وقفة تحليلية مع مطلع إنجيل لوقا

بدأ لوقا الإنجيلي كتابه بالجمل التالية:

(إِذْ كَانَ كَثِيرُونَ قَدْ أَخَذُوا بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ عِنْدَنَا، 2 كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ، 3 رَأَيْتُ أَنَا أَيْضًا إِذْ قَدْ تَتَبَّعْتُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الأَوَّلِ بِتَدْقِيق، أَنْ أَكْتُبَ عَلَى التَّوَالِي إِلَيْكَ أَيُّهَا الْعَزِيزُ ثَاوُفِيلُسُ، 4 لِتَعْرِفَ صِحَّةَ الْكَلاَمِ الَّذِي عُلِّمْتَ بِهِ) (لوقا 1 : 1 – 4)

والتي تدل دلالة قاطعة على أمور هامة يجب أن يتوقف عندها كل باحث عن الحق.

[1] (إِذْ كَانَ كَثِيرُونَ قَدْ أَخَذُوا بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ عِنْدَنَا …)
يقصد لوقا بقوله (قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ عِنْدَنَا …) قصة عيسى المسيح الذي سماه لوقا وغيره “يسوع” وهي تسمية خاطئة كما علمنا، أي قصة حياة عيسى وسيرته الذاتية. لكن من يقصد بضمير الجر ( نا ) في قوله (المتيقنة عندنا)؟ هل يقصد جمهور النصارى أم يقصد طائفة منهم؟ وإذا كان يقصد جمهورهم فهل يعني المتقدمين من الذين شهدوا الأحداث أم من التابعين لهم مثله؟ إن متعلق الضمير من الناحية اللسانية غير واضح، لكن دعونا نتخطى تلك النقطة إلى نقطة أكثر أهمية. من هم الـ (كثيرون) الذين (قَدْ أَخَذُوا بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ …) عندهم؟ إننا إذا استعرضنا أسماء كتاب الأناجيل المعتمدين ـ إضافة للوقا نفسه ـ نجد ثلاثة أسماء فقط لا غير هي: (متى) و(مرقص) و(يوحنا) فهل يصح وصف ثلاثة نفر بوصف (كثيرون)؟ لقد ذكر لوقا أن هناك كثيرين (قَدْ أَخَذُوا بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ …) عنده وغيره أي لا يمكن أن يكون المقصود هنا الكتاب الذين صنفت الكنيسة لاحقا قصتهم ضمن الأبوكريفا لأن لوقا يذكر بدقة أن تلك القصص هي فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ …) عنده وغيره فأين هي تلك الكثرة؟ إما أن لوقا لا يعي ما يقول فلا يميز بين (الكثير) و(القليل) وهذا مستبعد وإما أن تكون الكنيسة قد تعاملت مع المؤلفات التي أشار لوقا إليها من الباب الخلفي وسمحت بتمرير أربع قصص فقط وهذا هو الأرجح.

[2] (كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ)
في الفقرة الأولى تحدث لوقا عن (قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ)، وفي الفقرة الثانية يقول (كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ) وهي فقرة تدل على شيئين هامين للغاية:

i. يعود ضمير الغائب المؤنث ( ها ) في قوله (كما سلمها إلينا) إما على (قصة) وإما على (الأمور المتيقنة) وهذا الأقرب لأن ضمير الغائب جاء مباشرة بعد متعلقه بلا فاصل، وهذا معناه أن لوقا وغيره من معاصريه تسلموا (الأمور المتيقنة) أي العقائد النصرانية تسلما. هم لم يصلوا إلى تلك العقائد بطريق (الإستدلال العقلي) ولكنهم تلقوها تلقيا بطريق (الآثار).

ii. الفاعل في الجملة هو لفظ (الذين) وهو إسم موصول مبني وفي محل رفع، وصلة الموصول هي (كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ). تدل هذه الفقرة دلالة قاطعة على أن لوقا ـ وغيره ـ لم يكن منذ البدء (معاينا) لكلمة الله المسيح عيسى بن مريم أي أنه لم يكن (شاهد عين) ولكنه (شاهد سمع) تلقى (قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ) من (الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ).

إن شهود العين هم الحواريين Juenger الذين حاوروا المسيح وحاورهم، وحيرهم وحيروه، من أمثال بطرس وبرنابا وتوماس ويهوذا وغيرهم فأين شهادة هؤلاء التي سلموها لأولئك؟ إن لغة الحوار بين عيسى وحوارييه كانت العبرانية الآرامية بينما اللغة التي دون بها إنجيل لوقا هي اليونانية المفقودة، مما يعني أن هناك حاجز لساني هام جدا يحجز بين القصة (الأصلية) والقصة (المترجمة).

[3] (رَأَيْتُ أَنَا أَيْضًا إِذْ قَدْ تَتَبَّعْتُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الأَوَّلِ بِتَدْقِيق، أَنْ أَكْتُبَ عَلَى التَّوَالِي إِلَيْكَ أَيُّهَا الْعَزِيزُ ثَاوُفِيلُسُ، 4 لِتَعْرِفَ صِحَّةَ الْكَلاَمِ الَّذِي عُلِّمْتَ بِهِ)
نفهم مما تقدم ما يلي:

– سلم (الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ) عقائد ويقينيات للذين لم يكونوا (مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ).

– أخذ ( كثيرون) من الذين لم يكونوا (مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ) (بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ) (كما سلمها) إليهم (الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ).

– بعد أن أخذ ( كثيرون) من الذين لم يكونوا (مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ) (بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ) (كما سلمها) إليهم (الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ) رأى لوقا أن يكتب هو أيضا وقد تتبع كل شيئ من الأول بتدقيق إلى (ثَاوُفِيلُسُ). إن قول لوقا عن نفسه (إِذْ قَدْ تَتَبَّعْتُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الأَوَّلِ بِتَدْقِيق) لا يدل على أنه كان شاهد عين على العقيدة لإنه سبق وأن أوضح (كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ) أي أنه لم يكن من هؤلاء، ولكنه يدل على تتبعه سيرة المسيح منذ بدايتها بتدقيق أي تتبع الآثار المروية والأسانيد التي وقف عليها بتدقيق. إن لفظ (تدقيق) لا يعني بضرورة الحال أن عمله ذلك معصوما ولكنه يعني أنه استفرغ وسعه في تدقيق أساطير الأولين كما سلمت إليه ولا يوجد مانع عقلي أن يكون تدقيقه ذاك قد فاته كثير أو قليل من الحقائق.

الخلاصة
لم يكن لوقا الإنجيلي شاهد عين على سيرة المسيح لإنه لم يكن من أفراد عائلته ولا من حوارييه المقربين، وإنما كان تابعا نمت إلي مسامعه قصة العقيدة النصرانية كما نقلها الأولون، فأخذ يتتبع تلك القصة من بدايتها إلى نهايتها ودون جهده ذاك في كتاب اعتمدته الكنيسة لاحقا كأحد أربعة أناجيل رسمية ضاربة عرض الحائط بعشرات من الأناجيل المخالفة للتعاليم البولسية (نسبة إلى قديسهم بولس) عرض الحائط. وحتى لا نظلم لوقا هذا نقر صراحة بأن الرجل لم يزعم أنه كان شاهد عين ولكنه أوضح أنه مجرد شاهد سمع، كما أنه بين أن كثيرين قد سبقوه في هذا المجال، ولم يزعم لنفسه أن قصته تلك تمت بمباركة “الروح القدس” ولكنه أبان بوضوح شديد بأن مجهوده ذاك هو جهد بشري خالص بذل فيه غاية وسعه في التتبع والتدقيق. إن الرجل لم يزعم لنفسه عصمة ولا تأييدا قدسيا فما بال الكنيسة قد أمست ملكية أكثر من الملك فادعت له ما لم يدعيه لنفسه؟

تحياتي

الحسيني

Published in: on مايو 18, 2008 at 5:25 م  اكتب تعليقُا  

The URI to TrackBack this entry is: https://alhousseiny.wordpress.com/2008/05/18/%d9%88%d9%82%d9%81%d8%a9-%d8%aa%d8%ad%d9%84%d9%8a%d9%84%d9%8a%d8%a9-%d9%85%d8%b9-%d9%85%d8%b7%d9%84%d8%b9-%d8%a5%d9%86%d8%ac%d9%8a%d9%84-%d9%84%d9%88%d9%82%d8%a7/trackback/

RSS feed for comments on this post.

أضف تعليقاً

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: