فيهم الصدق التام إلا أن خبرهم يؤدي بك إلى الظن المجرد لاحتمال التوهم أو الخطأ أو الغفلة أو غير ذلك، فالأب مثلا يصدق مع ابنه ـ أو هكذا يجب أن يفعل ـ إلا أن الأب قد يتوهم أو يخطئ في خبره برغم صدقه.

هناك إذن أربعة أقسام للإعتقاد تشغل ثلاث مراتب مختلفة: [1] الإعتقاد اليقيني الحسي ويتولد عن العلم الضروري بالحواس / الإعتقاد اليقيني العقلي ويتولد عن العلم النظري بالعقل. [2] الإعتقاد الظني الغالب ويتولد عن الخبر المتواتر. [3] الإعتقاد الظني المجرد ويتولد عن خبر الواحد الصادق.

حول الإلهيات

إننا نؤمن بالله سبحانه ولله الفضل والمنة أي نؤمن بوجوده الحقيقي ونؤمن بأسماءه الحسنى ففي أي مرتبة يجب أن يكون إعتقادنا ذاك؟ إن إعتقادنا في الله سبحانه ينبغي أن يكون في مرتبة الإعتقاد اليقيني بطبيعة الحال ولكن أي قسمي اليقين نعني؟ اليقين الحسي أم اليقين العقلي؟ لما كان الله تعالى لا يدرك بالحواس ـ إلا عند طوائف المجسمة من مشركين ويهود ومسيحيين وكرامية وحنابلة وصوفية حيث يقتضي كلامهم أن إلههم يدرك حسا ـ فإن اعتقادنا بوجوده سبحانه يتولد ـ أي اعتقادنا ـ عن النظر العقلي في الكون لذلك فإن اعتقادنا به سبحانه هو اعتقاد يقيني عقلي لا حسي. ماذا عن القرآن؟ ما هو نوع اعتقادنا بكونه كتاب الله؟ يجرم كثير من المسلمين في حق القرآن حينما يزعمون أن القرآن ثبت بالتواتر. لو صح ثبوت القرآن بالتواتر لكان اعتقادنا به اعتقادا ظنيا غالبا لأن الظن الغالب هو ثمرة التواتر. أما أهل التوحيد والعدل ـ لا سيما مدرستنا التجديدية ـ فيعتقدون بأن القرآن كتاب الله اعتمادا على الإستدلال العقلي وليس على التواتر. إننا نعتقد بأن القرآن كتاب الله اعتقادا يقينيا عقليا وليس اعتقادا ظنيا غالبا فأرجو الإنتباه.

حول النبوات

إننا نعتقد كذلك بأن محمدا بن عبد الله هو رسول الله اعتقادا يقينيا عقليا، اعتقادا متولدا عن العلم النظري بواسطة العقل وليس لتواتر أنه نبي ـ لقد وقع شيخنا قاضي القضاة رحمه الله في هذا الفخ ـ لأن التواتر لا يقيد اليقين أبدا. إننا – أهل القرن الخامس عشر الهجري مثلا ـ لم نشهد الرسول عليه السلام شهادة حسية ـ باستثناء بعض المخرفين من الصوفية ـ كما أن معاصريه لم يشهدوا أبدا حقيقة اتصاله بالوحي وإن رأوا بعض علاماته لذلك فلا اعتقادهم ولا اعتقادنا ينبني على اليقين الحسي أبدا ولكن اليقين العقلي. اليقين الحسي الوحيد في هذا السياق يقع في حالتين فقط. الحالة الأولى: يقين الرسول ذاته يقينا حسيا بوجود عالم الملكوت لاتصاله به اتصالا حسيا. الحالة الثانية: يقين معاصري الرسول بالآيات الحسية التي زعمها كتاب السيرة. تلك الآيات الحسية ـ وإن لم يقم دليل عقلي على رفضها ـ لا تدخل بالنسبة لنا – أهل العصور التالية – في باب اليقين ولكن في باب الظن بقسميه إلا الآيات الحسية التي تثبت في القرآن ـ إذا أهملنا الخلاف التأويلي بشأنها ـ كالإسراء أو المعراج أو انشقاق القمر فتدخل تلك في باب اليقين العقلي عند من لم يشهدها حسيا كما المؤمنين في عصور ما بعد النبوة مثلا.


منهج التوحيد والعدل المعاصر

منهج التوحيد والعدل المعاصر ـ في ضوء ما تقدم من حديث حول درجات الإعتقاد ـ يرتكز على بابين رئيسيين أولهما: مدخلات المنهج أي ما يرتكز عليه من حجج وأدلة وأدوات أو مناهج فرعية، ثانيهما: مخرجات المنهج أي ما يتمخض عنه من نتائج. ويمكن تلخيص ذلك كله من خلال رؤوس الأقلام التالية:

أولا: مُدْخَلات منهج التوحيد والعدل المعاصر

يقصد بمدخلات المنهج Inputs الحجج أو المعالم الأساسية التي يستخدمها المنهج ويقوم بتشغيلها للحصول على النتائج المرجوة وهذه المدخلات أو المعطيات تمثل “الأصول” الأساسية للمنهج وبدونها لا يمكن له أن يعمل وهي ـ بالترتيب التنازلي هذه المرة ـ كالتالي:

(1) المعلومات الضرورية الكونية [وهي أدلة أصول الإيمان وثمرتها اليقين الكلي]

(2) المعلومات الضرورية العقلية [وهي أدلة أصول الإيمان وثمرتها اليقين الكلي كذلك]

(3) الإستدلالات العقلية [وهي أدلة أصول الإيمان وثمرتها اليقين الجزئي وليس الكلي]

(4) الكتاب [وهو دليل فروع الإيمان من ناحية وأصول التشريع النظري من ناحية أخرى وثمرته الظن الغالب الكلي]

(5) السنة العملية المتواترة [وهي دليل أصول التشريع العملي فقط وثمرتها الظن الغالب الجزئي]

(6) أحاديث الآحاد الصحيحة [وهي دليل فروع التشريع العملي وثمرتها مجرد الظن]

ثانيا: مُخْرَجَات منهج التوحيد والعدل المعاصر

يقصد بمخرجات المنهج Outputs النتائج والأحكام التي يقوم عليها المنهج وهي تتكون مما اصطلح على تسميته في الماضي بالأصول الخمسة إضافة لأصل سادس والملخص السردي لهذه النتائج هو كالتالي:

[1] العدل: وهو تنزيه الله عن إحداث أفعال العباد الإختيارية / التكليفية ووصفه بصفات الكمال المطلق.

[2] التوحيد: وهو تنزيه الله عن الجسمية والمثلية والتعدد والإنقسام والتركب والتأقنم والحلول والإتحاد والتحيز وتنزيهه عن أن يوصف بأنه محل للحوادث.

[3] المنزلة بين المنزلتين: أي أن هناك منزلة ثالثة بين منزلتي الإيمان والكفر وهي منزلة الفسق وتطلق على كل مرتكب لكبيرة. فكل مسلم مرتكب لكبيرة لا يسمى مؤمنا ولا يسمى كافرا وإنما يسمى في الدنيا مسلما فاسقا أو مسلما عاصيا.

[4] صدق الوعد والوعيد: وعد الله المؤمنين بدخول الجنة خالدين فيها والله صادق في وعده وتوعد الله غير المؤمنين بدخول النار خالدين فيها والله صادق في وعيده. ولكون المسلم الفاسق ليس من المؤمنين لذلك فهو غير مشمول بالوعد ولكن بالوعيد مالم يتب قبل موته توبة صادقة.

[5] وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا سيما في الأمور التي لا يصح نهوض المجتمع إلا بها.

[6] لا إكراه في الدين فلا يجوز إجبار إنسان لإعتناق أي دين أو الخروج منه ولكن يجوز مجرد الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة.

وبذلك نصل لختام رؤيتنا الإجمالية حول مراتب الإعتقاد وتنزيلها على مبادئ ونتائج منهجنا في التوحيد والعدل بتوفيق الله

والسلام

الحسيني

Published in: on ديسمبر 9, 2007 at 1:47 م  اكتب تعليقُا  

The URI to TrackBack this entry is: https://alhousseiny.wordpress.com/2007/12/09/%d9%85%d8%b1%d8%a7%d8%aa%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b9%d8%aa%d9%82%d8%a7%d8%af-%d9%88%d8%b7%d8%b1%d9%82%d9%87/trackback/

RSS feed for comments on this post.

أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: