المسيح والمسيحيون والنصارى

المسيح
ورد لفظ (المسيح) في القرآن في 11 موضعا منها قوله تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً) (النساء : 171).

أما عن الإشتقاق الصرفي للفظ (المسيح)، فأصله هو الفعل الثلاثي المجرد (مسح)، وكلمة (مسيح) جاءت على وزن (فعيل) بمعنى (مفعول) للدلالة على من قام به الفعل. أصل الكلمة باللسان العبراني القديم هو فعل מָשַׁח (ينطق: مشخ) والذي يدل في المفهوم اللاهوتي التوراتي على مسح أو دهن الإمام الديني بالزيت المقدس ومنه جاء لفظ (المسيح) הַמָּשִׁח (ينطق: هَمَّشِيخْ). أي الإمام الممسوح / المدهون بالزيت المقدس. إضافة لذلك المعنى اللاهوتي ربما كان للفظ (المسيح) دلالة بيولوجية وهي كونه ممسوحا / خاليا من الصفات الوراثية لكونه آية من الله تعالى حيث خلقه الله تعالى بأمر تكويني منه فكان جنينا في رحم العذراء البتول مريم سيدة نساء العالمين عليها السلام. على هذا فهو لا يحمل صفات وراثية من جهة الوالد لأنه لا والد له.

المسيحيون والنصارى
كلمة (المسيحيون) جمع سالم للمذكر ومفرده (المسيحي)، وهو تركيب من جزئين (المسيح) و(ي) حيث تدل الياء على النسبة أي إنتساب صاحبها إلى (المسيح). لم يرد لفظ (المسيحيون) في القرآن الكريم إطلاقا وإنما جاءت تسميتهم بلفظ (النصارى) حيث جاء ـ معرفا و منكرا ـ في 14 موضعا منها قول الله تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (التوبة : 30) حيث توضح تلك الآية الشريفة مفهوم النصارى وتعينهم بقوله تعالى حكاية عنهم (الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ) فكل من زعم أن (الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ) فهو نصراني.

الترجيح بين اللفظين
يصر النصارى ـ المعاصرون ـ على تسمية أنفسهم مسيحيين جهلا منهم بحقيقة دينهم أولا، وإغفالا لقواعد لسان العرب ثانيا، واتباعا لتسمية الأعاجم أنفسهم مثلا بلفظ Christians ثالثا. إجتمعت ثلاثة عوامل فأحدثت جهلا مركبا عند أهل الصليب فيما يتعلق بتسميتهم، إضافة لجهالاتهم وضلالاتهم فيما يتعلق بمعتقدهم. إن من يقرأ مؤلفات أهل الصليب من العرب القدماء يجد أنهم أطلقوا على أنفسهم لفظ (نصراني) ومشتقاته مثل (نصرانيون) و(نصرانيين) و(نصارى) وغير ذلك من الألفاظ. ومن المعلوم عند من له إلمام بالأديان المقارنة أن تلك التسمية هي التسمية الصحيحة لكل من زعم للمسيح نسبا إلهيا. لعل سائلا يسألني فيقول: لقد قلت آنفا إن النصارى يجهلون حقيقة دينهم فضلوا عن تسمية النصارى وسموا أنفسهم مسيحيين فما دليلك على ذلك؟ أقول: لنرجع إلى رأس الأدلة في دينهم وأعني به (العهد الجديد) وتحديدا سفر (أعمال الرسل) لنقرأ كيف نسب اليهود إلى مقدم أهل الصليب بولس Paulus الإنتماء والدعوة للنصرانية. حاكم اليهود Paulus إلى الوالي قائلين:

(5 فَإِنَّنَا إِذْ وَجَدْنَا هذَا الرَّجُلَ مُفْسِدًا وَمُهَيِّجَ فِتْنَةٍ بَيْنَ جَمِيعِ الْيَهُودِ الَّذِينَ فِي الْمَسْكُونَةِ، وَمِقْدَامَ شِيعَةِ النَّاصِرِيِّينَ، 6 وَقَدْ شَرَعَ أَنْ يُنَجِّسَ الْهَيْكَلَ أَيْضًا، أَمْسَكْنَاهُ وَأَرَدْنَا أَنْ نَحْكُمَ عَلَيْهِ حَسَبَ نَامُوسِنَا) (أعمال الرسل 24 : 5 – 7).

هكذا نقرأ بكل وضوح وصفهم Paulus بأنه (وَمِقْدَامَ شِيعَةِ النَّاصِرِيِّينَ). تقول موسوعة الأديان الألمانية ـ إنطلاقا من النص السابق ـ ما يلي:

Die Christen werden im N. T. (Apg. 24, 5) allgemein als Nazaraeer bezeichnet

أي: يطلق على المسيحيين بصفة عامة في العهد الجديد (أعمال الرسل 24 ، 5) تسمية نصارى Nazaraeer

نعود مرة أخرى لمحاكمة بولس الرسول النصراني لنستمع إلى جوابه التفصيلي. يقول بولس:

(10 فَأَجَابَ بُولُسُ، إِذْ أَوْمَأَ إِلَيْهِ الْوَالِي أَنْ يَتَكَلَّمَ:«إِنِّي إِذْ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ مُنْذُ سِنِينَ كَثِيرَةٍ قَاضٍ لِهذِهِ الأُمَّةِ، أَحْتَجُّ عَمَّا فِي أَمْرِي بِأَكْثَرِ سُرُورٍ. 11 وَأَنْتَ قَادِرٌ أَنْ تَعْرِفَ أَنَّهُ لَيْسَ لِي أَكْثَرُ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا مُنْذُ صَعِدْتُ لأَسْجُدَ فِي أُورُشَلِيمَ. 12 وَلَمْ يَجِدُونِي فِي الْهَيْكَلِ أُحَاجُّ أَحَدًا أَوْ أَصْنَعُ تَجَمُّعًا مِنَ الشَّعْبِ، وَلاَ فِي الْمَجَامِعِ وَلاَ فِي الْمَدِينَةِ. 13 وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُثْبِتُوا مَا يَشْتَكُونَ بِهِ الآنَ عَلَيَّ. 14 وَلكِنَّنِي أُقِرُّ لَكَ بِهذَا: أَنَّنِي حَسَبَ الطَّرِيقِ الَّذِي يَقُولُونَ لَهُ «شِيعَةٌ»، هكَذَا أَعْبُدُ إِلهَ آبَائِي، مُؤْمِنًا بِكُلِّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءِ) (أعمال الرسل 24 : 10 – 14)

كانت التهمة الموجهة إليه أنه (وَمِقْدَامَ شِيعَةِ النَّاصِرِيِّينَ …) وقد أقر بولس نفسه بذلك ولم ينكر عليهم لفظ (النَّاصِرِيِّينَ). إن قديس أهل الصليب بولس الرسول ـ مؤسس الديانة النصرانية التثليثية ـ قد أقر لفظ (ناصريين) فما بال أتباعه يعدلون عنه ويستبدلونه بلفظ آخر؟ أوليس هذا هو عين الجهل والإبتداع؟

في النهاية تجدر الإشارة إلى ملحوظتين:

[1] تسمية النصارى بالناصريين تسمية غير دقيقة، والصواب هو لفظ (النصارى) وهو اللفظ الذي تشير إليه الترجمة اللاتينية: Nazaraeer

[2] ذكر أحد معلمي الكنيسة واسمه Hieronymus (توفي 420 ميلادية) وجود إنجيل يسمى إنجيل النصارى: Nazaraeerevangelium

كل ذلك يؤكد صحة تسمية (نصارى) وأصالته في أدبيات النصارى القدماء وآبائهم الأولين، وخطأ تسمية (مسيحيين) لاهوتيا ولسانيا ولكن أكثر القوم لا يعلمون.

أكتفي بهذا القدر

والسلام

الحسيني

Published in: on مايو 10, 2008 at 9:30 ص  اكتب تعليقُا  

The URI to TrackBack this entry is: https://alhousseiny.wordpress.com/2008/05/10/%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d9%8a%d8%ad-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d9%8a%d8%ad%d9%8a%d9%88%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b5%d8%a7%d8%b1%d9%89/trackback/

RSS feed for comments on this post.

أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: