كلمة حول أخبار الآحاد والمصاحف وجمع القرآن

[1]
حول أخبار الآحاد وإفادتها

من الملاحظ أثناء قراءة ما يكتبه أهل الحديث في “المصطلح” أنهم ـ ولا سيما المتأخرون ـ يقرون بادئ ذي بدء بإفادة أخبار الآحاد للظن وليس للعلم ثم لا يلبثوا إلا قليلا فتجدهم يستدركون ويزعمون إفادة أخبار الآحاد للعلم إن احتفت بها القرائن، ولنأخذ لذلك مثالين:

المثال الأول: ابن عثيمين
كتب الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله في (مصطلح الحديث) ما يلي بنصه: (تفيد أخبار الآحاد ـ سوى الضعيف ـ أولا الظن وهو رجحان صحة نسبتها إلى من نقلت عنه … وربما تفيد العلم إذا احتفت بها القرائن وشهدت بها الأصول) (انتهى).

المثال الثاني: ابن حجر
كتب الشيخ أمير المؤمنين في الحديث الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في (نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر) بعد أن ذكر (المتواتر المفيد للعلم اليقيني بشروطه) ما يلي بنصه: (وكلها ـ سوى الأول ـ آحاد وفيها المقبول والمردود لتوقف الاستدلال بها على البحث من أحوال رواتها دون الأول [أي: المتواتر] وقد يقع فيها ما يفيد العلم النظري بالقرائن علي المختار) (انتهى).

من خلال النصين السابقين نرى بوضوح أولا: استخدم الشيخ ابن عثيمين لفظ (ربما) واستخدم الحافظ ابن حجر لفظ (قد) وهما لفظان يفيدان (التقليل) وعدم القطع. ثانيا: اكتفاء الشيخ ابن عثيمين بلفظ (العلم) ونعت الحافظ ابن حجر ذلك العلم بأنه العلم (النظري). يمكن الجمع بين التعبيرين لأنه إذا أطلق لفظ (العلم) في اصطلاح المحدثين فإنه ينصرف فقط إلى العلم (النظري) وليس إلى العلم (الضروري / اليقيني) وهذا ما قرره الحافظ ابن حجر في كتاب (نزهة النظر في شرح نخبة الفكر). نلاحظ أخيرا تقييد كل من الكاتبين الجليلين رحمهما الله إفادة أخبار الآحاد للعلم (النظري) بالاحتفاف بالقرائن، ويضيف ابن عثيمين قيدا ثانيا هو: شهادة الأصول.

يشرح كل من الحافظ رحمه الله في (نزهة النظر) والملا على القاري رحمه الله في (شرح شرح النخبة) ـ أي: شرح النزهة ـ معنى الخبر المحفوف بالقرائن ويضرب مثالا على ذلك بأخبار الآحاد التي أخرجها الشيخان، البخاري ومسلم، فيرى أنها تفيد العلم النظري للقرائن الآتية: جلالة قدر جامعيهما الصحيحين، علو كعبيهما في رواية الحديث، تلقي العلماء لهما بالقبول. وكلها ـ كما نرى ـ قرائن نفسية وليست موضوعية فمثلا: هل هناك إجماع موضوعي بين علماء الأمة جميعا حول تلقي الجامعين الصحيحين بالقبول حقا؟ بالطبع لا وإنما هو إجماع أو شبه إجماع علماء فرقة واحدة من فرق أهل القبلة وليس إجماع كل علماء أهل القبلة. أما وصفهما بأنهما جامعان جليلان فهو متولد عن ذلك البعد النفسي والذي لا يؤيده البحث العلمي الموضوعي بحال. أما ما ذكره ابن العثيمين رحمه الله من وجود قيد ثان هو شهادة الأصول فهو مما يحسب له وليس عليه. هذا ويقصد ابن عثيمين بالأصول: أصول الدين / قواعد الإيمان وليس أصول الفقه / أصول التشريع. لقد كان ابن عثيمين وفيا لمبدأه هذا لذلك تجده يقول في (فتاوى الحرم المكي) عندما يتعرض لحديث تميم الداري حول الجساسة: “في النفس منه شيئ”. وتجده كذلك يصف حديث أبي هريرة مما أخرجه البخاري حول “فضل في النار” شاذ ـ ومن ثم: ضعيف – حيث قال في شرحه على (البيقونية) ما يلي بنصه: (ومن الشذوذ‏:‏ أن يخالف ما عُلم بالضرورة من الدين‏.‏ مثاله‏:‏ في صحيح البخاري رواية «أنه يبقى في النار فضلٌ عمن دخلها من أهل الدنيا، فيُنشىء الله لها أقواماً فيدخلهم النار»‏.‏ فهذا الحديث وإن كان متصل السند فهو شاذ؛ لأنه مخالف لما عُلم بالضرورة من الدين، وهو أن الله تعالى لا يظلم أحداً، وهذه الرواية – في الحقيقة – قد انقلبت على الراوي، والصواب أنه يبقي في الجنة فضلٌ عمن دخلها من أهل الدنيا، فيُنشىء الله أقواماً فيدخلهم الجنة، وهذا فضل ليس فيه ظلم، أما الأول ففيه ظلم‏.‏ على كل حال فلابد لصحة الحديث ألا يكون شاذًّا‏) (انتهى).

الخلاصة:
يرى أهل الحديث أن الأصل في أخبار الآحاد أنها تفيد الظن، لكنها قد تفيد العلم النظري ـ وليس العلم الضروري ـ إذا قيدت بشرطين. الأول: الاحتفاف بالقرائن. الثاني: عدم مخالفتها الأصول الضرورية اليقينية.

[2]
المصاحف وأسانيدها

هل المصاحف التي بين أيدينا متواترة الأسانيد؟ وما هو حد التواتر أصلا؟ يذكر الحافظ ابن حجر ـ حجة أهل الحديث من المتأخرين ـ رحمه الله اختلاف العلماء حول تعيين حد التواتر، فمنهم من يقول 4، ومنهم من يقول 5، ومنهم من يقول 7، ومنهم من يقول 10، ومنهم من يقول 12، ومنهم من يقول 40، ومنهم من يقول 70، ومنهم من يقول غير ذلك. لذلك يجب أن نعلم بأن زعم التواتر هو زعم “نسبي” وليس “مطلقا”. إذا حاولنا الإقتراب من المفهوم “المطلق” للتواتر فلنعد للمفهوم اللساني للفظ (تواتر). يقول اللسانيون أن التواتر يعني التتابع الشديد الغير محصور كتتابع قطرات الغيث. سؤال: هل يمكن لأحد أن يقوم بإحصاء أو حصر لعدد قطرات الغيث؟ إذا كان شرط التواتر ـ على الأقل لسانيا ـ هو عدم الإنحصار، فهل الأرقام المذكورة أعلاه تعبر عن أعداد محصورة أم غير محصورة؟ لنرجع الآن إلى سؤالنا الذي انطلقنا منه: هل المصاحف التي بين أيدينا متواترة الأسانيد؟ لنجعل ديباجة المصحف نفسه تجب عن هذا التساؤل من خلال مثالين.

المثال الأول: مصحف المدينة النبوية برواية حفص
تقول ديباجة مصحف المدينة النبوية برواية حفص الصادر عن مجمع فهد بن عبد العزيز ما يلي: كتب هذا المصحف وضبط على ما يوافق رواية (حفص بن سليمان بن المغيرة الأسدي الكوفي) لقراءة (عاصم بن أبي النجود الكوفي التابعي) عن (أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمي) عن (عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وزيد بن ثابت و أبي بن كعب) عن النبي صلى الله عليه وسلم.

المثال الثاني: مصحف المدينة النبوية برواية ورش
تقول ديباجة مصحف المدينة النبوية برواية ورش الصادر عن مجمع فهد بن عبد العزيز ما يلي: كتب هذا المصحف الكريم وضبط على ما يوافق رواية (أبي سعيد عثمان بن سعيد المصري الملقب بورش) عن (نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم المدني) عن (أبي جعفر يزيد بن القعقاع و أبي داود عبد الرحمن بن هرمز الأعرج و شيبة بن نصاح القاضي و أبي عبد الله مسلم بن جندب الهذلي مولاهم و أبي روح يزيد بن رومان) عن (أبي هريرة وابن عباس و عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة) عن (أبي بن كعب) عن النبي صلى الله عليه وسلم.

ملاحظات حول الإسنادين السابقين:
(1) الإسناد الأول عالي بينما الإسناد الثاني نازل. جدير بالذكر أن لفظي (عالي) و (نازل) من اصطلاحات المحدثين ويعرفان كالتالي بتعريف البيقوني في منظومته الشهيرة في المصطلح: “وكل ما قلت رجاله علا ***** وضده ذاك الذي قد نزلا”. يعلو الإسناد الأول لوجود أربع حلقات فيه ـ عدا النبي صلى الله عليه وسلم ـ وينزل الإسناد الثاني لوجود خمس حلقات فيه ـ عدا النبي صلى الله عليه وسلم.

(2) الطبقة الأولى ـ الطبقة التالية للنبي صلى الله عليه وسلم ـ في رواية حفص تحتوي على أربعة رواة هم (عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وزيد بن ثابت و أبي بن كعب) بينما تحتوي مثيلتها في رواية ورش على راو واحد فقط هو (أبي بن كعب) فهل تعبر مثل تلك الأعداد المحصورة عن تواتر؟

(3) الطبقة الثانية في رواية حفص تحتوي على راو واحد فقط هو (أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمي) بينما تحتوي مثيلتها في رواية ورش على ثلاثة رواة هم (أبي هريرة وابن عباس و عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة) فهل تعبر مثل تلك الأعداد المحصورة عن تواتر؟

(4) الطبقة الثالثة في رواية حفص تحتوي على راو واحد فقط هو (عاصم بن أبي النجود الكوفي التابعي) بينما تحتوي مثيلتها في رواية ورش على خمسة رواة هم (أبي جعفر يزيد بن القعقاع و أبي داود عبد الرحمن بن هرمز الأعرج و شيبة بن نصاح القاضي و أبي عبد الله مسلم بن جندب الهذلي مولاهم و أبي روح يزيد بن رومان) فهل تعبر مثل تلك الأعداد المحصورة عن تواتر؟

(5) الطبقة الرابعة في رواية حفص تحتوي على راو واحد فقط هو (حفص بن سليمان بن المغيرة الأسدي الكوفي) وكذلك تحتوي مثيلتها في رواية ورش على راو واحد فقط هو (نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم المدني) فهل تعبر مثل تلك الأعداد المحصورة عن تواتر؟

(6) الطبقة الخامسة في رواية ورش تحتوي على راو واحد فقط هو (أبي سعيد عثمان بن سعيد المصري الملقب بورش) فهل يعبر مثل ذلك العدد المحصور عن تواتر؟

الخلاصة:
يحتوي الإسناد الأول على أربع طبقات ينحصر عدد رواتها بين الواحد ـ في ثلاث طبقات منها ـ و الأربعة ـ في طبقة واحدة فقط ـ ويحتوي الإسناد الثاني على خمس طبقات ينحصر عدد رواتها بين الواحد ـ في ثلاث طبقات منها ـ والثلاثة ـ في طبقة واحدة فقط ـ والخمسة ـ في طبقة واحدة فقط – فهل يكونان اسنادين متواترين بينما تكون حلقاتهما ورواتهما أعدادا محصورة؟

[3]
كم يبلغ عدد من جمع القرآن؟ وممن نأخذه؟

أخرج البخاري في الجامع “الصحيح” من رواية أنس بن مالك أنه قال: (جمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم أربعة كلهم من الأنصار: أبي [بن كعب]، ومعاذ بن جبل، وأبو زيد، وزيد بن ثابت. قلت لأنس: من أبو زيد؟ قال: أحد عمومتي) (البخاري)

وأخرج مسلم في الجامع “الصحيح” من رواية أنس بن مالك أنه قال: (جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة كلهم من الأنصار: معاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو زيد. قال قتادة: قلت لأنس: من أبو زيد؟ قال: أحد عمومتي) (مسلم)

أخرج البخاري ومسلم في جامعيهما “الصحيحين” ـ واللفظ للبخاري ـ من رواية عبد الله بن عمر بن العاص أنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم [مولى أبي حذيفة]، ومعاذ [بن جبل]، وأبي بن كعب) (متفق عليه).

سؤال:
ما المقصود بلفظ (جمع) في الروايتين الأولى والثانية؟

الجواب:
الجمع في اللسان هو لم أشتات الشيئ في موضع واحد أي ما نسميه حفظا. وفي هذا يقول المولى سبحانه في الكتاب: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) (القيامة : 17) أي حفظه. الجمع / الحفظ نوعان / قسمان: حفظ في الصدور (الاستظهار عن ظهر قلب) وحفظ في السطور (التدوين) فأي القسمين قصد ابن أنس؟ وأيا ما كان القسم فهل رقم مثل 4 يعبر عن تواتر غير محصور؟ أم عن عدد آحاد محصور؟

أما تلك الرويات فليس لها – عندي – سوى موضع واحد هو: سلة المهملات، لكني أسوقها إلزاما للذين يعتقدون بتقدم كتابي الشيخين البخاري ومسلم على سائر الكتب بعد كتاب الله، وظاهر تلك الرواية – الفاسدة – أنه لم يجمع القرأن ـ صدرا أو سطرا ـ سوى أربعة – بينهما أحد المجاهيل – ليس منهم القادة العظام وعلماء الإسلام كأمير المؤمنين عليه السلام ولا غيره من الأعلام كأبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم من الكرام من صحب خير الأنام.

تحياتي

الحسيني

Published in: on ديسمبر 24, 2007 at 1:05 م  اكتب تعليقُا  

The URI to TrackBack this entry is: https://alhousseiny.wordpress.com/2007/12/24/117/trackback/

RSS feed for comments on this post.

أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: