القناعة في فقه الشفاعة


وردت مادة (شفع) في الكتاب في 31 موضعا، منها قول الله تعالى: (وَاتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ) (البقرة : 48) وقوله تعالى: (وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (الأنعام : 51) وغير ذلك من الآيات. الشفاعة من قضايا الإيمان، وقضايا الإيمان يجب أن تستند على مبدأ (اليقين)، ولا يفيد اليقينَ إلا الإدراكُ الحسي أو الإدراكُ العقلي. ولما كانت الشفاعة من مسائل (المعاد) الغير محسوسة فلا يبقى سوى الإدراك العقلي بشقيه: الإستدلال بالعقل المحض والإستدلال بالكتاب باعتبار أنه وعاء لفروع الإيمان.

[1] العقل والشفاعة

ينقسم البحث في (الشفاعة) إلى قسمين: الشفاعة لأهل القبائح والشفاعة لأهل المحاسن، بمعنى آخر: الشفاعة لأهل الجنة لرفع درجاتهم والشفاعة لأهل النار لعتقهم منها. ولما كان النوع (الثاني) هو محل الخلاف فسأحصر حديثي فيه وسأبدأ بسؤال: هل يدخل أهل النار الجحيمَ استحقاقا أم ظلما؟ أي أدخلهم الله تعالى النار لكونهم مستحقين أم لأنه ـ تعالى عن ذلك ـ ظالم لهم؟ فإن كانوا مستحقين لدخول النار فإن الشفاعة لهم تقبح عقلا. وكيف تحسن الشفاعة لهم وهم يستحقون ذلك العذاب؟ ولما توعد الله سبحانه أهل النار بديمومة العذاب فيها فإن ذلك الحكم العقلي ـ قبح الشفاعة ـ لابد أن يصاحب تلك الديمومة إما إلى أن تفنى النار بمن فيها ـ عند القائلين بفناء الحركات ـ وإما إلى ما لا نهاية ـ عند غير القائلين بفناء الحركات ـ لأن ذلك الحكم العقلي مطلق ومن ثم فإنه لا يرتبط بأجل محدد سوى الأجل المطلق كفناء الحركات مثلا.

قاعدة:
إذا دخل النارَ مستحقٌ لدخولها فإن الشفاعة له تقبح عقلا بصورة مطلقة مجردة عن الزمان.

[2] الكتاب والشفاعة

يقول الله سبحانه: (فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ. رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ. يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ. الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ. وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ. يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ. وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (غافر : 14 – 20) والشاهد فيه هو قوله تعالى:

(الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ . وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ) (غافر : 17 – 18)

حيث يدل قوله تعالى (كُلُّ نَفْسٍ) على العموم، أي المسلمين وغير المسلمين، المؤمنين وغير المؤمنين، الموحدين والمشركين، فـ (كل) نفس من هذه النفوس تجزى بما كسبت. علاوة على ذلك يدل لفظ (الظالمين) على المجموعة الرياضية الشاملة U والتي تشمل كل مجموعات الظالمين {A_1, A_2, …, A_u} بدون استثناء، فالكفار مثلا هم المجموعة A_1 وعصاة أهل القبلة الغير تائبين هم المجموعة A_u وهكذا. لذلك فإن نفي الأعلى – رياضيا – هو نفي الأدنى كذلك، فنفي الشفاعة عن مجموعة الظالمين الشاملة U هو نفي لها عن مجموعة ظالمي أهل القبلة A_u بالضرورة العقلية اليقينية.

قاعدة:
ينفي الكتاب المبين الشفاعة عن المستحقين لها مطلقا

[3] الرسول والشفاعة

روى البخاري ومسلم وغيرهما الرواية ـ واللفظ لمسلم ـ أن (قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح. فقالوا: من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه فيها أسامة بن زيد. فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “أتشفع في حد من حدود الله ؟” فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول الله ! فلما كان العشي قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختطب . فأثنى على الله بما هو أهله . ثم قال ( أما بعد . فإنما أهلك الذين من قبلكم ، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف ، تركوه . وإذا سرق فيهم الضعيف ، أقاموا عليه الحد . وإني ، والذي نفسي بيده ! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ) ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها . قال يونس : قال ابن شهاب : قال عروة : قالت عائشة : فحسنت توبتها بعد . وتزوجت . وكانت تأتيني بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ).

نلاحظ هنا ملاحظات هامة جدا أولها: الجرم هنا عبارة عن (سرقة فردية) قامت بها امرأة وهو جرم صغير نسبيا إن قورن مثلا بكبيرة (سرقة ونهب أموال الأمة). ثانيا: رفض رسول الله تعالى شفاعة أسامة بن زيد ـ ابن الحب زيد العوالي شهيد غزوة مؤته رضوان الله عليه ـ وتغير لونه وخطب في الناس وانتهرهم وتوعد كل من تسول له نفسه أن يرتكب جريمة ما ـ كالسرقة مثلا ـ حتى ولو كانت البتول عليها السلام. ثالثا: علم أسامة أنه أذنب فطلب من نبي الهدى عليه الصلاة والسلام أن يستفغر له. فإن كان رسول الله لا يقبل الشفاعة في حد من حدود الله في الدنيا فمن ذا الذي يسيئ الظن برسوله ويعتقد أنه يقبل أن يشفع لمتعديي حدود الله في الآخرة؟

قاعدة:
لم يجوز رسول الهدى الشفاعة في أي حد من حدود الله حتى ولو كان المتعدي لذلك الحد أحب المخلوقين لديه بل توعده توعدا شديدا وهو موقف مطلق مجرد عن الزمان والمكان.

الخلاصة

إذا استحق مستحق دخول النار فإن الشفاعة له تقبح بشهادة العقل والكتاب والرسول، وعليه فإن دخل أحد المستحقين نار الجحيم ـ أجارنا الله منها ـ فهو مشمول بـ (وعيد) الله الدائم ولا تنفعه شفاعة ولا تصح لقبحها ولتأكيد الشرع على ذلك القبح ونفي حدوثها، وكما يصدق الله سبحانه في (وعده) يصدق كذلك في (وعيده)، ومن وعيده صيرورة المستحق لدخول النار إليها وديمومة عذابه فيها ونفي إمكانية الشفاعة لأهلها.

اللهم أجرنا من النار يا خير مستجار.

الحسيني

Published in: on ديسمبر 25, 2007 at 1:36 م  اكتب تعليقُا  

The URI to TrackBack this entry is: https://alhousseiny.wordpress.com/2007/12/25/%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%86%d8%a7%d8%b9%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d9%81%d9%82%d9%87-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%81%d8%a7%d8%b9%d8%a9/trackback/

RSS feed for comments on this post.

أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: