هل هؤلاء من المعتزلة؟

[1]
الشيخ محمد عبده

يظن كثير من العوام وبعض الخواص أن الأستاذ الشيخ محمد عبده رحمه الله كان معتزليا، فها هو الدكتور طه حسين ـ وهو شخص ربما لا يطمئن اليه البعض ـ يمتدح الأستاذ الإمام ويشيد بأحد مكرماته العلمية ـ وقد أصاب في ذلك ـ بإدخاله كتاب “الكامل” لشيخنا وكبير نحاة عصره الإمام محمد بن يزيد المُبَرِّد المعتزلي رحمه الله للتدريس في الأزهر آنذاك. وها هو الدكتور محمد عمارة ـ المحسوب خطأ على المعتزلة ـ يصدر سلسلة الأعمال الكاملة للشيخ محمد عبده بتحقيقه، وها هو الدكتور عاطف العراقي ـ أستاذ الفلسفة الإسلامية وفلسفة ابن رشد خصوصا ـ يكتب في مقدمه تحقيقه لكتاب (الإسلام دين العلم والمدنية) ما يلي بالنص: (ومن الواضح أن محمد عبده يتجه إلى حد كبير اتجاها اعتزاليا، أي يشبه موقفه موقف المعتزلة، وذلك حين بين لنا في الأصل الأول للإسلام، كيف أن أول أساس وضع عليه الإسلام هو النظر العقلي …). صحيح أن الدكتور العراقي كان دقيقا ولم ينسب محمد عبده للمعتزلة، بل قارب بينه وبينهم وشابه، إلا أن كثيرا من العوام قد لا ينتبهون لذلك التدقيق فيطلقون القول بأن فلان أو فلان كتب أن محمد عبده معتزلي وهذا ما يحدث ونسمعه كل فترة وأخرى.

بعد هذا كله لنسأل أنفسنا سؤالا: هل كان الشيخ محمد عبده معتزليا أو قريبا من المعتزلة؟ لندع الأستاذ الإمام يجيبنا بنفسه عن هذا السؤال ببيان رأيه في المعتزلة.

رأي الشيخ محمد عبده في المعتزلة
(… تفرقت السبل بأتباع واصل [تعليق الشيخ محمد رشيد رضا: هم المعتزلة] وتناولوا من كتب اليونان ما لاق بعقولهم، وظنوا من التقوى أن تؤيد العقائد بما أثبته العلم بدون تفرقة بين ما كان منه راجعا إلى أوليات العقل، وما كان سرابا في نظر الوهم. فخلطوا بمعارف الدين ما لا ينطبق على أصل من أصول النظر، ولجوا في ذلك حتى صارت شيعهم تعد بالعشرات وأيدتهم الدولة العباسية وهي في ريعان القوة فغلب رأيهم، وابتدأ علماؤهم يؤلفون الكتب، فأخذ المتمسكون بمذاهب السلف يناضلونهم معتصمين بقوة اليقين، وإن لم يكن لهم عضد من الحاكمين … وحدثت فتنة القول بخلق القرآن أو أزليته، وانتصر للأول جمع من خلفاء العباسيين وأمسك عن القول أو صرح بالأزلية عدد غفير من المتمسكين بظواهر الكتاب والسنة، أو المتعففين عن النطق بما فيه مجاراة البدعة وأهين في ذلك رجال من أهل العلم والتقوى. وسفكت فيه دماء بغير حق. وهكذا تعدى القوم حدود الدين باسم الدين) (محمد عبده / رسالة التوحيد).

تعليق
هذا بعض مما نفثه محمد عبده من تخرصات ضد المعتزلة، إن دلت على شيئ فإنما تدل على أنه – فيما يتعلق بالموقف من الإعتزال – من العوام الذين لا يفرقون بين الشمال واليمين ولا يميزون بين الغث والثمين، ولقد صدق الدكتور عاطف العراقي حينما كتب ضمن ما كتب في تحقيقه لـ (الاسلام دين العلم والمدنية) إن (البضاعة الفكرية في بعض ميادينها ومجالاتها تعد ضحلة عند مفكرنا محمد عبده). لقد نحى محمد عبده في تخرصاته تلك منحى الأشاعرة ـ وهو منهم ـ في بثهم تهما ضد المعتزلة تلقوها من أسلافهم كالبغدادي والشهرستاني وغيرهما. وهكذا يتعرى ذلك الرجل الذي اشتهر عنه تمسحه بالعقل ودوره، يتعرى أو تعريه كلاماته أمام من يظن أنه معتزلي، ليتضح لهم بجلاء أنه كغيره من العوام الغير مدققين. نعم نحترم دفاع الشيخ محمد عبده عن الإسلام ونحترم رسالته التربوية ونشيد بجهده إلا أن الحق أحب الينا منه، والحق أنه لم يكن من قريب ولا من بعيد من المعتزلة وما شابههم في منهجهم قط. وكيف يشابههم أو يقاربهم وهو يصفهم بالابتداع وبجمل شنيعة من الإتهامات الدالة على جهله الشديد بهم.


[2]
الدكتور محمد عمارة

للدكتور محمد عمارة مؤلفات جليلة عن المعتزلة، وهو صاحب فضل في تقريب الفكر الإعتزالي للناس وتحبيبهم فيه بلا شك، وأنا واحد من أولئك الذين قرأوا كل ما كتبه عن المعتزلة وأعجبت بما فيه وإن كنت أخذت عليه هنات هنا أو هناك. إن موقف د. محمد عمارة من المعتزلة مختلف تماما عن موقف محمد عبده منهم، فموقف محمد عمارة ـ آنذاك ـ هو موقف العالم بالمعتزلة، بينما موقف محمد عبده منهم هو موقف الجاهل بهم كما تقدم أعلاه. لكن هل يكفي كل ذلك لاعتبار محمد عمارة مفكرا معتزليا؟ ولماذا نكون عماريين أكثر من عمارة نفسه؟ هل فكر الدكتور محمد عمارة مثلا ـ وهو من هو ـ في الخروج بالفكر الإعتزالي من موات الكتب إلى حياة الواقع؟ بمعنى آخر: هل فكر في إحياء الفكر الإعتزالي على أرض الواقع أو تفعيله كما فعل شيخنا أبو ياسر رحمه الله؟ حدثنا الشيخ أبو ياسر أمين بن حسين بن نايف بن ذياب رحمه الله أنه عرض في أحد الأيام على فضيلة الدكتور محمد عمارة أن يتولى هو ـ لمكانته العلمية الكبرى ـ قيادة الفكر الإعتزالي المعاصر فأبى الدكتور عمارة ذلك وأعرب عن عدم اهتمامه بهذا الأمر. من خلال ذلك الخبر الذي سمعته من الشيخ أبي ياسر رحمه الله علمت أن مثل محمد عمارة لا يزيد للأسف عن مثل المستشرقين في كونهم جماعين للعلم إلا أنهم لا يعملون بما يعلمون. وإذ لا ينسب الدكتور محمد عمارة نفسه للفكر الإعتزالي فبأي حق ينسبه بعض الناس للمعتزلة؟


[3]
أحمد أمين / طه حسين / سعد زغلول / قاسم أمين

علمنا مما سبق إنتفاء إنتماء كل من الأستاذ الشيخ محمد عبده غفر الله له والأستاذ الدكتور محمد عمارة للفكر الإعتزالي، لكن ماذا عن هؤلاء الكتاب: أحمد أمين / طه حسين / سعد زغلول / قاسم أمين؟ أينتفي كذلك إنتماء أم يثبت؟ تلك الأسماء هل قليل من كثير ممن نسبهم الناس ـ ومازالوا يفعلون ـ للفكر الإعتزالي، ولعل السبب في ذلك يرجع لأحد أمرين ـ علاوة على جهل كثير من الناس بحقيقة الفكر الاعتزالي ـ وهما: إما لأن أحدهم مثلا يكتب كتابا تاريخيا فيمتدح المعتزلة على صفحاته، ويذرف قليلا أو كثيرا من الدمع على غيابهم أو تغييبهم، كما فعل أحمد أمين مثلا، وإما لأن أحدهم مثلا يمجد العقل ودوره وأهميته بما قد يوهم أنه يدافع عن أو يدعو إلى المعتزلة بصفتهم فرسان العقل في الإسلام. وحتى أكون منصفا مع تلك الأسماء أبادر إلى القول بأن أيا منهم لم ينسب نفسه قط للفكر الإعتزالي بدءا من أحمد أمين والذي كتب عنهم صفحات طوال متغزلا في مكانتهم وانتهاءا بمحمد عمارة والذي صنف فيهم كتبا ثقال مطريا دورهم في الفكر الإسلامي. لقد كان هؤلاء الكتاب أمناء مع أنفسهم ومحترمين لذواتهم فلم ينسب أحد منهم قط للفكر الإعتزالي. وحتى أكون منصفا مع تلك الأسماء أبادر إلى القول بأن أيا منهم لم ينسب نفسه قط للفكر الإعتزالي بدءا من أحمد أمين والذي كتب عنهم صفحات طوال متغزلا في مكانتهم وانتهاءا بمحمد عمارة والذي صنف فيهم كتبا ثقال مطريا دورهم في الفكر الإسلامي. لقد كان هؤلاء الكتاب أمناء مع أنفسهم ومحترمين لذواتهم فلم ينسب أحد منهم قط للفكر الإعتزالي. ليست المشكلة إذن في هؤلاء ولا في تلامذتهم المقربين لكن المشكلة في خصيان الفكر ممن فقد مقومات الخصوبة في مجال الإبداع الفكري من المستغربين وأذنابهم حيث تجدهم يتشدقون بفضل المعتزلة وتلهج ألسنتهم بذكرها وتمتدح أقلامهم بعضا أو كلا من تلك الأسماء بما قد يوهم الغافلين بارتباطهم بالمعتزلة. يعاني كثير من المستغربين وأذنابهم مشاكل كثيرة مع بعض تيارات أهل القبلة مثل تيار أصحاب الحديث / السلفيين أو تيار ما أسموه بالإسلام السياسي أو غير ذلك من التيارات. ولما كان هؤلاء المستغربين قليلي الزاد في مجال الفكر الإسلامي وجدوا بغيتهم في خيول الفكر الإسلامي ـ المعتزلة ـ فأرادوا أن يركبوا ظهورها ويمتطوا صهوتها ليبلغوا بر الآمان والأشواك تحيط بهم. نسى هؤلاء الغافلين أن لتلك الخيول الأبية فرسانها وقادتها، فما أن يحاول أحد هؤلاء الأذناب إعتلاء ظهر تلك الخيول فلا يلبث إلا قليلا حيث تطرحه تلك الخيول الأبية التي تأبى أن يعتلي ظهورها أمثالهم ولذلك تطرحهم قبل أن يطرحهم فرسان تلك الخيول. تلك الخيول تعرف فرسانها جيدا وهي وفية لهم، وهؤلاء الفرسان يدركون أصالة عرق تلك الخيول الباسقة يعرفون أنها ذات أصل كريم وكيف يتعاملون معها، فتسلس لهم قيادها، وتستقيم لهم ظهورها، وترمح بهم سيقانها مخترقة عباب وكثافة الفتن ليسجلوا بما في أيديهم من رماح أعظم ملاحم الفكر والبطولات.

هكذا كان أسلافنا العظام، بدءا من إبراهيم عليه السلام ومرورا بمحمد خاتم النبيين وخير الأنام ممن أرسوا قواعد وأصول التوحيد والعدل، ممن أرسوا مبادئ التنزيه للبارئ سبحانه، فما التوحيد إلا تنزيه للبارئ سبحانه في ذاته وما العدل إلا تنزيه للبارئ سبحانه في أفعاله. وعلى درب هؤلاء الأسود الكرام يسير أهل التوحيد والعدل، واثقي الخطوات، شامخي الجبهات، غير آبهين لنعاق المستغربين ولا لنعرات أذنابهم ولا لنباح كلابهم، فهم يسيرون على ما سار عليه الأسود، وحتى وإن ماتوا يظلوا أسودا، فتظل الأسود أسودا، وتبقى الكلاب كلابا.

تحياتي

الحسيني

Published in: on ديسمبر 24, 2007 at 12:52 م  2 تعليقان  

The URI to TrackBack this entry is: https://alhousseiny.wordpress.com/2007/12/24/114/trackback/

RSS feed for comments on this post.

2 تعليقانأضف تعليقاً

  1. المطلوب الان ليس بعث الفكر الاعتزالي و التخندق في فكر قديم نتج في جو سابق بل المطلوب مواصلة الفكر الايمان كما فعل المسلمون سابقا في مواجهة التحديات المعاصر ليس بعث الاصول الخمسة فتحديات المعاصرة مختلفة

  2. الأخ الكريم السماني أحمد

    شكراً على مرورك الكريم وتعليقك القيم

    هناك فارق كبير بين (بعث) الفكر الإعتزالي و(تجديد) الفكر الإعتزالي أرجو أن تنتبه إليه. ما تسعى إليه المعتزلة المعاصرة هو (تجديد) الفكر الإعتزالي وفق السقف المعرفي المناسب لزمننا ثم (تفعيل) ذلك الفكر بعد تجديده في وعي الأمة. أما (التخندق) فهو مرفوض تماماً، بل نسعى للمصالحة بين التراث الماضي والسقف المعرفي المعاصر مع الإنفتاح الواعي على كافة التيارات. أما (تحديات العصر) فهناك ما هو مماثل لتحديات الماضي كالشرك والتجسيم والجبر والظلم وغير ذلك، وهناك تحديات جديدة أهمها تردي المسلمين إلى الهاوية. إن مدرستنا تسعى – فكرياً – لوضع رؤية شاملة تعالج تلك التحديات، ونحن مازلنا نرسم ملامح تلك الرؤية إلى أن نتمها بتوفيق الله، وشعارنا في ذلك هو: بدلاً من أن تلعن الظلام فلتوقد شمعة تضيئ بها جزءاً من الطريق. ولو أوقد كل واحد منا شمعة لاستطعنا إضاءة الطريق كله.

    تحياتي

    الحسيني


أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: