رؤية جديدة في تفسير سورة الروم

(الم. غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ. لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ. وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ. وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (الروم : 1 – 6)

أولا: من روايات أسباب النزول
أخرج الترمذي في سننه من رواية نيار بن مكرم الأسلمي: لما نزلت {الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين} فكانت فارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين للروم وكان المسلمون يحبون ظهور الروم عليهم لأنهم وإياهم أهل كتاب وفي ذلك قول الله تعالى {ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم} وكانت قريش تحب ظهور فارس لأنهم وإياهم ليسوا بأهل كتاب ولا إيمان ببعث فلما أنزل الله هذه الآية خرج أبو بكر الصديق يصيح في نواحي مكة {الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين} قال ناس من قريش لأبي بكر: فذلك بيننا وبينكم زعم صاحبك أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين أفلا نراهنك على ذلك؟ قال: بلى وذلك قبل تحريم الرهان فارتهن أبو بكر والمشركون وتواضعوا الرهان وقالوا لأبي بكر: كم تجعل البضع ثلاث سنين إلى تسع سنين فسم بيننا وبينك وسطا تنتهي إليه قال فسموا بينهم ست سنين قال فمضت الست سنين قبل أن يظهروا فأخذ المشركون رهن أبي بكر فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس فعاب المسلمون على أبي بكر تسمية ست سنين قال: لأن الله تعالى قال: {في بضع سنين} قال : وأسلم عند ذلك ناس كثير. (قال الألباني في صحيح الترمذي: حسن)

وأخرج الترمذي في سننه من رواية عبدالله بن عباس في قول الله تعالى: {الم غلبت الروم في أدنى الأرض} قال: … كان المشركون يحبون أن يظهر أهل فارس على الروم لأنهم وإياهم أهل الأوثان وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس لأنهم أهل الكتاب فذكروه لأبي بكر فذكره أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أما إنهم سيغلبون فذكره أبو بكر لهم فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلا فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا فجعل أجلا خمس سنين فلم يظهروا فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: ألا جعلته إلى دون قال: أراه العشر قال: قال سعيد: والبضع ما دون العشر قال ثم ظهرت الروم بعد قال: فذلك قوله تعالى {الم غلبت الروم} إلى قوله {ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله} قال سفيان سمعت أنهم ظهروا عليهم يوم بدر. (قال الألباني في صحيح الترمذي: صحيح).

ثانيا: تعليق وجيز على الروايتين
لن أتعرض الآن لأسانيد تلك الروايتين وغيرهما ولا لاضطراب متنيهما ولكني سآخذهما كما رواهما أهل الحديث في كتبهم فأقول: تثير تلك الروايات إشكالين عقديين خطيرين، أولهما: من المعلوم أن الحرب بين فارس وبيزنطة كانت حربا بين أمتين وثنيتين، أمة تعبد النار والأوثان، وأمة تعبد الصليب والأيقونات. ويحدثنا التاريخ أن أول ما فعله البيزنطيون بعد ظهورهم على الفرس هو إعادة الصليب الضخم المقدس لديهم إلى بيت المقدس ورفعه وإعلاءه كما كان قبل هزيمتهم، فهل من المعقول أن يفرح المسلمون الموحدون ويهللون لانتصار أهل الصليب الوثنيين على وثنيين أمثالهم؟ أقول: غير معقول، ومن ظن بالمسلمين هكذا فهو مخطئ، فإن أصر على ظنه الخاطئ ذاك فهو آثم، فإن استمر على إثمه فهو مرتكب لكبيرة قلبية وعقدية يخشى عليه منها. ثانيهما: إذا كان ذلك الإنتصار المزعوم سيتحقق مستقبلا بناء على علم سابق ـ كما يزعم الجبريون وهم جميع القائلين بالعلم السابق ـ فإن هذا هو عين الجبر الذي غشانا به أهل الرويات في مروياتهم. هذان هما الإشكالان العقديان الرئيسيان الواردان في متني الروايتين وغيرهما، والإشكال الأول أخطر من الثاني، لكون الأول يتعلق بأصل (التوحيد)، والثاني يتعلق بأصل (العدل)، والتوحيد مقدم بطبيعة الحال على العدل.

ثالثا: من هم الروم؟
يزعم أهل الأخبار والإخبار أن الروم المقصودين في صدر الآية الشريفة هم أهل القسطنطينية وهذا خطأ تاريخي فادح، لأن الروم أي الرومان كانوا أهل روما عاصمة إيطاليا، بينما كانت القسطنطينية عاصمة للدولة البيزنطية، فالمسيحية قد انقسمت في ذلك العصر إلى دولتين: رومانية (لاتينية) غربية وعاصمتها روما، وبيزنطية شرقية وعاصمتها القسطنطينية (في تركيا حاليا). فلم تكن الإمبراطورية الرومية قط متاخمة لبلاد العرب، وإنما الدولة التي كانت متاخمة لبلاد العرب هي الدولة البيزنطية، وعلى هذا فلو كانوا هم المقصودين بالآيات لقيل: (غلبت بيزنطة …) ولم يقال: (غلبت الروم …). أما والحال هكذا فمن هم (الروم) المشار إليهم في صدر الآيات؟ للإجابة على هذا السؤال يجب أن نرجع للجذر اللساني لكلمة (ر / و / م) حيث لها مصدران إشتقاقيان هما:

(1) رام / يروم / رَوْما أي: طلب الشيئ.

(2) رام / يريم / رَيْما: أي ثبت في مكانه.

إن الروم المقصودين في تلك الآيات الكريمات ليسوا (البيزنطيين) ولا حتى (الرومان) ولكنهم تلك الثلة المستضعفة في الأرض، المهيضة الجناح، الثابتة على الحق وهم أتباع نبي الهدى محمد صلوات الله عليه من مسلمي مكة الأوائل، الذين طلبوا الحق وحثوا واجتهدوا في ذلك في ثبات لا زحزحة فيه، لكن أهل الأوثان والأصنام من مشركي مكة غلبوهم على الحق لكثرة عدتهم وعددهم، وضخامة قوتهم، ومساندة وثنيي فارس ووثنيي بيزنطة لهم، فجاءت الآيات الكريمة ناطقة ومخبرة بحال تلك الثلة المؤمنة: (الم. غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ …) (الروم : 1 – 3) ثم حملت بشارة إلهية لهم بنصر قريب: (… وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ…) (الروم : 3 – 4) بلطف من الله وتوفيق وهو ما تحقق فعلا في انتصار المسلمين ببدر بعد الهجرة إلى يثرب.

رابعا: هل تم النصر بناء على العلم السابق؟
المستقبل معدوم، والمعدوم لا كينونة له في حيز الوجود حتى يتعلق به علم أو جهل. لقد نصر الله تعالى الروم المسلمين المستضعفين ببدر وهم أذلة بما أنزله الله من ألطاف ملكوتية استحقها المؤمنون لإيمانهم بتوحيد الله وعدله. يخبر الله سبحانه عن تلك الألطاف الملكوتية بقوله:

(وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُنزَلِينَ. بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ. وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) (آل عمران : 123 – 126)

لدينا بالتالي العناصر التالية، أولا: اللطف الإلهي الذي تمثل في مدد ملكوتي بآلاف من الملائكة. ثانيا: استحقاق المسلمين لتلك الألطاف الملكوتية لإيمانهم الحق بالله وحده. ثالثا: وعد من الله بالنصر بشرى للمؤمنين.

الخلاصة

 

تخبر الآيات الأولى لسورة الروم بحال المسلمين الأوائل من حيث غلبة المشركين عليهم، واستضعافهم، ومحاولات إذلالهم، فجاءتهم بشرى صادقة من الله بنصر قريب يمثل وعدا إلهيا لهم ثوابا لهم ومكافأة على إيمانهم شريطة استمرارهم على هذا الحال وأخذ العدة والإستعداد بطلب الأسباب الكونية والتكوينية. ليس للسورة الكريمة أي علاقة بالرومان الوثنين أصحاب روما، ولا بالبيزنطيين المشركين أصحاب القسطنطينية وإنما تدور الآيات حول وضع داخلي في مكة وتحديدا حول وضع المسلمين المستضعفين في أدنى الأرض ووعد الله لهم بنصر قريب وهذا ما كان ولله الحمد والمنة، وبذلك يتم نسف الإشكالين الذين تسبب في وجودهما خرافات مرويات لأناس يهرفون بما لا يعرفون، وضعها الوضاعون ونسبوها لنبي الهدى وصحبه الكريم وهم منها جميعا براء والحمد لله رب العالمين.

الحسيني

Published in: on مايو 5, 2008 at 8:46 ص  اكتب تعليقُا  

The URI to TrackBack this entry is: https://alhousseiny.wordpress.com/2008/05/05/%d8%b1%d8%a4%d9%8a%d8%a9-%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%aa%d9%81%d8%b3%d9%8a%d8%b1-%d8%b3%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%88%d9%85/trackback/

RSS feed for comments on this post.

أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: